تحركات متوازية لمناوي وأردول وجبريل، واتصالات تمتد من عواصم الجوار إلى أوروبا، تتزامن مع مراجعة داخلية لموقف الكتلة من الحوار. وبينما تحتفظ بموقعها داخل معسكر السلطة القائمة في بورتسودان، تحاول بعض مكوناتها توسيع هامشها السياسي قبل أي تسوية مقبلة.
تقرير : سودان ستوري
لم يكن تصريح رئيس قطاع الإعلام في الكتلة الديمقراطية، أمين داؤود، بشأن الحوار السوداني مجرد تأكيد جديد على موقف ظل التحالف يعلنه منذ فترة. فقد جاء هذه المرة مصحوباً بجملة من القيود السياسية: الحوار ينبغي أن يسهم في إنهاء النزاع المسلح، وألا يعيد إنتاج الماضي، وأن يقود إلى انتقال مدني وانتخابات تتوفر لها شروط النزاهة.
وقال داؤود إن الكتلة «مع الحوار، ولكن ليس بأي ثمن»، معلناً اجتماع لجنتها السياسية لمناقشة التطورات قبل رفع الموقف إلى الهيئة القيادية.

يتزامن ذلك مع تحركات سياسية لعدد من أبرز قادة الكتلة امتدت خلال الأسابيع الأخيرة من عواصم الجوار الأفريقي إلى أوروبا، في وقت تتنافس فيه عدة قوى على شكل العملية السياسية المقبلة، وعلى من يملك حق تصميمها.
وتكشف هذه التحركات عن غياب خطة واحدة منسقة بين جميع مكونات الكتلة، وتُظهر في المقابل سعياً لتوسيع مساحة الحركة وعدم الاكتفاء بموقع التحالف داخل السلطة القائمة في بورتسودان.
مسار بدأ قبل دعوة البرهان
لم تبدأ اتصالات الكتلة الديمقراطية مع طرح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أخيراً فكرة الحوار داخل السودان.
ففي يونيو الماضي، شاركت مكونات من الكتلة في مشاورات الآلية الخماسية بأديس أبابا، وانتهت لقاءات بين قوى سياسية إلى تفاهمات بشأن الترتيبات الأولية للعملية السياسية وربطها بمسارات إنهاء النزاع المسلح.
وكان جزء من تلك المشاورات يجمع مكونات من الكتلة الديمقراطية مع تحالف «صمود» وقوى أخرى، في مسار سبق دعوة البرهان الأخيرة.

وكشفت محطة أديس أيضاً تباينات داخل الكتلة نفسها. فقد شاركت في التفاهمات حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، والتحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية بقيادة مبارك أردول، والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة بقيادة أمين داؤود، بينما غابت عنها أو تحفظت عليها مكونات أخرى.
وفي مطلع أغسطس عاد مناوي إلى أديس أبابا ضمن وفد للكتلة شارك في مشاورات مع الآلية الخماسية، تناولت خريطة الطريق للعملية السياسية، ومسارات الحوار، والعلاقة بين المسارين السياسي والأمني.
وهكذا بدا الخلاف أقل ارتباطاً بمبدأ الحوار نفسه، وأكثر اتصالاً بمساره، والأطراف المشاركة فيه، ومن يملك حق هندسة العملية السياسية.
مناوي.. من الخماسية إلى الجوار
بعد مشاورات أديس، تحرك مناوي في اتجاه إقليمي واسع.
ظهر في كمبالا قبل أن ينتقل إلى جوبا، حيث أعلن أن جولته تستهدف إجراء مباحثات بشأن إنهاء النزاع المسلح وتحقيق السلام. وفي جنوب السودان كرر الدعوة إلى حوار سوداني–سوداني، وأجرى سلسلة لقاءات مع مسؤولين في الدولة.
وتكتسب جوبا أهمية خاصة بالنسبة إلى مناوي؛ فهي ليست مجرد دولة جوار، بل راعية اتفاق جوبا للسلام الذي تستند إليه الحركات الموقعة عليه في جزء مهم من وضعها السياسي والمؤسسي الحالي.
