قبل اجتماع 28 أغسطس، تتقاطع داخل الحزب اتجاهات فرضها النزاع المسلح: السلطة القائمة في بورتسودان و«تأسيس» والقوى المناهضة للنزاع المسلح.. لكن النزاع الأعمق يدور حول من يملك المؤسسات، ومن يحدد عضوية الهيئة ونصابها، ومن يملك حق اتخاذ القرار باسم الحزب
نيروبي – عباس محمد إبراهيم
قبل يوم واحد من الموعد المحدد لانعقاد الهيئة المركزية لحزب الأمة القومي، لم يعد السؤال داخل أحد أكبر الأحزاب السودانية يتعلق فقط بمن يقوده، أو أين يقف من النزاع المسلح. انتقل الصراع إلى مستوى أكثر تعقيداً: من يملك المؤسسات التي تمنح القيادة شرعيتها أصلاً؟
في نيالا، حذر رئيس الحزب المكلف فضل الله برمة ناصر من محاولات لـ«اختطاف قرار الحزب ومؤسساته». وفي المقابل، أعلن ثمانية من أعضاء مؤسسة الرئاسة اعتراضهم على اجتماع الهيئة المركزية المقرر في 28 أغسطس، وقالوا إن الاجتماع الذي تأسست عليه الدعوة لم يحظ بموافقة غالبية أعضاء مؤسسة الرئاسة، وإن المضي فيه في الظروف الحالية قد يقنن انقسام الحزب.

وبين الموقفين تقف مجموعة يقودها محمد عبد الله الدومة، تسعى لعقد الهيئة المركزية، المؤسسة الأعلى في الحزب بعد المؤتمر العام، في خطوة يمكن، إذا اكتملت شروطها التنظيمية وحظيت بمشاركة واسعة، أن تعيد ترتيب النزاع على القيادة والشرعية.
لكن المشكلة أن الخلاف وصل هذه المرة إلى من يملك حق استدعاء الهيئة نفسها، ومن يملك تحديد عضويتها والتحقق من نصابها وإدارة عملية يمكن أن تعيد رسم قيادة الحزب.
النزاع المسلح يدخل الحزب
لم يبدأ الانقسام الحالي مع دعوة 28 أغسطس.
بعد وفاة الإمام الصادق المهدي في نوفمبر 2020، كُلّف فضل الله برمة ناصر برئاسة الحزب، في ترتيب انتقالي كان يفترض أن ينتهي بمؤتمر عام يعيد انتخاب مؤسسات الحزب وقيادته.
لكن المؤتمر لم ينعقد، ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتغير طبيعة الخلافات داخل الحزب.
فالمواقف من طرفي النزاع المسلح، ومن القوى المدنية والتحالفات التي نشأت خلاله، تحولت تدريجياً إلى خطوط انقسام داخل مؤسسات حزب الأمة نفسها.
وفي فبراير 2025، بلغت الأزمة نقطة فاصلة عندما أعلنت مجموعة من مؤسسة الرئاسة إنهاء تكليف برمة وتكليف محمد عبد الله الدومة بدلاً عنه، بعد انضمام برمة إلى مسار «تأسيس». رفض برمة القرار، كما عارض المكتب السياسي الطريقة التي اتخذ بها، لتدخل قيادة الحزب منذ ذلك الوقت في نزاع مفتوح حول الاختصاص والشرعية.
ومع مرور الوقت، تشكلت داخل الحزب مراكز سياسية متباعدة؛ أحدها يعمل من مناطق سيطرة الجيش ويقترب من مؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان، وآخر يقوده برمة داخل تحالف «تأسيس»، فيما تحرك تيار ثالث ضمن القوى المدنية المناهضة للنزاع المسلح.
الدومة.. محاولة نقل الشرعية إلى الداخل
يمثل محمد عبد الله الدومة أبرز مركز حزبي يعمل من داخل مناطق سيطرة القوات المسلحة.

