بعد أن استضافت مؤتمر برلين وصاغت مع شركائها مبادئ دولية للحل، بدأت الدبلوماسية الألمانية تتحرك بصورة أكثر مباشرة داخل السودان. زيارات إلى بورتسودان والخرطوم، واتصالات مع مؤسسات الدولة وقيادات سياسية، تكشف مقاربة تجمع بين الحفاظ على الدولة، والدفع نحو وقف النزاع المسلح، والتمسك بانتقال مدني.

نيروبي: عباس محمد إبراهيم 

ثمة مفارقة تختصر التحول الذي طرأ على الحضور الألماني في السودان خلال الأشهر الأخيرة.

فبينما ظلت السفارة الألمانية في الخرطوم مغلقة منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، بدأ الدبلوماسي الألماني الجديد فيليب فيندل، خلال الأيام الأخيرة، يتحرك داخل السودان نفسه، من بورتسودان إلى الخرطوم، ويلتقي مسؤولين ومؤسسات أممية ودبلوماسيين وقوى سياسية.

سفير المانيا واركو مناوي

تشير هذه الحركة إلى انتقال تدريجي من إدارة الملف السوداني عن بُعد إلى احتكاك أكبر بالواقع داخل البلاد، وإن كانت لا تعني أن ألمانيا أعادت فتح سفارتها أو غيّرت رسمياً موقعها من النزاع المسلح.

وهو تحول يأتي بعد أشهر قليلة من أكبر تحرك ألماني منفرد بشأن السودان منذ اندلاع النزاع المسلح.

برلين تدخل بثقلها

في 15 أبريل الماضي استضافت ألمانيا المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان، بعد مؤتمري باريس في 2024 ولندن في 2025.

شارك في المؤتمر ممثلون عن عشرات الدول، إلى جانب الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وإيغاد والجامعة العربية ومؤسسات مالية ومنظمات إنسانية ومدنية.

وجمع المؤتمر بين مسارين: دفع الجهود السياسية لإنهاء النزاع المسلح، وحشد دعم إضافي للاستجابة الإنسانية.

لكن الأهم سياسياً جاء بعد المؤتمر، مع صدور «مبادئ برلين للسودان».

جمعت الوثيقة بين الحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسسات الدولة، وبين التأكيد على أن مستقبل الحكم ينبغي أن يقوده المدنيون، وأن النزاع المسلح لا يمكن أن ينتهي بحل عسكري وحده.

كما دعت إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وعملية سياسية سودانية شاملة، ووقف التدخلات والدعم الخارجي الذي يطيل أمد النزاع المسلح.

هذه الثنائية مهمة لفهم السياسة الألمانية الحالية.

فبرلين لا تتبنى خطاباً يدفع نحو تفكيك الدولة أو تجاوز مؤسساتها، وفي الوقت نفسه لا تتعامل مع استمرار الحكم العسكري أو الحسم الميداني باعتبارهما نهاية للأزمة السياسية.

من برلين إلى المسار السياسي

لم يتوقف الدور الألماني عند المؤتمر.

فخلال الأشهر التالية واصلت برلين دعم المسار السياسي الدولي المتصل بالسودان، وظهرت ضمن الدول التي تشدد على وحدة البلاد ووقف النزاع المسلح والعودة إلى الحكم المدني.

وبذلك تحركت ألمانيا على مستويين متوازيين: عبر المؤسسات الأوروبية والدولية من الخارج، ومن خلال اتصالات مباشرة مع القوى والفاعلين السودانيين.

لكن الأسبوع الأخير من أغسطس كشف مرحلة جديدة أكثر وضوحاً.

دبلوماسية تعود إلى الأرض

خلال الأيام الأخيرة، التقى فيليب فيندل مسؤولين داخل السودان، بينهم مسؤولون حكوميون وسياسيون وقادة حركات، إلى جانب ممثلين لمؤسسات دولية.

وفي 27 أغسطس التقى مني أركو مناوي، الذي قدم له إحاطة حول جولته الإقليمية الأخيرة، ورؤيته للحوار السوداني–السوداني ووقف النزاع المسلح والتحول المدني، إلى جانب الأوضاع في دارفور وإعادة الإعمار.

كما زار فيندل الخرطوم، وكتب عن حجم الدمار الذي خلّفه النزاع المسلح، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى مظاهر عودة السكان وفتح المتاجر واستئناف بعض الأنشطة.

هذه الحركة لها دلالة تتجاوز الزيارات نفسها.

