في منتدى شبابي امتد ليومين، طرح شباب من جنوب كردفان تصوراً للسلام يتجاوز وقف القتال إلى استعادة الثقة، ومواجهة الاستقطاب، وتوسيع المشاركة في صناعة القرار. وبين تجارب شخصية ورؤى مشتركة، برز سؤال أساسي: كيف ينتقل الشباب من موقع المتأثر بالنزاع المسلح إلى موقع الشريك في بناء ما بعده؟

سودان ستوري: متابعات 

انشغل المشاركون في المنتدى الشبابي لولاية جنوب كردفان بأسئلة تتجاوز توقيت إنهاء النزاع المسلح، لتطرح ما سيأتي بعده: كيف يمكن إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات؟ وما الموقع الذي ينبغي أن يشغله الشباب في صناعة السلام والقرار؟ وكيف يمكن تجاوز الانقسامات التي عمّقتها سنوات النزاع والاستقطاب؟

على مدى يومين، جمع المنتدى، الذي نظمته الشبكة الشبابية السودانية لإنهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي، شباباً وشابات من الولاية في مساحة للحوار حول آثار النزاع المسلح والتنوع الاجتماعي والتحديات التي تواجه الجيل الجديد، وما يمكن أن يقدمه في مرحلة البحث عن السلام.

وتكشف شهادات أربعة من المشاركين أن النقاش تجاوز توصيف آثار النزاع إلى محاولة صياغة تصور لما يعنيه السلام نفسه بالنسبة إلى الشباب.

من المتأثر إلى الشريك

بالنسبة إلى سلوان صلاح، من مكتب جنوب كردفان بالشبكة الشبابية، ترك المنتدى لديها إحساساً بأن المساحة المتاحة أمام الشباب بدأت تتسع، وأن دورهم لا ينبغي أن يتوقف عند تحمل نتائج الأزمة.

سلوان صلاح

وتقول إن أكثر ما خرجت به من التجربة هو الشعور بأن صوت الشباب يمكن أن يُسمع، وأنهم شركاء أساسيون في البحث عن الحل، لا مجرد «متأثرين بالأزمة».

ويحمل هذا التصور تحولاً في موقع الشباب داخل النقاش العام: من فئة يُتحدث عن احتياجاتها وحمايتها، إلى طرف يريد المشاركة في تحديد شكل السلام نفسه.

وترى سلوان أن الطريق إلى ذلك يبدأ بإعادة بناء الثقة بين الناس والبحث عن القواسم المشتركة التي تستطيع المجتمعات الالتقاء حولها، أكثر مما يبدأ بالاتفاقات السياسية وحدها.

وتقول إن المنتدى عزز لديها الإيمان بقدرات الشباب، لكنه وضع عليهم في الوقت نفسه مسؤولية أكبر تجاه مجتمعاتهم.

السلام ليس بنداً في اتفاق

الفكرة نفسها حضرت بصورة أكثر مباشرة في حديث فادية عبيد الله، من مكتب جنوب كردفان بالشبكة، التي ربطت بين السلام وقدرة الشباب على بناء رؤية وأجندة مشتركة.

وتشير فادية إلى أن النقاشات تناولت التنوع الموجود في جنوب كردفان، إلى جانب الاستقطاب والانقسامات التي تواجه الشباب، والحاجة إلى تجاوز الخلافات والتركيز على القضايا التي يمكن أن تجمعهم.

فادية عبد الله

لكن المسألة، بالنسبة إليها، تتجاوز مجرد توفير منابر للحوار؛ إذ ترى أن الشباب ينبغي أن يصبحوا جزءاً فعلياً من صناعة السلام وصناعة القرار، لا أن يقتصر حضورهم على ذكرهم داخل الاتفاقيات.

ويكشف هذا الطرح جانباً من أزمة المشاركة الشبابية في العمليات السياسية: الاعتراف بالشباب بوصفهم فئة مهمة لا يعني بالضرورة منحهم تأثيراً حقيقياً في القرارات التي تحدد مستقبلهم.

ولهذا تصف فادية المنتدى بأنه محاولة للتشبيك والتعاون وصناعة مساحة يمكن أن تتطور منها أجندة شبابية مشتركة في جنوب كردفان. وفي تصورها، لا يمكن اختزال السلام في نهاية العمليات العسكرية، لأنه يشمل أيضاً بناء مستقبل «آمن وعادل ومستقر».

ما الذي يجمع المختلفين؟

أما محمد المصطفى أحمد دبة، عضو مكتب جنوب كردفان بالشبكة، فينطلق من الاعتراف بوجود اختلافات فعلية بين الشباب أنفسهم. لكن وجود هذه الاختلافات، في رأيه، لا يمنع البحث عما يمكن البناء عليه.

«نختلف في الرؤى، لكن يجمعنا وطن واحد.. وسلام نصنعه معاً»

وخلال المنتدى، جرى النقاش حول آثار النزاع المسلح وتحديات المرحلة المقبلة، إلا أن إحدى الأفكار الأساسية التي برزت كانت رفض التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد متلقين لنتائج الأزمات.

أحمد دابة

وبالنسبة إلى محمد المصطفى، فإنهم قادرون على المساهمة في إنتاج الحلول، إذا أتيحت لهم المساحة والدور الفعلي. وهنا يصبح الحوار نفسه جزءاً من عملية السلام، لا مجرد نشاط موازٍ لها؛ لأن القدرة على إدارة الاختلاف بين المجموعات الشبابية تمثل اختباراً مصغراً لقدرة المجتمع الأوسع على التعايش بعد النزاع المسلح.

من وقف البنادق إلى بناء المجتمع

ويذهب حامد يحيى إسماعيل موسى، من مكتب جنوب كردفان بالشبكة، إلى توسيع مفهوم السلام أبعد من اللحظة العسكرية. ففي ولاية تحمل مجتمعاتها آثار النزاع بصورة مباشرة، يرى حامد أن النقاش حول السلام أصبح ضرورة لا يمكن فصلها عن مستقبل الشباب.

حامد يحي

ويقول إن المنتدى ناقش تجارب المنطقة ومعاناتها، لكنه حاول الانتقال من الحديث عن آثار النزاع المسلح إلى التفكير في الدور الذي يستطيع الشباب القيام به للتقليل من تلك الآثار وصناعة بدائل للمستقبل.

وفي هذا السياق، برزت قضايا التعايش وقبول الآخر وخلق فرص أكثر تكافؤاً بوصفها جزءاً من السلام، وليس قضايا مؤجلة إلى ما بعده.

«السلام الحقيقي ليس نهاية الحرب فقط.. بل القدرة على بناء مستقبل آمن وعادل معاً»

أي مجتمع بعد النزاع المسلح؟

ما يجمع هذه الأصوات محاولة لتغيير السؤال، أكثر من كونه تصوراً سياسياً واحداً أو برنامجاً جاهزاً للسلام.

فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن موعد توقف النزاع المسلح أو الأطراف التي ستوقع اتفاقاً لإنهائه، يطرح الشباب سؤالاً آخر: أي مجتمع ينبغي أن يتشكل بعد توقفه؟

الإجابات التي خرج بها المنتدى تضع الثقة والتعايش والمشاركة والعدالة في قلب هذا التصور.

وإذا كان النزاع المسلح قد دفع الشباب في جنوب كردفان إلى موقع المتأثر المباشر بنتائجه، فإن الرسالة التي حاول المشاركون إيصالها خلال يومين من النقاش هي أنهم لا يريدون البقاء في ذلك الموقع.

إنهم يريدون الانتقال من الحديث عنهم إلى الحديث معهم، بحيث يشاركون في صياغة الاتفاقات بدل الاكتفاء بذكر اسم «الشباب» داخلها، وينظرون إلى السلام باعتباره بداية لإعادة بناء المجتمع لا مجرد نهاية للنزاع المسلح.

وربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر وضوحاً من المنتدى: أن وقف إطلاق النار يمكن أن ينهي القتال، لكنه وحده لا يصنع السلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *