حين عدّد مشروع القانون الأميركي H.R. 10795 أحد عشر مورداً سودانياً تحت اسم «المعادن المشمولة»، بدا السودان في النص بلداً غنياً بالنحاس والحديد والنيكل والفضة واليورانيوم إلى جانب الذهب. السؤال الذي تطرحه هذه المادة أبسط في صياغته وأصعب في إجابته: ما الذي نعرفه فعلاً، بالأرقام والوثائق، عن كل مورد من هذه الموارد؟
الصورة الرئيسية: الصحراء النوبية في شمال السودان، 5 فبراير 2013 (صورة أرشيفية سياقية). لا تُظهر منجماً ولا توثق إنتاج المعادن المذكورة. تصوير David Stanley / Wikimedia Commons، CC BY 2.0.
تختلف الإجابة من معدن إلى آخر. للذهب سجل إنتاج رسمي وتقديرات دولية، وللكروم تاريخ تعدين يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، أما موارد أخرى في القائمة فأحدث رقم متداول عنها يعود إلى عقود، أو يأتي من مصادر ثانوية لم تكشف منهجيتها.
باختصار
- أعلنت وزارة المعادن إنتاج 64 طناً من الذهب في 2024 و70 طناً في 2025، بحسب ما نقلته وكالة شينخوا.
- تصف هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الذهب بأنه أبرز صادرات السودان المعدنية من حيث القيمة في 2024.
- أشهر رقم عن نحاس دارفور مصدره تقدير ورد في الكتاب السنوي للهيئة الأميركية عام 1968.
- غابت خمسة من موارد القائمة، بينها اليورانيوم والنيكل، عن المنتجات المعدنية التي رصدتها الهيئة لعام 2024.
سُلّم الدليل: أربع درجات قبل كلمة «ثروة»
يميّز الاقتصاد المعدني بين مراحل متتالية. تبدأ بالمؤشر أو الظهور المعدني الذي ترصده عيّنة أو مسح، ثم «المورد» المقدّر بالحجم والدرجة، ثم «الاحتياطي» الذي ثبتت جدوى استخراجه فنياً واقتصادياً، وأخيراً المنجم العامل الذي يسجّل إنتاجاً فعلياً. الانتقال من درجة إلى التالية يحتاج إلى حفر واختبارات ودراسات جدوى وتمويل، وقد يستغرق سنوات طويلة. ويخلط كثير مما يُتداول عن «ثروات السودان المعدنية» بين هذه الدرجات، فيُقدَّم المؤشر الجيولوجي كأنه منجم جاهز.
الذهب: الرقم الأقوى، والأكثر حاجة إلى قراءة حذرة
تقول هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إن السودان أنتج في 2024 الذهب والكروميت والنفط الخام والمكرر، إلى جانب مواد صناعية تشمل الأسمنت والفلسبار والجبس والكاولين والملح، وإن الذهب ظل أبرز سلعة معدنية تصديرية من حيث القيمة. وتصف الهيئة السودان بأنه منتج ذو أهمية إقليمية في عدد من المنتجات، دون أن يكون منتجاً عالمياً مؤثراً.
وعلى الجانب الرسمي، أعلنت وزارة المعادن أن إنتاج الذهب بلغ 70 طناً في 2025، متجاوزاً المستهدف بنسبة 13 في المئة، بعد 64 طناً في 2024، بحسب ما نقلته وكالة شينخوا. وقالت الشركة السودانية للموارد المعدنية إن قطاع التعدين أدخل نحو 1.087 تريليون جنيه سوداني إلى الإيرادات العامة في 2025. وتذكر الوكالة، نقلاً عن بيانات بنك السودان المركزي، أن الذهب شكّل في 2022 نحو 46.3 في المئة من الصادرات غير النفطية بقيمة 2.02 مليار دولار، وأن الإنتاج تراجع إلى طنين فقط بعد خمسة أشهر من اندلاع النزاع المسلح في 2023.
هذه أرقام تصدر عن جهة حكومية في زمن نزاع مسلح، وتغطي ما مرّ عبر القنوات الرسمية. ويبقى الذهب المهرّب خارج هذه الإحصاءات، وقد وصف تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الصادر في يوليو 2026 الذهب بأنه مصدر إيرادات رئيسي للقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع معاً.
الكروم: تعدين قديم في جبال الإنقسنا
الكروميت هو المعدن الثاني الذي تذكره الهيئة الأميركية بين ما أسهم في الناتج المحلي السوداني في 2024. وتعود جذور إنتاجه إلى جبال الإنقسنا في ولاية النيل الأزرق؛ ففي الكتاب السنوي للهيئة عن عام 1975 يرد أن نحو 20 ألف طن من الكروميت استُخرجت من المنطقة في ذلك العام، وشُحنت عبر محطة السكة الحديد في الدمازين إلى بورتسودان للتصدير. أما حجم الاحتياطي، فتقدّره مجلة bne IntelliNews بنحو مليون طن، دون أن توضح مصدر التقدير أو تاريخه.
النحاس: رقم عمره 58 عاماً
يرد في الكتاب السنوي للهيئة الأميركية عن عام 1968 أن مكامن في مديرية دارفور تحتوي على نحاس بنسبة 2.78 في المئة، بإجمالي يُقدّر بعشرة ملايين طن من الخام. وترتبط مكامن النحاس في دارفور في الذاكرة المحلية بمنطقة حفرة النحاس في جنوب دارفور. هذا التقدير القديم هو أساس كثير مما يُكتب اليوم عن «نحاس السودان»، ولم تعثر سودان ستوري على دراسة جدوى حديثة معلنة تحدّثه أو تبني عليه.
ولذلك يظل أي حديث عن احتياطي نحاسي تجاري في السودان رهيناً بأسئلة لم تُجب عنها الوثائق المتاحة: ما الدراسات التي أُنجزت بعد 1968؟ ما درجة الخام وتكلفة استخراجه بأسعار اليوم؟ ومن يحمل تراخيص البحث أو الاستغلال في المنطقة؟
الحديد والجبس: أرقام كبيرة بمصادر ثانوية
تقدّر مجلة bne IntelliNews احتياطيات الحديد في السودان بنحو ملياري طن، أبرزها في وادي حلفا وتلال البحر الأحمر، واحتياطيات الجبس بنحو 220 مليون طن على ساحل البحر الأحمر. الجبس يُنتج فعلاً بحسب الهيئة الأميركية، وهو ما يمنح الرقم الثاني سنداً جزئياً. أما رقم الحديد فيحتاج إلى مقارنة مع بيانات هيئة الأبحاث الجيولوجية السودانية قبل التعامل معه بوصفه احتياطياً مثبتاً.
بقية القائمة: أسماء بلا بيانات إنتاج حديثة
غابت خمسة موارد من قائمة المشروع الأميركي، هي اليورانيوم والنيكل والزنك والفضة والمنغنيز، عن المنتجات المعدنية التي رصدتها الهيئة الأميركية في السودان لعام 2024. غياب الإنتاج المسجّل يعني غياب الدليل العلني على الاستخراج، ويُبقي احتمال وجود المكامن قائماً. والفرق بين الأمرين جوهري لأي نقاش عن قيمة الشراكة المقترحة. أما النفط الخام، فهو منتج فعلاً، وتذكره الهيئة بين ما أسهم في الناتج المحلي.
من يملك القرار؟
ينظم القطاع قانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين لسنة 2015، وتشرف عليه هيئة الأبحاث الجيولوجية والشركة السودانية للموارد المعدنية، وفق الهيئة الأميركية، ويعمل فيه مزيج من الشركات الحكومية والمشتركة والخاصة. غير أن النزاع المسلح أضاف طبقة لا يعكسها الإطار القانوني: من يسيطر فعلياً على الموقع والطريق والميناء؟
السيطرة العسكرية المؤقتة على موقع ما تمنح القدرة على الجباية والاستخراج، ولا تنقل ملكية المورد. ووجود ترخيص رسمي لا يثبت بدوره أن العائدات تصل إلى الخزانة العامة. فهم ثروة السودان المعدنية يحتاج إذن إلى خريطتين منفصلتين: خريطة جيولوجية للمكامن، وخريطة مؤرخة للسيطرة ومسارات التجارة، تُقرآن معاً دون أن تُدمجا في صورة واحدة توحي بيقين غير متوفر.
تتسع ثروة السودان لما هو أكبر من الذهب، وتضيق الأدلة المتاحة عنها كلما ابتعدنا عنه. والتعامل المسؤول مع قائمة مثل قائمة المشروع الأميركي يبدأ من هذا الفارق.
في هذا الملف: مشروع قانون أميركي يربط شراكة المعادن بحماية المدنيين · الصمغ العربي في حسابات واشنطن · هل تمنح الموارد شرعية لسلطات الأمر الواقع؟ · من يحمي السلطة المدنية في مناطق نفوذ السلاح؟
إعداد: فريق سودان ستوري
المصادر: هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، صفحة السودان؛ شينخوا، 29 ديسمبر 2025؛ الكتاب السنوي للمعادن 1968؛ الكتاب السنوي للمعادن 1975؛ bne IntelliNews، فبراير 2025؛ أخبار الأمم المتحدة، يوليو 2026؛ سجل المشروع H.R. 10795.
المنهجية: الأرقام الرسمية للذهب منقولة عن شينخوا نقلاً عن وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية، ولم نطّلع على البيان الأصلي. تقديرات الكروم والحديد والجبس مصدرها مجلة اقتصادية لم تكشف منهجيتها، وتُعامل كتقديرات غير مثبتة. أرقام 1968 و1975 تاريخية ولا تعكس الوضع الحالي.
آخر مراجعة: 16 أكتوبر 2026

