بعد أشهر من الخلاف بين القوى السودانية حول من يشارك في الحوار، انتقل الجدل إلى داخل آلية الوساطة نفسها. توسيع الاتحاد الأفريقي قائمة المدعوين بصورة منفردة، وانتقادات مدنية متصاعدة لمنهج «الخماسية»، وظهور مسار موازٍ في الخرطوم، كلها تضع جولة سبتمبر أمام سؤال لم يُحسم بعد: من يملك حق تصميم العملية السياسية؟
سودان ستوري: القسم السياسي
لم تعد أزمة العملية السياسية السودانية محصورة في الخلاف بين القوى المدنية والسياسية حول من يجلس إلى طاولة الحوار.
فمع اقتراب سبتمبر، الموعد الذي أُرجئت إليه الجولة التالية من مشاورات الآلية الخماسية في أديس أبابا، ظهر خلاف أكثر تعقيداً يتعلق بالوسطاء أنفسهم، وحدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسات الإقليمية والدولية في تحديد المشاركين وتصميم العملية السياسية.

وكانت الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية، قد بدأت في يونيو مشاورات استكشافية مع قوى سودانية بهدف البحث عن طريق لتشكيل لجنة تحضيرية لحوار سوداني شامل.
وفي بياناتها الرسمية، أكدت الآلية مراراً أن العملية يجب أن تكون «سودانية القيادة والملكية»، وأن دورها يتمثل في تيسير الحوار وبناء الثقة بين الأطراف.
لكن الخلاف ظهر سريعاً حول المعنى العملي لهذه «الملكية السودانية»: هل يختار الوسطاء القوى التي ينبغي أن تشارك؟ أم تتولى لجنة سودانية متوافق عليها تحديد الأطراف والأجندة ومكان الحوار وشكله؟
ذلك السؤال ظل يلاحق الخماسية منذ اجتماعات يونيو، لكنه أصبح أكثر حدة خلال الأسابيع الأخيرة.
من اللجنة التحضيرية إلى أزمة المشاركين
في الجولة الأولى من مشاورات أديس، لم تستطع الآلية جمع جميع القوى المشاركة في جلسة سياسية واحدة بسبب الاعتراضات المتبادلة على بعض الأطراف، فيما أنتجت مشاورات بين القوى نفسها تفاهمات أولية حول تشكيل لجنة تحضيرية سودانية تتولى تصميم العملية السياسية.
وعندما عادت الخماسية إلى المشاورات في أواخر يوليو ومطلع أغسطس، تفجرت الأزمة مجدداً.
قاطعت «صمود» وقوى أخرى بعض الاجتماعات اعتراضاً على منهج اختيار المشاركين، بينما شاركت الكتلة الديمقراطية، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، وقوى أخرى في لقاءات منفصلة مع ممثلي الآلية.

وفي 6 أغسطس، حاولت الخماسية احتواء الخلاف بإعلان استمرار «الحوار المستدام» مع السودانيين، وقالت إنها تراجع المقترحات التي تلقتها في يونيو، بالتوازي مع لقاءات قيادة واتصالات فنية مع القوى السياسية.
لكن المشكلة لم تكن قد انتهت.
بابكر فيصل: الخماسية تجاوزت دورها
كان بابكر فيصل، رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في «صمود»، من أكثر المنتقدين وضوحاً.

اتهم فيصل الخماسية بالتراجع عن تفاهم سابق يقضي بأن تتولى لجنة تحضيرية سودانية بحث تصميم العملية السياسية وأجندتها والمشاركين فيها ومكانها ودور الأطراف الدولية.
وذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الآلية لم تعد مظلة محايدة، وأنها تجاوزت التيسير إلى تحديد المشاركين بنفسها، بما ينتقص، وفق رؤيته، من مبدأ ملكية السودانيين للعملية السياسية.
وفي قراءة فيصل، لم تعد المسألة خلافاً فنياً بشأن عدد المقاعد؛ لأن اختيار المشاركين يمكن أن يحدد مسبقاً ميزان القوى داخل أي حوار، وبالتالي يؤثر في مخرجاته.
الدقير: نريد الخماسية.. ولكن ميسّراً
يتخذ عمر الدقير موقفاً أقل قطيعة.
يفرّق الدقير بين الاعتراض على أداء الخماسية ورفض الآلية من حيث المبدأ، ويضع فاصلاً بين التيسير وتصميم العملية.