يستند تياره إلى مجموعة من أعضاء مؤسسة الرئاسة وقيادات الولايات وشخصيات حزبية ترى أن انضمام برمة إلى «تأسيس» أفقده القدرة على قيادة الحزب، وتتبنى موقفاً أقرب إلى مؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان.
لكن امتلاك نشاط سياسي داخل السودان لا يحسم وحده النزاع على قيادة حزب الأمة.
فالمشكلة التي ظلت تواجه هذا التيار منذ تكليف الدومة هي أن قرار إبعاد برمة نفسه ظل محل اعتراض من مؤسسات وقيادات أخرى داخل الحزب.
ومن هنا تبدو الهيئة المركزية مهمة.
فإذا انعقدت بمشاركة واسعة واتخذت قرارات بشأن الوضع التنظيمي، يمكن أن تمنح تيار الدومة سنداً أعلى من مؤسسة الرئاسة التي بدأت منها محاولة تغيير القيادة.
ولهذا لا يمكن فصل دعوة 28 أغسطس عن معركة الشرعية.
برمة.. شرعية قديمة وموقع سياسي جديد
في الجهة المقابلة، يتمسك فضل الله برمة ناصر بتكليفه رئيساً للحزب ويرفض الإجراءات التي اتخذت لإبعاده.
لكن برمة لم يبق في موقعه السياسي السابق.
فهو أصبح جزءاً من تحالف «السودان التأسيسي» الذي يضم قوات الدعم السريع وقوى سياسية وحركات مسلحة، ما جعل خصومه داخل الحزب يعتبرون أن المسألة تجاوزت الخلاف التنظيمي إلى سؤال عن موقع حزب الأمة من أحد طرفي النزاع المسلح.
وفي مؤتمره الصحفي بمدينة نيالا في 24 أغسطس، قال برمة إن الحزب يتعرض لمحاولات للنيل من وحدته و«اختطاف قراره ومؤسساته»، مؤكداً استمرار قيادته ومسيرة الحزب.
وتضمن النص الخام المتداول للمؤتمر موقفاً أكثر مباشرة من خصومه ومن الدعوة الحالية، بينما اكتفى التقرير المنشور عبر المنصة الرسمية للحزب بالحديث العام عن استهداف الوحدة والمؤسسات.
ويعكس هذا الفرق بدوره طبيعة الأزمة داخل الحزب؛ فالمنصة الرسمية تقع ضمن المجال الذي تديره الأمانة العامة وقيادات تعترف باستمرار تكليف برمة، لكنها لا تؤيد خطوته بالانضمام إلى «تأسيس».
بمعنى آخر، حتى داخل المعسكر الذي رفض طريقة إبعاد برمة، لا يوجد اتفاق على المسار السياسي الذي اختاره.
الأمانة العامة.. موقف ثالث بين «تأسيس» والسلطة القائمة في بورتسودان
هنا يظهر مركز ثالث في الأزمة.
الأمانة العامة بقيادة الواثق البرير، ومعها قيادات أبرزها صديق الصادق المهدي، لم تقبل الإجراءات التي حاولت إنهاء تكليف برمة، ورفضت في الوقت نفسه انتقال حزب الأمة إلى «تأسيس».
سياسياً، يتحرك هذا التيار ضمن تحالف «صمود» وفي فضاء القوى المدنية التي تقول إنها غير مصطفة مع الجيش أو الدعم السريع، وتدعو إلى إنهاء النزاع المسلح وبناء عملية سياسية مستقلة عن طرفيه.
وهذا الموقع يجعل الصراع داخل الحزب أكثر تعقيداً من ثنائية برمة والدومة.

فالاعتراف بأن إبعاد برمة لم يتم بصورة سليمة لا يعني تأييد تحالفاته، كما أن رفض «تأسيس» لا يعني الالتحاق بالسلطة القائمة في بورتسودان.
مريم الصادق.. نحو فضاء المناهضين للنزاع المسلح
خلال الأسابيع الأخيرة، أصبح موقع مريم الصادق المهدي أكثر وضوحاً أيضاً.
فبعد تحركات مستقلة عن المراكز المتنازعة داخل الحزب، أعلنت مريم ترحيبها بوثيقة «عملية السلام التي نريد» التي خرج بها اجتماع القوى المناهضة للنزاع المسلح في أديس أبابا، وقدمت تصوراً لتحويلها من إعلان سياسي إلى خارطة عمل قابلة للتنفيذ والمتابعة.
ودعت إلى الانتقال من إعلان المواقف إلى صناعة السلام، وإعادة النظر في تصنيف القوى المدنية وبناء مجال أوسع للقوى غير المصطفة خلف الأطراف المسلحة.