ولم تتوقف حركة مناوي عند عواصم الجوار. فبعد عودته، التقى في 27 أغسطس القائم بأعمال السفارة الألمانية لدى السودان فيليب فيندل ونائبه أندريس هولت، وقدم لهما إحاطة حول نتائج جولته الخارجية وما قال إنه لمسه من اهتمام دول الجوار بإنهاء النزاع المسلح والحفاظ على وحدة السودان.
وطرح خلال اللقاء رؤيته للحوار السوداني–السوداني باعتباره مدخلاً لمعالجة الأزمة السياسية وتهيئة الطريق أمام تحول مدني ديمقراطي، إلى جانب ملفات دارفور وحماية المدنيين وإعادة الإعمار.
وبذلك تبدو حركته أوسع من مجرد بناء قناة مع الجوار الأفريقي؛ فهي تمتد من مشاورات الخماسية إلى العواصم الإقليمية، ثم إلى الدوائر الدبلوماسية الأوروبية.
أردول.. من غرف الحوار إلى وزارات الخارجية
أما مبارك أردول فيتحرك في اتجاه أوروبي أكثر وضوحاً.
فخلال أغسطس شارك في اجتماعات مغلقة بالنمسا ضمن مسار حوار سوداني ممتد رعته مراكز أوروبية، واستضاف في مراحل مختلفة شخصيات من اتجاهات سياسية متعارضة.
بعدها انتقل إلى باريس.
وفي 26 أغسطس أعلن أردول أنه عقد اجتماعاً في وزارة الخارجية الفرنسية مع مديرة إدارة أفريقيا والمحيط الهندي إيمانويل بلاتمان، والمبعوث الفرنسي الجديد للسودان السفير جان ماري صفا، ومسؤولين آخرين معنيين بالملف السوداني.
وبحسب تصريحه، تناول الاجتماع تطورات العملية السياسية، والأوضاع الإنسانية، ووقف النزاع المسلح، وإعادة الإعمار، إلى جانب الدور الذي يمكن أن تضطلع به فرنسا والاتحاد الأوروبي.
وأكد أردول أن تحالفه سيواصل العمل، بالتنسيق مع حلفائه في الكتلة الديمقراطية، من أجل دعم قيادة مدنية وحوار سوداني شامل ووقف النزاع المسلح والتحول الديمقراطي.
وجمع نشاطه في باريس بين اللقاءات الرسمية ونشاط تنظيمي مع أعضاء تحالفه وبعض مكونات الكتلة الموجودة في أوروبا، قبل أن يمتد تحركه إلى النرويج، حيث ناقش أيضاً العملية السياسية ودور أوسلو في دعم السلام.
وبذلك يبدو أردول أكثر انخراطاً في الحزام الأوروبي للعملية السياسية: الحكومات، والمراكز الوسيطة، والاتحاد الأوروبي، والمسارات المرتبطة بالخماسية.
والمفارقة أن هذه التحركات جاءت بالتزامن مع تصاعد حديث داخل المعسكر المساند للجيش عن ضعف التأثير الخارجي للقوى السياسية المتحالفة معه، وعن خلافات بينها حول أدوات العمل السياسي وآلياته.
جبريل.. الدولة والبندقية
يبقى جبريل إبراهيم في موقع مختلف.
فهو يجمع بين قيادة حركة مسلحة وموقع رسمي داخل مؤسسات الدولة بصفته وزيراً للمالية، ويملك بذلك مدخلاً إلى الخارج يختلف عن مساري مناوي وأردول.
وخلال أغسطس قاد اتصالات ذات طابع رسمي واقتصادي، بينها مباحثات في الكويت بشأن التمويل ومشروعات التعافي وإعادة الإعمار، قبل أن يظهر في القاهرة في لقاءات تناولت التعاون الاقتصادي وإعادة تأهيل البنية التحتية.
ويمنحه ذلك شبكة ترتبط بمؤسسات الدولة والاقتصاد ومصر والخليج، إلى جانب ثقله العسكري والسياسي داخل معسكر الجيش.

وفي الوقت نفسه، أعلن جبريل استعداد حركة العدل والمساواة لدمج قواتها في الجيش وفق ترتيبات اتفاق جوبا، وهي خطوة تضعه مباشرة داخل النقاش حول شكل القوات والحركات المسلحة في ترتيبات ما بعد النزاع المسلح.
