لم تعد المشكلة التي يواجهها بعض سكان أم درمان محصورة في العثور على السلع. ففي أسواق بدأت تستعيد حركتها، تقف أمام الأسر معضلة أخرى: كيف تشتري احتياجاتها من الغذاء والدواء وتدفع تكاليف المياه والمواصلات عندما لا تكفي الرواتب والأعمال اليومية لتغطية النفقات؟
تروي شهادات جمعتها «سودان ستوري» من سكان المدينة في 22 سبتمبر 2026 صورة مركبة للحياة بعد موجات القتال: تحسن نسبي في الإمدادات والأمان في بعض المناطق، يقابله ضغط متواصل على ميزانيات الأسر، وخدمات تعمل بصورة متقطعة. وتصف هذه الإفادات تجارب أصحابها في أوقات وأماكن محددة، وهي غير معدّة لقياس متوسطات الأسعار في المدينة كلها.
رفوف امتلأت وجيوب لا تكفي
تقول سيدة من أم درمان، نشير إليها باسم «أم النور» حفاظًا على خصوصيتها، إن العودة التدريجية لبعض الأنشطة اليومية لا تعني أن الحياة استعادت طبيعتها. وتضيف: «هسى أحسن شويه من ناحية الأمان في بعض أحياء أم درمان، الناس بدت ترجع، لكن المعاناة بقت معيشية أكثر من أمنية».
تصف «أم النور» ارتفاعًا كبيرًا في تكلفة السلع التي تشتريها أسرتها، ولا سيما الدقيق والزيت والسكر، إلى جانب مصروفات الأطفال والدراسة والعلاج. وتعتمد الأسرة، وفق إفادتها، على تحويلات من أحد أفرادها في الخارج وعلى دخل متقطع من أعمال يومية. وتتيح هذه الموارد استمرار الإنفاق الأساسي، لكنها لا تمنح الأسرة اطمئنانًا إلى ما ستتمكن من شرائه في الأسبوع التالي.
ويقول محمد هارون، في إفادة للمنصة، إن بعض السلع الغذائية عادت إلى الأسواق الرئيسية وأسواق الأحياء مع استئناف مسارات الإمداد. لكن توفر البضائع، كما يلاحظ، لا يلغي أثر تراجع القدرة الشرائية، خصوصًا على الأسر التي فقدت مصدر دخل ثابتًا أو أصبحت تتحمل نفقات إضافية بعد النزوح والعودة.
الراتب في مواجهة المصروف اليومي
يعول محمد علي أسرة من خمسة أفراد. ويصف صعوبة ملاحقة الأسعار بقوله: «حتى السلع الأساسية أصبحت مرتفعة جداً، وكل يوم في ارتفاع، والمرتب ما قادر تتسابق معاها».
لا يتوقف حساب المصروفات عند الطعام. فهناك كلفة الوصول إلى العمل، واحتياجات الدراسة، والأدوية، وأحيانًا ثمن المياه عندما تتعطل الخدمة. وبين الأسر التي تعتمد على مرتب شهري وأخرى على دخل يومي غير منتظم، تختلف الوسائل المتاحة للتكيف: تقليص المشتريات، أو الاستدانة، أو انتظار تحويل مالي، أو تأجيل نفقات يمكن تأخيرها.
وتتحدث إفادات السكان عن ضيق المسافة بين وصول المال والحاجة إلى إنفاقه. ويشير محمد علي إلى أن التعثر أحيانًا في استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية أو الحصول على النقد يزيد تعقيد تدبير احتياجاته. وتبقى هذه تجربته الشخصية، ولا تكفي وحدها لإثبات مدى انتشار المشكلة المصرفية في المدينة.