ودعا إلى تصحيح منهج الخماسية بما يبقي دورها في حدود تيسير العملية السياسية، دون وصاية أو تدخل في تصميمها، مع ضمان أن تظل ملكية العملية وقرارها للسودانيين.
كما ربط الدقير أي عملية سياسية بوقف النزاع المسلح، محذراً من أن يتحول الحوار إلى وسيلة للتكيف مع الأمر الواقع العسكري بدلاً من تغييره.
وهكذا يلتقي نقد الدقير مع فيصل عند نقطة واحدة: المشكلة ليست وجود الوساطة الخارجية في ذاتها، وإنما المسافة التي تفصل التيسير عن التدخل.
الاتحاد الأفريقي يوسع الطاولة
لكن التطور الأكثر حساسية جاء من داخل الخماسية نفسها.
ففي أواخر أغسطس، كشفت «Africa Intelligence» أن مفوضية الاتحاد الأفريقي وسعت بصورة منفردة قائمة المدعوين للجولة المقبلة، بإضافة 32 شخصية إلى قائمة أساسية كانت تضم نحو 30 مشاركاً، من دون موافقة بقية أعضاء الخماسية.
وشملت الإضافات شخصيات وقطاعات جديدة، بينها ممثلون لطرق صوفية، وفاعلون من دوائر الإدارة المدنية في مناطق تخضع للسلطة القائمة في بورتسودان، ونازحون.

ورأت المجلة أن الخطوة تقرب مفوضية الاتحاد الأفريقي من مقاربة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بشأن توسيع نطاق الحوار، وتضع ضغوطاً على الإطار الذي ظلت الخماسية تتحرك داخله.
لكن تحرك الاتحاد الأفريقي لا يأتي من فراغ.
فمجلس السلم والأمن الأفريقي أكد في وقت سابق مركزية قيادة الاتحاد الأفريقي للعملية السلمية في السودان، مع الترحيب بالخماسية باعتبارها أداة للتنسيق وتيسير الحوار.
وهنا تظهر واحدة من العقد الأساسية للقصة: الاتحاد الأفريقي ينظر إلى نفسه باعتباره صاحب الدور القيادي في العملية، بينما تعمل الخماسية بوصفها إطاراً جماعياً يفترض أن تتخذ مكوناته القرارات بالتنسيق.
لذلك فإن الخلاف حول قائمة المدعوين يعكس أيضاً سؤالاً مؤسسياً أعمق: هل الخماسية آلية تقود العملية بصورة جماعية، أم إطار تنسيق داخل عملية يقودها الاتحاد الأفريقي؟
محاولة لإعادة التنسيق
قبل ظهور تفاصيل الخلاف، اجتمع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف بالأمين التنفيذي لإيغاد ورقني قبيهو.
وركز البيان الصادر عن الاجتماع على الأدوار المتكاملة للاتحاد الأفريقي وإيغاد في دعم السودان للوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.
يتزامن توقيت اللقاء مع تصاعد إلحاح مسألة التنسيق بين الوسطاء، من دون أدلة كافية تربطه مباشرة بمعالجة أزمة داخل الخماسية.
الشعبي والفاضل.. الاعتراض يتسع
تكشف مواقف قوى شاركت في بعض مشاورات الخماسية أن الاعتراض على طريقة إدارة العملية لم يعد حكراً على «صمود».
فالمؤتمر الشعبي يؤيد الحوار السوداني–السوداني، لكنه يرفض أن تحدد قيادة عسكرية أطرافه وأجندته، ويرى أن العملية السياسية ينبغي أن تقود إلى سلطة مدنية انتقالية.