لكن جبريل كان أيضاً من أبرز الذين لم يشاركوا في تفاهمات أديس بين بعض مكونات الكتلة و«صمود»، ما يجعل موقفه من الصيغة التي ستتبناها الكتلة للحوار عاملاً مهماً في تحديد قدرتها على الخروج بموقف موحد.
كتلة تستند إلى البندقية
الكتلة الديمقراطية لا تستند في حركتها السياسية إلى التنظيم والعلاقات الخارجية وحدهما.
فاثنان من أبرز مراكز ثقلها، مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، يقودان حركتين مسلحتين تشاركان إلى جانب الجيش في النزاع المسلح، وتحتفظان بقوات وتسليح ومواقع داخل مؤسسات الدولة.
وهذا يمنح الكتلة نوعاً مختلفاً من النفوذ، إذ تدخل أي عملية سياسية بصفتها تحالفاً مدنياً يحمل في الوقت نفسه وزناً عسكرياً لا تملكه معظم القوى المدنية المنافسة.
كما أن الخطاب السياسي الجديد لا يعني أن الكتلة انتقلت من خيار النزاع المسلح إلى خيار سياسي منفصل عنه. فأمين داؤود نفسه كان قد وصف، في حديث سابق خلال أغسطس، الحسم العسكري بأنه الخيار «الأقوى والأجدر» في المرحلة الحالية، مع إبقاء باب الحل السياسي مفتوحاً.
وبذلك تبدو المقاربة أقرب إلى إدارة مسارين في وقت واحد: الاستمرار في الاستناد إلى القوة العسكرية، مع الاستعداد المبكر للتفاوض على ترتيبات ما بعدها.
ولهذا فإن إعادة ترتيب موقع الكتلة لا تتعلق فقط بمن يملك أفضل العلاقات الخارجية أو أكبر الحضور السياسي، بل أيضاً بمن يملك القوة على الأرض، وكيف ستُترجم هذه القوة إلى نفوذ داخل ترتيبات ما بعد النزاع المسلح.
توزيع أدوار أم تنافس على الوزن؟
تعطي التحركات الأخيرة صورة لتحالف يمتلك أكثر من مدخل إلى المشهد الخارجي.
مناوي يتحرك بين الخماسية والجوار الأفريقي والدوائر الدبلوماسية الأوروبية. وأردول يتوسع في العواصم الأوروبية ومراكز الحوار والمسارات غير الرسمية. بينما يحتفظ جبريل بموقع يرتبط بالدولة والسلاح والاقتصاد ومصر والخليج.
أما أمين داؤود، فيبدو خطابه السياسي أقرب إلى محاولة جمع هذه المسارات تحت صيغة تقول إن الكتلة تقبل الحوار، لكنها تريد أن تشارك في تحديد شروطه وغاياته.
غير أن وجود هذه القنوات لا يعني بالضرورة تكاملها.
فالتباينات التي ظهرت في أديس أبابا ما تزال قائمة، إذ تتفاوت مكونات الكتلة في علاقاتها مع الجيش، وفي نظرتها إلى القوى المدنية الأخرى، وفي مصالحها داخل ترتيبات ما بعد النزاع المسلح.
لذلك قد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة أقل تعلقاً بما إذا كانت الكتلة ستشارك في الحوار، وأكثر ارتباطاً بأي حوار ستشارك فيه، ومن سيمثل مركز الثقل داخلها عندما تبدأ عملية سياسية فعلية.
فالتحالف الذي ظل بعض أطرافه يبحث عن مساحة أوسع في المشاورات الدولية، باتت مكوناته اليوم حاضرة في جوبا وباريس وأوسلو ومسارات أوروبية أخرى، وفي الوقت نفسه تحتفظ بمواقع داخل السلطة ومؤسسات الدولة وبقوة عسكرية على الأرض.
وقد تكون هذه هي الدلالة الأهم لتحركات الأسابيع الأخيرة: تحافظ الكتلة الديمقراطية على موقعها داخل معسكر السلطة القائمة في بورتسودان، بينما تحاول في الوقت نفسه توسيع هامشها السياسي وهي تستند إلى ثلاثة مصادر للقوة: البندقية، والموقع داخل الدولة، والعلاقات الخارجية. والسؤال المقبل ليس فقط أي حوار ستختاره، بل كيف ستدخل إليه بهذه الأوراق، ومن داخلها سيملك اليد الأعلى عند توزيع أوزان التسوية.