فمنذ اندلاع النزاع المسلح ظلت غالبية الدبلوماسية الغربية الخاصة بالسودان تُدار من أديس أبابا والقاهرة ونيروبي والعواصم الأوروبية.

عودة دبلوماسي أوروبي إلى الخرطوم، ولو عبر زيارات لا إعادة فتح كاملة للسفارة، تعني أن جزءاً من أوروبا بدأ يرى ضرورة استعادة الاتصال المباشر بالداخل.

هل تقترب ألمانيا من بورتسودان؟

قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، تحولاً باتجاه السلطة القائمة في بورتسودان.

لكن المواقف الألمانية المعلنة لا تدعم حتى الآن استنتاجاً بهذه البساطة.

سفير المانيا في زيارة لسفير السودان لدى إثيوبيا
سفير المانيا في زيارة لسفير السودان لدى إثيوبيا

فبرلين لا تزال تتمسك بوقف النزاع المسلح، والعودة إلى الحكم المدني، وعملية سياسية شاملة، وفي الوقت نفسه تؤكد الحفاظ على مؤسسات الدولة وسيادة السودان ووحدته.

سفير المانيا في زيارة لسفير السودان لدى إثيوبيا
سفير المانيا في زيارة لسفير السودان لدى إثيوبيا

الأقرب أن ألمانيا تحاول بناء معادلة أكثر تعقيداً:

التعامل مع مؤسسات الدولة من دون تبني مشروع حكم عسكري دائم، والانفتاح على القوى المدنية والسياسية من دون التعامل معها باعتبارها بديلاً منفصلاً عن الدولة.

وهذه المعادلة تفسر أيضاً أهمية شخصيات مثل مناوي وأردول وغيرهما في الحسابات الأوروبية؛ فهم موجودون داخل أو بالقرب من مؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان، لكنهم في الوقت نفسه يتحركون في المسارات السياسية الخارجية ويتحدثون عن وقف النزاع المسلح والتحول المدني.

ما بعد النزاع المسلح يدخل الحسابات

هناك ضلع ثالث في المقاربة الألمانية: التعافي وإعادة الإعمار.

لم تقتصر مبادئ برلين على وقف إطلاق النار والحوار، إذ تضمنت أيضاً التعافي الاقتصادي، وعودة النازحين، واستعادة الخدمات، وإعادة بناء قدرة المؤسسات السودانية.

وهذا يجعل اهتمام الدبلوماسية الألمانية بما يحدث في الخرطوم وبورتسودان مفهوماً في سياق أوسع.

فألمانيا كانت قبل انقلاب 2021 قد عادت إلى التعاون التنموي مع السودان، ودعمت مسار إعفاء الديون والتحول الديمقراطي، قبل أن تتعطل تلك العملية بفعل الانقلاب ثم النزاع المسلح.

لذلك فإن ملف إعادة الإعمار ليس جديداً تماماً على برلين، وإنما عودة إلى مسار توقف ثم أصبح أكثر تعقيداً بعد اندلاع النزاع المسلح.

حضور يعود.. لكن بشروط

لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على أن ألمانيا بصدد إطلاق مبادرة منفصلة للسودان أو منافسة الخماسية والرباعية والجهود الأممية، غير أن طريقة الحضور نفسها هي ما تغيّر.

من مؤتمر دولي في برلين، إلى صياغة مبادئ سياسية، ثم دعم المسارات الدولية، وصولاً إلى تحرك الدبلوماسي الألماني الجديد داخل بورتسودان والخرطوم ولقاء القوى الموجودة على الأرض.

وهذا يعكس إدراكاً يبدو أنه يتسع أوروبياً: لا يمكن فهم السودان أو التأثير في ترتيبات ما بعد النزاع المسلح من غرف الاجتماعات الخارجية وحدها.

لا تزال ألمانيا تتحرك تحت سقف وقف النزاع المسلح والانتقال المدني، وقد بدأت في الوقت نفسه تعيد بناء اتصال مباشر مع الدولة والفاعلين السياسيين والواقع الذي ستقوم عليه أي عملية تعافٍ لاحقة.

وربما يكمن السؤال الأدق عن التحركات الألمانية الجديدة في توقيت الاستعداد لمرحلة ما بعد النزاع المسلح، الذي بدأ يتشكل حتى قبل أن ينتهي النزاع نفسه، أكثر منه في مسألة مدى اقتراب برلين من السلطة القائمة في بورتسودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *