في سوق نيالا، يقول تاجر مواد غذائية إن شوال السكر الذي كان يبيعه بنحو 30 ألف جنيه قبل أبريل 2023 بلغ نحو 305 آلاف جنيه وقت حديثه إلى «سودان ستوري». جزء من هذا الفارق يُدفع قبل أن تصل البضاعة إلى السوق: عند نقاط التفتيش، وفي الوقود وأجرة الترحيل، وفي أيام الانتظار على الطريق.
منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، تغيّرت طرق حركة السلع بين مناطق الإنتاج والأسواق. ومع إغلاق بعض الطرق أو ارتفاع مخاطر استخدامها، اتجه التجار والسائقون إلى مسارات أطول وأكثر كلفة، تمر عبر نقاط تفتيش وارتكازات متعددة. وتخضع نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، لسيطرة قوات الدعم السريع منذ أكتوبر 2023، وأصبحت لاحقاً مقراً لما يسميه تحالف «تأسيس» «حكومة السلام».
ولا يصنع الطريق السعر وحده؛ إذ يدخل فيه سعر الصرف وتكلفة الوقود وتوافر السلع والعرض والطلب وتكاليف التخزين. يتتبع هذا التقرير حلقة واحدة من هذه الحلقات: الطريق، كما ترصدها دراسة ميدانية منشورة وثلاث إفادات جمعتها «سودان ستوري» في نيالا مطلع أكتوبر 2026.

ما يدفعه السائق على الطريق يصل إلى السوق
تبدأ تكلفة السلعة في التراكم منذ لحظة تحميل الشحنة، حين تتداخل أجرة النقل والوقود والرسوم والجبايات، وقد تُضاف إليها كلفة المرافقة الأمنية أو التأخير وتغيير المسار.
وتشير دراسة «الاقتصاد السياسي للنقد والأسواق في السودان»، الصادرة في أكتوبر 2025 عن معهد ريفت فالي (الأخدود العظيم) والمستندة إلى عمل ميداني بين فبراير وأبريل 2025، إلى أن نقاط التفتيش تكاثرت على طرق التجارة، وأن جهات مسلحة وغير مسلحة تقيمها وتحصّل عندها رسوماً رسمية وغير رسمية. وتنبّه الدراسة إلى أن نتائجها لقطة لتلك الفترة، ولا تغطي جميع نقاط التفتيش في السودان.
وفي دارفور، رصدت الدراسة في مارس 2025 نحو 45 نقطة تفتيش على 170 كيلومتراً من طريق الجنينة ـ نيالا، و15 نقطة بين نيالا وعد الفرسان على مسافة نحو 90 كيلومتراً. ولا تحدد الدراسة بداية مقطع الكيلومترات المئة والسبعين ونهايته على طريق الجنينة ـ نيالا، علماً بأن المسافة بين المدينتين أطول من ذلك.

وتتعدد الجهات التي تدير نقاط التفتيش بتعدد أطراف النزاع المسلح. فعلى طريق الدبة ـ مليط، أحد طرق الإمداد الرئيسية إلى دارفور من الشمال، أقامت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح 23 نقطة تفتيش قبل سيطرة قوات الدعم السريع على مليط في أبريل 2024، إضافة إلى 11 نقطة على طريق الكفرة ـ مليط القادم من ليبيا، وفق الدراسة.
وفي أبريل 2024، بلغ متوسط ما تدفعه الشاحنة الواحدة عند كل نقطة على طريق الدبة ـ مليط نحو 75 ألف جنيه. وبحساب بسيط أجرته «سودان ستوري»، تصل رسوم النقاط الثلاث والعشرين وحدها إلى نحو 1.7 مليون جنيه للرحلة، أي نحو 1,300 دولار بسعر السوق الموازية آنذاك (نحو 1,315 جنيهاً للدولار بحسب الدراسة).