الدواء متاح أحيانًا.. ولكن بأي ثمن؟
تصف «أم النور» البحث عن أدوية لا تتوافر دائمًا في الصيدليات القريبة، أو تتوافر بأسعار يصعب على أسرتها دفعها. وفي المقابل، يرى محمد هارون أن الإمدادات الدوائية تحسنت نسبيًا في بعض الصيدليات التجارية والمرافق العاملة. وبين الشهادتين لا يبدو هناك تناقض كامل: فقد تتوفر أصناف معينة في مكان، بينما تظل بعيدة أو باهظة بالنسبة إلى مريض يقيم في حي آخر.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى اتساع الأزمة الصحية في السودان. ففي بيان أصدرته في 14 أبريل 2026، قالت إن 37% من المرافق الصحية في البلاد لا تزال خارج الخدمة. وهذه نسبة وطنية لا تقيس وضع مستشفيات أم درمان وحدها، لكنها توضح الضغوط الأوسع التي تواجه حصول السكان على العلاج.
الكهرباء والمياه: تكلفة إضافية
حتى عندما تعود السلع إلى الأسواق، يمكن أن يرفع اضطراب الخدمات ثمن الحياة اليومية. ويشير محمد هارون إلى أن إصلاح بعض خطوط الكهرباء في مناطق من أم درمان لم يمنع استمرار الانقطاعات، فيما تؤثر أعطال الطاقة والوقود في تشغيل مضخات المياه وتوزيعها.
وتقول إفادات جمعتها المنصة إن بعض الأسر تلجأ إلى شراء المياه أو دفع مبالغ إضافية لنقلها عندما تنقطع الشبكة. كما تعني الأعطال ضياع وقت في البحث عن احتياجات أساسية، أو تعطل أعمال منزلية ومهنية صغيرة تعتمد على الكهرباء. ولا يمكن تحويل هذه الحالات إلى تقدير لتكلفة الخدمات في جميع أحياء المدينة من دون مسح أوسع.
اقتصاد خسر سنوات.. وأسر تحاول الصمود
في 14 أبريل 2026، نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية تقرير «ما بعد النزاع: رسم مسار للنمو والتنمية المستدامين في السودان». وقدّر التقرير خسارة السودان 6.4 مليارات دولار من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، ودفْع نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع في عام واحد، وقال إن متوسط الدخل تراجع إلى مستوى لم يُسجَّل منذ عام 1992. وحذّر من أن نسبة الفقر المدقع قد تتجاوز 60% من السكان إذا استمر النزاع المسلح حتى عام 2030.

تتناول هذه التقديرات اقتصاد السودان على المستوى الوطني، وتغيب عنها الأسعار والدخول في أم درمان تحديداً. وتضع مع ذلك شهادات الأسر في سياق تراجع اقتصادي أوسع، ترتبط فيه صعوبة شراء الاحتياجات بتعطل العمل والنقل والإمدادات والخدمات، وليس بسعر سلعة واحدة.
العودة إلى المدينة ليست نهاية الأزمة
تكشف شهادات سكان أم درمان جانبًا من مفارقة العودة: قد تفتح المتاجر أبوابها وتظهر السلع على الرفوف، من دون أن تتمكن الأسر من شراء ما تحتاج إليه. وقد يتراجع الخطر الأمني المباشر في بعض الأحياء، بينما تستمر المخاوف من تكلفة العلاج والغذاء والمياه.
لهذا لا يكفي قياس عودة الحياة بعدد الأسواق العاملة أو السلع المتوفرة. بالنسبة إلى هذه الأسر، سيصبح التعافي ملموسًا عندما يستقر الدخل، ويمكن الحصول على الدواء والخدمات بتكلفة محتملة، وتتحول العودة من محاولة يومية لتدبير الضروريات إلى فرصة لاستعادة حياة قابلة للاستمرار.
تقرير: جنة علي بشارة · لـ«سودان ستوري»
أُجريت المقابلات في أم درمان يوم 22 سبتمبر 2026. «أم النور» اسم مستعار حفاظاً على خصوصية صاحبته.
المصادر: منظمة الصحة العالمية، 14 أبريل 2026؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، 14 أبريل 2026.
الصورة الرئيسية أرشيفية لسوق أم درمان، التُقطت في 14 أغسطس 2009، ولا تصوّر الأسواق اليوم. تصوير: Petr Adam Dohnálek عبر Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 3.0 CZ.