أما مبارك الفاضل، الذي التقى الخماسية في أديس، فقد اتخذ موقفاً أكثر تشدداً تجاه فكرة الحوار الذي ينطلق من مناطق سيطرة الجيش، محذراً من أن يؤدي ذلك إلى تكريس انقسام السودان وإطالة أمد الحكم العسكري.
وتكشف هذه المواقف أن الانقسام لم يعد ببساطة بين قوى تشارك في الخماسية وأخرى تقاطعها. بعض القوى شاركت في مشاوراتها، ثم عادت لتطالب بإعادة تصميم المنهج نفسه.
«عملية السلام التي نريد»
ظهر هذا التقارب بصورة أكثر وضوحاً في اجتماعات أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس.
فقد اجتمعت قوى إعلان المبادئ مع المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، ومنظمات وشبكات مدنية وشخصيات مستقلة، وأصدرت وثيقة بعنوان «عملية السلام التي نريد».
رفضت الوثيقة حوار البرهان بصيغته الحالية، وطرحت بدلاً منه عملية سلام تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: إنساني، ووقف لإطلاق النار، وسياسي، تحت مظلة مستقلة ومتفق عليها.
ورغم انتقاداتها السابقة لمسار الوساطة، أعلنت استعدادها للتعامل مع الخماسية بصورة بناءة، وطالبت بتوحيد جهود الخماسية والرباعية والترويكا ضمن إطار منسق، مع الاحتفاظ بالملكية السودانية للعملية.
وهذا يحدد بدرجة أكبر طبيعة الأزمة الحالية: الطلب قائم على الوساطة، أما الشكل الذي تُمارس به الآن فهو موضع الخلاف.
مسار آخر يولد في الخرطوم
في الوقت نفسه، لم تعد الخماسية المسار الوحيد المطروح.
ففي نهاية أغسطس أعلنت مجموعة من الشخصيات المدنية تشكيل لجنة لتهيئة حوار سوداني داخل البلاد، قالت إنها تعمل بصورة مستقلة، وإن مهمتها بناء الثقة والتواصل مع القوى السياسية والمدنية قبل بدء الحوار الرسمي.
وجاء إطلاق المبادرة بعد أن أعلن البرهان موافقته على ضمانات سياسية وقانونية وأمنية لتسهيل مشاركة المعارضين في الحوار.
وبذلك أصبحت أمام المشهد السوداني، عملياً، أكثر من بوابة: مسار الخماسية في أديس أبابا، ومقاربة الاتحاد الأفريقي الأوسع للتمثيل، ومسار داخلي ينطلق من الخرطوم، إلى جانب تحركات الرباعية واتصالات الأمم المتحدة المنفصلة.
وفي الوقت نفسه، واصل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو لقاءاته مع القوى السودانية، بما فيها قوى إعلان المبادئ التي أبلغته رفضها حوار البرهان بصيغته الحالية، وطالبت بعملية تبدأ بوقف النزاع المسلح وحماية المدنيين ولا تنطلق من أحد مركزي السلطة المتنازعين.
من يحدد من يمثل السودان؟
في البيانات الرسمية، تكاد كل الجهات تتفق على العبارة الأساسية: عملية سياسية سودانية القيادة والملكية.
غير أن الخلاف الحقيقي يكمن تحت هذه العبارة، في كل ما يجعل الملكية حقيقية:
من يختار المشاركين؟
من يضع الأجندة؟
من يحدد مكان الحوار؟
ومن يقرر أي القوى تمثل المجتمع وأيها لا يمثل إلا نفسها؟
الخماسية حاولت الإجابة عن هذه الأسئلة عبر قوائم الدعوات والمشاورات. بعض القوى السودانية رأت في ذلك تجاوزاً لدور الوسيط. والاتحاد الأفريقي ذهب أبعد وأضاف عشرات المشاركين من جانبه. وفي الخرطوم يجري بناء مسار آخر يريد دعوة الأطراف من داخل السودان.
وهكذا، قبل أن يبدأ الحوار، أصبح تصميم الحوار نفسه موضوعاً للتفاوض.
وقد يكون هذا هو الاختبار الحقيقي لجولة سبتمبر. فإذا لم تتفق الخماسية أولاً على حدود دورها، ولم تتفق القوى السودانية معها على قواعد اختيار المشاركين، فإن إضافة مزيد من المقاعد إلى الطاولة لن تحل الأزمة. لأن المشكلة لم تعد فقط في عدد من سيجلسون حولها. المشكلة هي: من يملك الطاولة أصلاً؟


البلد دي الا ينزل ليها نبي عشان مشكلتها تتحله