والرسوم جزء من الفاتورة فحسب. ففي يناير 2025، قُدّرت تكلفة نقل شاحنة تحمل 30 طناً من دقيق القمح من الدبة إلى شمال دارفور بنحو 3 آلاف دولار، شملت الضرائب الرسمية ورسوم نقاط التفتيش والمرافقة الأمنية، وفق تقدير لبرنامج SPARC نقلته الدراسة. ويعني ذلك أن كل شوال دقيق زنة 50 كيلوغراماً يحمل من هذه الفاتورة نحو 5 دولارات قبل أن يصل إلى أي تاجر.
| البند | القيمة | كيف حُسبت |
|---|---|---|
| متوسط الرسوم عند نقطة تفتيش واحدة (الدبة ـ مليط، أبريل 2024) | 75,000 جنيه للشاحنة | من الدراسة |
| رسوم 23 نقطة تفتيش | نحو 1.7 مليون جنيه (≈ 1,300 دولار) | 75,000 × 23، بسعر 1,315 جنيهاً للدولار |
| تكلفة رحلة شاحنة دقيق 30 طناً (الدبة ـ شمال دارفور، يناير 2025) | نحو 3,000 دولار | تقدير SPARC كما نقلته الدراسة |
| حصة شوال الدقيق (50 كغم) من تلك الفاتورة | نحو 5 دولارات (≈ 13 ألف جنيه) | 3,000 ÷ 600 شوال، بسعر 2,600 جنيه للدولار (مارس 2025) |
الأدوية.. تكلفة الطريق قبل وصولها إلى المريض
في نيالا، يعمل «سليمان»، وهو اسم مستعار، مورّداً للأدوية، ويفضّل حجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية. يقول إن الأدوية تُورَّد من توكيلات في نيالا أو الضعين إلى المحليات الأخرى في ولاية جنوب دارفور، وإنه يسافر إلى محليات شمال نيالا، مثل مرشنج ومنواشي والملم.
«أنا بسافر مسافة 110 كيلو من مدينة نيالا إلى محليات مرشنج ومنواشي والملم، وتوجد ما يقارب 11 أو 12 نقطة تفتيش في الشوارع».
ويقدّر سليمان أن نحو ست من هذه النقاط رسمية، ويصف نحو خمس بأنها غير رسمية. ويقول إن النقاط الرئيسية تقع عند مداخل المدن والمحليات والمعابر، بينما تنتشر نقاط أخرى في الخلاء وعلى الطرق.
«المداخل الرئيسية بها نقاط تحصيل تفرض ضرائب غير ثابتة على السواقين وأصحاب العربات، على حسب نوع العربات والشحنة، ولديهم إيصالات دفع يعطونها للسواقين».
أما النقاط التي يصفها بأنها غير رسمية، فيقول عنها:
«أما المداخل والبوابات غير الرسمية، ياخذون من السواق رسوم غير ثابتة على حسب مزاجهم وما يطلبونه».
ويحسب سليمان تكلفة وصول الدواء إلى المناطق الريفية من بنود متعددة: الترحيل والرسوم والضرائب والتفتيش. ويضيف أن الموردين يدفعون أيضاً رسوماً مرتبطة بترخيص الأدوية، يقول إنها تُحصَّل عبر وحدة يسميها «الأمن الاقتصادي» ويصفها بأنها تابعة لاستخبارات الولاية. وهذه إفادة لم تتمكن «سودان ستوري» من التحقق منها عبر مصدر مستقل. وقد طلبت «سودان ستوري» تعليقاً من الجهات المعنية في نيالا بشأن الرسوم ونقاط التحصيل و«الأمن الاقتصادي»، ولم تتلقَّ رداً على طلباتها حتى إعداد هذه النسخة.
ويقول إن ارتفاع سعر الصرف والوقود وطول المسافات، إلى جانب الرسوم، جعل توفير بعض الأدوية ونقل كميات كبيرة منها أكثر صعوبة.
«هناك جزء كبير من الأدوية المنقذة للحياة أصبحت غير متوفرة للمرضى، نسبة لأن الاستيراد أصبح محصوراً في أماكن معينة، مما سبب ندرة في توفرها».
