تحليل سياسي
ما وراء الخبر

تقرير: القسم السياسي

تحركات إقليمية، إعادة فتح ملف اتفاق جوبا، ونقاش متصاعد حول مستقبل القوات المساندة، تضع مني أركو مناوي أمام واحدة من أكثر لحظات مسيرته السياسية والعسكرية حساسية. المؤشرات المتاحة حول مغادرته معسكر الجيش تظل محدودة، فيما تبدو تحركاته الأخيرة محاولة لتثبيت موقعه قبل أن تبدأ إعادة ترتيب السلطة والسلاح.

البرهان و مناوي

قبل نحو خمسة عشر يوماً، أبلغ مصدر رفيع المستوى «سودان ستوري» بضرورة مراقبة تحركات حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، خلال الفترة المقبلة.

اكتفى المصدر بهذه الإشارة من دون تفسير إضافي أو حديث عن انتقال وشيك أو قطيعة مع قيادة الجيش. غير أن ما تلا ذلك من تحركات إقليمية وتصريحات أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل ملازماً لمسيرة مناوي السياسية: كيف يدير علاقته بمراكز القوة عندما تبدأ ترتيبات جديدة للسلطة والسلاح؟

خلال أغسطس، تحرك مناوي خارج السودان بين أكثر من محطة إقليمية، قبل أن يصل إلى جوبا ويلتقي الرئيس سلفا كير ميارديت. وخلال الزيارة أعاد طرح ملفات اتفاق جوبا للسلام، ودعا جنوب السودان إلى لعب دور أكبر في معالجة القضايا العالقة واستكمال ما تبقى من استحقاقات الاتفاق.

غير أن هذه التحركات وحدها لا تكفي للقول إن مناوي يستعد للخروج من معسكر الجيش، إذ ما يزال خطابه العسكري واضحاً في دعم القوات المسلحة والقوة المشتركة في النزاع المسلح ضد قوات الدعم السريع.

وتكمن أهمية الجولة في توقيتها وفي طبيعة الملفات التي حملها مناوي معه، أكثر من ارتباطها بوجهتها وحدها.

مساران في جوبا

يرى الصحفي السوداني محمد سعيد أن تحركات مناوي الأخيرة أقرب إلى «مناورة» منها إلى عملية انتقال نحو معسكر جديد.

ويلفت سعيد، في حديث لـ«سودان ستوري»، إلى أن مناوي يتحرك وهو يحمل صفة دستورية بوصفه حاكم إقليم دارفور، إلى جانب صفته رئيساً لحركة مسلحة، ما يجعل طبيعة تحركاته الخارجية ومدى ارتباطها بمؤسسات الدولة سؤالاً يستحق التوقف.

محمد سعيد صحفي سوداني

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية مع تزامن وجود مناوي في جوبا مع زيارة رسمية أجراها وزير الدفاع السوداني حسن داؤود كبرون، ضمن اتصالات أمنية وعسكرية بين السودان وجنوب السودان.

كان المسار الحكومي يتعلق بالعلاقات الأمنية والعسكرية بين البلدين، بينما حمل مناوي إلى جوبا ملفات النزاع المسلح والحوار واتفاق السلام.

ولا تتوافر أدلة على تعارض بين المسارين، إذ يكشف وجودهما في العاصمة نفسها وفي توقيت متقارب أن مناوي ما يزال يحتفظ بمساحة حركة سياسية مستقلة، رغم وجوده داخل التحالف العسكري الذي تقوده القوات المسلحة.

ويقول سعيد إن الخلاف بين مناوي وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان ليس جديداً، مشيراً إلى مواقف مناوي من المبادرات السياسية الخارجية وتصريحاته التي احتفظ فيها بمسافة عن الخط الرسمي للسلطة.

لكن سعيد يضيف أن مناوي، رغم كونه «مصدر قلق»، يظل جزءاً مهماً من المعادلة الحالية، لأن النزاع المسلح وتوازنات السلطة يفرضان استمرار العلاقة بين الطرفين.

ليست أبوجا

يمتلك مناوي تاريخاً طويلاً من الانتقال بين التحالف والخلاف.