هذا الموقف يضع مريم بوضوح داخل المجال المدني المناهض للنزاع المسلح، وإن احتفظت بمسافة من فكرة بناء مركز سياسي واحد يحتكر تمثيل تلك القوى.
وهكذا لم يعد هذا المجال داخل حزب الأمة مقتصراً على قيادات «صمود»، وإنما أصبح يضم قيادات وشخصيات تلتقي حول رفض الاصطفاف مع طرفي النزاع المسلح، مع اختلافها في كيفية بناء العملية السياسية.
الثمانية.. اعتراض يكشف تداخل المعسكرات
البيان الأخير الموقع من ثمانية أعضاء في مؤسسة الرئاسة يقدم ربما أوضح مثال على أن خطوط الصراع داخل حزب الأمة لا تتطابق تماماً مع خطوط التحالفات السياسية.
فالموقعون، وبينهم صديق الصادق المهدي ومجذوب طلحة وصلاح مناع وإحسان عبد الله البشير وإسماعيل آدم علي وعبد الجليل الباشا والطيب حاج مكي والعالم أحمد دقاش، اعترضوا على اجتماع الهيئة المركزية، وقالوا إن الدعوة استندت إلى اجتماع محدود لمؤسسة الرئاسة لم تشارك فيه غالبية أعضائها.
واللافت أن عدداً من هؤلاء كانوا ضمن مؤسسة الرئاسة التي أعاد برمة تشكيلها بعد تفجر الخلاف حول قيادته.
لكن اعتراضهم على دعوة الدومة لا يعني بالضرورة اصطفافهم مع خط برمة السياسي أو مع «تأسيس».

هذه إحدى أهم سمات الأزمة الحالية: يمكن للقيادي أن يرفض إبعاد برمة دستورياً، ويرفض في الوقت نفسه تحالفه السياسي؛ ويمكنه أن يعترض على الدومة دون أن يقف مع الدعم السريع أو مع سلطة «تأسيس».
قيلوب.. الخلاف على باب الهيئة
في قلب معركة 28 أغسطس يقف علي قيلوب، رئيس الهيئة المركزية.

وبحسب بيان الأعضاء الثمانية، رفض قيلوب طلب الدعوة للاجتماع، مستنداً إلى ظروف النزاع المسلح وانتشار عضوية الهيئة، التي تزيد على 600 عضو، بين مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع وخارج السودان، إضافة إلى صعوبة توفير شروط مشاركة ونصاب عادلين.
ولا تتوقف أهمية موقف قيلوب عند وزنه السياسي.
وهذا يجعل الخلاف على دعوة 28 أغسطس أكثر من نزاع حول التوقيت.
إنه خلاف على توزيع الاختصاصات بين مؤسسات الحزب نفسها.
من يحدد من يحق له التصويت؟
هناك مستوى آخر من النزاع قد يكون أكثر حساسية من مسألة الدعوة نفسها.
فالمسألة تمتد إلى من يراجع كشوف عضوية الهيئة المركزية، ومن يتحقق من صحة التوقيعات المقدمة للمطالبة بالاجتماع، ومن يقرر أن العضو ما زال يحتفظ بصفته، ومن يضع جدول الأعمال، وصولاً إلى من يتحقق من اكتمال النصاب قبل اتخاذ قرارات يمكن أن تمس قيادة الحزب ومؤسساته.
هذه ليست أسئلة تقنية؛ فالجهة التي تتحكم في كشوف العضوية تحدد، عملياً، من يملك حق المشاركة في صناعة الشرعية الجديدة، وتزداد المسألة حساسية حين تكون الجهة التي تدير هذه الترتيبات نفسها طرفاً في النزاع السياسي حول القيادة.
وهنا يتحول الخلاف من السؤال: «من سيكسب التصويت؟» إلى سؤال أسبق: من يحدد أصلاً من يحق له التصويت؟
جغرافيا النزاع المسلح تدخل حساب النصاب
النزاع المسلح أضاف مشكلة لم تكن حاضرة بهذه الصورة في النزاعات التنظيمية السابقة.
أعضاء الهيئة المركزية موزعون اليوم بين مناطق سيطرة القوات المسلحة، ومناطق سيطرة الدعم السريع، ودول اللجوء والمهجر.
وهذا يعني أن مكان انعقاد الاجتماع وطريقة المشاركة فيه يمكن أن يؤثرا مباشرة على من يستطيع الوصول ومن يُحرم منه بحكم النزاع المسلح، لا بحكم موقفه التنظيمي.
إذا انعقد الاجتماع في منطقة لا يستطيع جزء من العضوية الوصول إليها، فإن السؤال لن يقتصر على اكتمال العدد المطلوب للنصاب، بل يمتد إلى ما إذا كان الحضور يمثل الوزن الحقيقي للحزب جغرافياً وسياسياً وتنظيمياً.
وهنا تصبح آليات مشاركة الأعضاء من الداخل والخارج، والتحقق من العضوية، وطريقة التصويت، جزءاً من شرعية الاجتماع نفسه.
خطر المؤسسات الموازية
المشكلة التي يخشاها المعترضون لا تتوقف عند احتمال إبعاد برمة أو تثبيت الدومة.
إذا تمكن مركز سياسي داخل الحزب من تجاوز رئيس الهيئة المركزية في الدعوة، ثم إدارة كشوف العضوية وجدول الأعمال والقرارات، فإن السؤال التالي يصبح: ماذا يحدث إذا اختلفت معه الأمانة العامة، أو المكتب السياسي، أو مجلس التنسيق؟
عندها يمكن أن ينتقل الحزب من نزاع حول قيادة واحدة إلى مؤسسات متوازية تحمل الأسماء نفسها وتصدر قرارات متعارضة باسم الحزب ذاته.