الطريق البديل له ثمن أيضاً
حين يصبح الطريق المعتاد أكثر خطورة أو تتوقف الحركة فيه، يبحث التجار والسائقون عن مسارات أخرى، وللطريق البديل ثمنه كذلك: مسافة أطول، ووقود أكثر، ووقت أطول على الطريق، ومناطق جديدة تفرض تكاليفها على حركة الشاحنات.
وترصد دراسة «ريفت فالي» ارتفاع تكلفة النقل بين نيالا والدبة بنحو 200%، وبين نيالا وأم درمان بنحو 300%، وبين عواصم ولايات دارفور الخمس بنحو 200% منذ اندلاع النزاع المسلح. وزيادة بنسبة 300% تعني أن أجرة النقل صارت أربعة أضعاف ما كانت عليه. وتضع الدراسة هذه الزيادات ضمن مجموعة عوامل تشمل نقاط التفتيش والوقود وتغيّر المسارات وتكاليف الأمن والرسوم.

والوقود نفسه يصل إلى نيالا عبر الطريق. ففي يونيو 2026، نقل موقع «دارفور 24» عن تاجر الوقود يعقوب صالح أن سعر برميل البنزين في المدينة بلغ 2.25 مليون جنيه وبرميل الجازولين 2.35 مليون، مقارنة بنحو 1.8 مليون في السابق، وعزا الزيادة إلى تراجع الإمداد عبر سوق النعام الحدودي مع جنوب السودان وصعوبة حركة الشاحنات في موسم الأمطار.
عندما يصبح الطريق جزءاً من سعر السلعة
تصل السلعة إلى السوق وهي تحمل تكلفة الرحلة التي قطعتها. فالسعر الذي يحدده التاجر يتجاوز سعر شراء البضاعة من المصدر، ويشمل الوقود وأجرة النقل والرسوم والجبايات والمرافقة وغيرها من المصروفات.
يعمل «عمر»، وهو اسم مستعار، في تجارة المواد الغذائية بالتجزئة منذ ما قبل النزاع المسلح. وبحسب إفادته، ارتفع سعر شوال السكر زنة 50 كيلوغراماً من نحو 30 ألف جنيه قبل أبريل 2023 إلى نحو 305 آلاف جنيه وقت إجراء المقابلة، وقد يصل إلى نحو 350 ألفاً بعد إضافة تكاليف الترحيل. ويقترب هذا الرقم مما نقله راديو دبنقا في 17 سبتمبر 2026، إذ قدّر سعر كيلوغرام السكر في مناطق سيطرة «تأسيس» بنحو 7 آلاف جنيه، أي قرابة 350 ألفاً للشوال.
أما الدقيق، فيقول عمر إن سعر الشوال ارتفع من نحو 85 ألف جنيه إلى 125 ألفاً، مع تراجع توفره في السوق. كما ارتفع سعر البن، بحسب إفادته، من نحو 75 ألف جنيه إلى ما بين 100 و150 ألفاً. ولم يحدد عمر تاريخ السعر السابق للدقيق والبن، خلافاً للسكر الذي قارن سعره بما قبل أبريل 2023.

ويربط عمر بين ارتفاع تكلفة النقل وارتفاع أسعار الوقود؛ فزيادة الوقود تنعكس على أجرة الترحيل، ثم تدخل هذه التكلفة في السعر الذي يضعه التاجر للمستهلك. ويقول إن بعض البوابات الرسمية تفرض رسوماً على البضائع وتصدر إيصالات، بينما تجرّ عمليات التفتيش والتفريغ تكاليف إضافية، منها أجور العمال الذين يُنزلون البضائع ويعيدون تحميلها. وقد تؤخر عمليات التفتيش الشحنة ما بين يوم وثلاثة أيام، وهو ما يضيف كلفة أخرى إلى الرحلة.
الخضار.. سلعة محلية تدفع ثمن الطريق
في سوق الخضار، تظهر المشكلة بصورة مختلفة. تعمل «سارة»، وهو اسم مستعار، في تجارة الخضار منذ 21 عاماً، وتقول إن الأسعار ارتفعت ارتفاعاً كبيراً مقارنة بما قبل النزاع المسلح، وإن الوقود والترحيل والرسوم عند البوابات والأوضاع الأمنية تحدد التكلفة التي تصل بها الخضروات إلى السوق.
وبحسب إفادتها، ارتفعت تكلفة نقل البضاعة من نحو ألف جنيه أو أقل في السابق إلى نحو 3 آلاف جنيه وقت إجراء المقابلة، وقد تصل أحياناً إلى 6 آلاف جنيه أو أكثر بحسب الكمية. ولخفض هذه الكلفة، يتشارك بعض التجار وسيلة النقل؛ إذ تقول سارة إن ثلاثة تجار قد يستأجرون «ركشة» واحدة لنقل بضائعهم وتقاسم الأجرة.
ورغم هذه المحاولات، انعكس ارتفاع النقل والوقود والرسوم على أسعار الخضروات وعلى الكمية التي تصل إلى السوق. فحين تصبح كلفة نقل صنف ما أكبر من قدرة المستهلكين على الدفع، يتوقف بعض التجار عن جلبه. وتقول سارة إن أسعار سلع منتجة محلياً، مثل البامية والطماطم، ارتفعت هي الأخرى.
وتختصر قدرة المستهلكين على الشراء بعبارة: «ما قادرين».
من يدفع فاتورة الطريق؟
تُظهر الشهادات أن التكلفة تنتقل من الطريق إلى السوق في سلسلة متصلة: السائق يدفع عند نقطة التفتيش، والمورّد يضيف الترحيل إلى حسابه، والتاجر يعيد حساب سعر البيع، ليجد المستهلك نفسه أمام سعر أعلى في نهاية السلسلة.

وتشير دراسة «ريفت فالي» إلى أن التجار يجدون أنفسهم أمام خيار بين تقليص هامش الربح أو تمرير التكلفة إلى المستهلك، وأن الرسوم غير الرسمية وغيرها من تكاليف الطريق تتداخل مع الوقود وتغيّر المسارات وانعدام الأمن في تشكيل تكلفة النقل.
وتقدم إفادة عمر مثالاً من جهة التاجر، فيما تكشف شهادة سارة أن ارتفاع التكلفة يمتد إلى كمية البضاعة التي تصل إلى السوق وإلى قدرة الناس على الشراء. ويضيف سليمان طبقة أخرى: حين ترتفع تكلفة الترحيل والرسوم مع سعر الصرف والوقود، تتحول المشكلة من ارتفاع سعر الدواء إلى صعوبة توفير بعض الأصناف أصلاً.
وهكذا يمتد الطريق إلى ما بعد وصول الشاحنة إلى السوق؛ فما يُدفع عند نقاط التفتيش يعود في صورة سعر أعلى أو كمية أقل، وقد ينتهي بسوق يعجز بعض المستهلكين عن الشراء منه.
إعداد: فريق سودان ستوري
المصادر
- عمر إجيمي وكالوم ماكلين، «الاقتصاد السياسي للنقد والأسواق في السودان»، معهد ريفت فالي، أكتوبر 2025، ص 9–10. العمل الميداني: فبراير–أبريل 2025.
- راديو دبنقا عبر AllAfrica، أسواق دارفور وكردفان وتراجع الجنيه، 17 سبتمبر 2026.
- دارفور 24، نقص الوقود يعمّق الضغوط الاقتصادية في نيالا، 1 يونيو 2026.
- مقابلات أجرتها «سودان ستوري» مع مورّد أدوية وتاجر مواد غذائية وتاجرة خضار في نيالا (أسماء مستعارة).
الحسابات المشتقة (مجموع رسوم التفتيش، وحصة الشوال من تكلفة الشاحنة، ومضاعفات الأسعار) من إعداد «سودان ستوري» استناداً إلى الأرقام المنشورة في المصادر أعلاه. الصورة الرئيسية أرشيفية من عام 2017، ولا تعود إلى فترة النزاع المسلح الحالي.