في مايو 2006 وقّع فصيله اتفاق أبوجا مع حكومة عمر البشير، بينما رفضته فصائل رئيسية أخرى في دارفور. وبعد ذلك دخل القصر الجمهوري كبيراً لمساعدي الرئيس.

لكن تجربة أبوجا لم تستمر.

تعثر تنفيذ الاتفاق، خصوصاً في ملفات الترتيبات الأمنية والسلطة والتنمية، وتصاعد الخلاف بين مناوي والحكومة حتى انتهى بخروجه من السلطة وعودته إلى المعارضة المسلحة.

بعد سقوط نظام البشير، عاد مناوي مرة أخرى إلى مسار التسوية عبر اتفاق جوبا للسلام في 2020، قبل أن يتولى منصب حاكم إقليم دارفور.

لكن علاقته بالقوى المدنية التي قادت الحكومة الانتقالية دخلت سريعاً في أزمة، وأصبح أحد أبرز قادة «الميثاق الوطني»، الذي دخل في مواجهة سياسية مع قوى الحرية والتغيير ـ المجلس المركزي قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021.

ثم جاء النزاع المسلح في أبريل 2023 ليعيد ترتيب المعسكرات مرة أخرى.

حافظت حركة مناوي وعدد من الحركات الموقعة على اتفاق جوبا في الأشهر الأولى للنزاع المسلح على موقف الحياد، قبل أن تنتقل في نوفمبر 2023 إلى القتال إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع.

منذ ذلك الوقت، أصبح مناوي أحد أهم حلفاء الجيش عسكرياً في دارفور وكردفان، لكن حركته لم تذب داخل القوات المسلحة.

لماذا يبدو الانشقاق أقل ترجيحاً؟

يقلل محمد سعيد من احتمال أن يكرر مناوي الآن تجربة انتقال كاملة بين المعسكرات.

ويقول إن وضعه الحالي مختلف جذرياً عن وضعه بعد اتفاق أبوجا.

مناوي اليوم حاكم لإقليم دارفور، يقود حركة تمتلك قوة عسكرية، وله نفوذ داخل القوة المشتركة، كما يستند إلى اتفاق جوبا الذي ما يزال يمثل أساساً قانونياً وسياسياً لموقع الحركات الموقعة عليه داخل الدولة.

البرهان. كيكل، مناوي

وبحسب سعيد، فإن انتقال قائد مسلح من معسكر إلى آخر يتصل بعوامل أعمق من التصريحات أو الخلافات السياسية وحدها؛ إذ تتعلق المعادلة الحقيقية، كما يقول، بعدد القوات التي يمكن أن تتحرك معه، ومواقع انتشارها، وحجم العتاد، ومدى تأثير أي انقسام على موازين النزاع المسلح.

لهذا يرى سعيد أن مناوي يمتلك حالياً وضعاً أقوى بكثير من موقعه خلال تجربة أبوجا، وهو ما يجعل المناورة داخل المعسكر أكثر ترجيحاً من مغادرته بالكامل.

عندما يفتح الجيش ملف السلاح

وقد يكون العامل الأكثر حساسية هو السؤال الذي ستفرضه نهاية النزاع المسلح على جميع القوات المساندة، أكثر من أي خلاف سياسي مباشر بين مناوي والبرهان.

أعلن وزير الدفاع أخيراً أن غالبية القوات التي ساندت الجيش خلال النزاع المسلح دخلت في ترتيبات استيعاب داخل القوات المسلحة، مؤكداً أن الرؤية النهائية تقوم على وجود جيش موحد، وإنهاء وضع التشكيلات المسلحة المستقلة.

وفي الوقت نفسه، تواصل القوة المشتركة تطوير بنيتها التنظيمية، واحتفلت أخيراً في أم درمان بتخريج دفعة من الشرطة العسكرية التابعة لها.

هنا تظهر المفارقة. فالجيش يتحدث عن دمج القوات وتوحيد السلاح، بينما تواصل بعض القوى المتحالفة معه بناء هياكل عسكرية خاصة بها.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مشروع لقوة موازية، وإن كان يبقي مفتوحاً السؤال عن مصير هذه التشكيلات عندما تنتهي الحاجة العسكرية التي جمعتها بالجيش.