وهذا هو المعنى الأعمق لتحذيرات الانقسام الحالية.
يتجاوز الخوف احتمال خروج مجموعة وتأسيس حزب جديد، كما حدث في أزمات سابقة، ليمتد إلى بقاء الجميع داخل الاسم التاريخي نفسه، مع وجود أكثر من مؤسسة رئاسة وأكثر من مركز قيادة وأكثر من تعريف لمن يمثل الحزب.
ثلاثة اتجاهات.. وحزب واحد
أعاد النزاع المسلح توزيع مراكز القوة داخل حزب الأمة على نحو يصعب فصله عن الخريطة السياسية للسودان.
هناك مجموعة الدومة، التي تتحرك من مناطق سيطرة الجيش وتقترب من مؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان.
وهناك برمة، الذي احتفظ بادعاء الشرعية التنظيمية لكنه أصبح جزءاً من «تأسيس»، التحالف الذي يضم الدعم السريع.
وفي المساحة الثالثة تتحرك الأمانة العامة وقيادات «صمود» ومريم الصادق وآخرون داخل مجال مدني مناهض للنزاع المسلح، مع اختلافات بينهم حول التحالفات وشكل العملية السياسية.
لكن الصراع لا يدور فقط حول أي من هذه الاتجاهات هو الأقوى.
إنه يدور حول أي منها يستطيع تحويل موقعه السياسي إلى قرار صادر باسم حزب الأمة القومي، وبأي إجراءات، وبمشاركة من.
لهذا يمثل اجتماع 28 أغسطس أكثر من خلاف بشأن نصاب أو ترتيبات.
نجاح مجموعة واحدة في عقد الهيئة واتخاذ قرارات من دون توافق واسع على الدعوة والعضوية والتمثيل قد لا ينهي الانقسام؛ وربما ينقل الحزب من حالة تعدد مراكز القيادة إلى حالة أخطر، يصبح فيها لكل مركز مؤسساته وقراراته وتعريفه الخاص للشرعية.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع المسلح، يبدو أن حزب الأمة يواجه نسخة داخلية من الأزمة السودانية نفسها: مراكز متعددة، شرعيات متنازعة، وجغرافيا سياسية وعسكرية تحدد أحياناً من يستطيع الوصول إلى المؤسسة ومن يبقى خارجها.
ولهذا يمتد السؤال يوم 28 أغسطس إلى ما هو أسبق من قرارات الهيئة المركزية نفسها: من دعا إلى الاجتماع، ومن حضره، ومن غاب عنه، ومن تحقق من عضويته ونصابه، وما إذا كان بمقدور المختلفين داخل حزب الأمة الاعتراف بالمؤسسة التي ستصدر عنها القرارات.
فإذا لم توجد إجابة مشتركة عن هذه الأسئلة، فقد لا تكون الهيئة المركزية المكان الذي ينتهي عنده صراع الشرعية؛ قد تصبح هي نفسها المرحلة التالية منه.