يرى سعيد أن القوات المسلحة تمتلك خبرة أكبر في الحفاظ على تماسكها المؤسسي، بينما تظل القوى المسلحة الأخرى أكثر عرضة للتفتت والانقسام مع تغير الظروف السياسية والعسكرية.

وبحسب قراءته، فإن معظم القوات الموجودة حالياً في ساحة النزاع المسلح ليست بمنأى عن هذا الاحتمال.

توتر داخل معسكر الحلفاء

ويتحدث سعيد أيضاً عن خلاف متجدد بين مناوي ورئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، على خلفية انتقال عناصر بعتادها من العدل والمساواة إلى حركة تحرير السودان في منطقة حدودية بين شمال كردفان ودارفور.

جبريل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة

وتواصلت «سودان ستوري» مع مسؤولين في الحركتين للحصول على تعليق، لكنها لم تحصل على إفادة بشأن الواقعة حتى إعداد هذا التقرير، ولذلك لا يمكن تأكيد تفاصيلها بصورة مستقلة.

لكن ظهور مثل هذه المعلومات يعيد الانتباه إلى سؤال التماسك الداخلي للقوات الحليفة للجيش، خصوصاً مع اقتراب النقاش من مستقبلها السياسي والعسكري.

جنوب السودان داخل قوات مناوي

وفي أحدث تصريحاته خلال وجوده في جوبا، قال مناوي إن مقاتلين من جنوب السودان يقاتلون ضمن صفوف حركة تحرير السودان التي يقودها.

مناوي وسلفاكير في جوبا

وأوضح، في حوار مع صحيفة «الموقف»، أن انضمامهم تم بصورة طوعية، وأن غالبية من تحدث عنهم حصلوا على الجنسية السودانية، من دون أن يكشف عن عددهم.

وفي المقابل، اتهم قوات الدعم السريع باستغلال الظروف الاقتصادية والفقر في جنوب السودان لتجنيد شباب ودفعهم إلى النزاع المسلح.

ولا تتوافر معلومات مستقلة تتيح التحقق من حجم المقاتلين الذين أشار إليهم مناوي أو أوضاعهم القانونية، فيما يضيف التصريح بعداً جديداً إلى علاقته بجوبا.

فجنوب السودان لم يعد فقط الدولة التي رعت الاتفاق الذي أعاد مناوي إلى السلطة، إذ يمتد تأثيرها، وفق روايته، إلى داخل البنية البشرية لقوات حركته نفسها.

ماذا يريد مناوي؟

على امتداد عشرين عاماً، ارتبطت انتقالات مناوي الكبرى بلحظات تغيّرت فيها المعادلة التي تحدد موقعه في السلطة ومستقبل قواته والاتفاق الذي يستند إليه، أكثر من ارتباطها بخلاف سياسي واحد.

واليوم تتجمع الملفات الثلاثة مرة أخرى: فاتفاق جوبا لم يُنفذ بالكامل، والجيش يتحدث عن توحيد السلاح ودمج القوات، بينما ما تزال القوة المشتركة تحتفظ بهياكلها العسكرية الخاصة.

وفي الوقت نفسه يتحرك مناوي إقليمياً ويعيد جوبا إلى قلب النقاش السياسي.

لهذا ربما يكون السؤال عن انتقاله إلى معسكر آخر سابقاً لأوانه.

السؤال الأكثر دقة هو: هل يستطيع مناوي الحفاظ بعد النزاع المسلح على المعادلة التي صنعتها سنوات القتال: موقع دستوري، واتفاق سياسي مستقل، وقوة عسكرية ذات وزن؟

حتى الآن، تبدو تحركاته محاولة لرفع كلفة تجاوزه داخل المعسكر الذي يقاتل إلى جانبه، أكثر من كونها استعداداً لمغادرته.

لكن تاريخ مناوي نفسه يقول إن المسافة بين المناورة وإعادة التموضع تبدأ عادة عندما يتحول موقع الحركة وقواتها من جزء من معادلة النزاع المسلح إلى بند في التفاوض على شكل السلطة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *