في الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادة الجيش، طرحت «سودان ستوري» سؤالاً واحداً على خمسة سودانيين من خلفيات عسكرية وشرطية وسياسية وصحفية وبحثية: ما التغيير المطلوب لبناء جيش سوداني وطني ومهني بعد النزاع المسلح؟
تباينت الإجابات بين الدعوة إلى إصلاح عقيدة الجيش وإعادة هيكلته، والمطالبة ببناء مؤسسة جديدة عبر عملية دمج وتسريح تدريجية، لكنها التقت عند ضرورة إنهاء النشاط السياسي والاقتصادي داخل الجيش، وإخضاعه للقانون والسلطة المدنية الدستورية، وضمان تمثيل تنوع السودانيين داخل صفوفه وقيادته.
عصام عباس: البداية من العقيدة والتمثيل
يرى اللواء شرطة المتقاعد د. عصام عباس أن إصلاح الجيش يجب أن يبدأ من العقيدة التي تحدد نظرة المؤسسة إلى نفسها وعلاقتها بالدولة والمجتمع، لا من تغيير الهيكل الإداري أو إعادة توزيع الوحدات وحدها.

وقال عباس إن الجيش يحتاج إلى عقيدة تجعله جزءاً من مؤسسات الدولة، لا مؤسسة تسمو فوقها، وتقر بخضوعه للسلطة المدنية الشرعية.
وأضاف أن تحويل هذا المبدأ إلى واقع يتطلب مراجعة القوانين والمناهج التدريبية ومعايير بناء المؤسسة، إلى جانب إنهاء الخطاب الذي يضفي على الجيش قداسة تحصّن قياداته من النقد والمساءلة.
وشدد على ضرورة أن يعكس تكوين الجيش تنوع السودان الجغرافي والاجتماعي، وأن تتوفر أمام جميع السودانيين فرص متساوية للتجنيد والترقي والوصول إلى القيادة.
«يجب أن يرى كل سوداني نفسه في قيادة الجيش، وأن تكون أمام الجميع فرص متساوية للوصول إلى مواقعها».
كما دعا عباس إلى الفصل بين مساري إصلاح الجيش والشرطة، موضحاً أن المؤسستين تختلفان في الوظيفة والتكوين وطبيعة التشوهات التي تحتاجان إلى معالجتها.
خالد شاويش: الانتصار العسكري لا يمنع النزاع المقبل
قال رئيس الجبهة الشعبية المتحدة والقيادي بتحالف «صمود»، خالد شاويش، إن التغيير المطلوب بعد النزاع المسلح هو إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، بعيداً عن الولاءات السياسية والشخصية.

وأضاف أن السودان يحتاج إلى جيش واحد بعقيدة عسكرية وطنية، يعكس تنوع الشعب، ويخضع للدولة والقانون، ولا يكون طرفاً في الصراع السياسي.
ويرى شاويش أن ذلك يتطلب إعادة هيكلة المؤسسة، ودمج القوات وفق معايير مهنية واضحة، وإبعاد النشاط الحزبي والسياسي عن الجيش، وإخضاع القطاع الأمني والعسكري لسلطة مدنية دستورية.
«الجيش الوطني ليس جيش جماعة أو حزب أو قائد؛ بل جيش الوطن، ومهمته حماية السودان وسيادته وشعبه ودستوره».
واعتبر شاويش أن التحدي الحقيقي يتجاوز مسألة الطرف الذي يحقق انتصاراً عسكرياً في النزاع المسلح الحالي، إلى بناء مؤسسة تمنع تكرار الحروب والانقلابات والصراعات المسلحة.
وأضاف أن ترتيبات السلام السابقة نصت على بناء قوات مسلحة وطنية ومهنية وغير مسيسة وموحدة، لكن تلك المبادئ لم تتحول إلى مؤسسة واحدة تحتكر السلاح والقرار العسكري.
ولخص شاويش رؤيته في:
«جيش واحد، وعقيدة وطنية واحدة، وقيادة مهنية واحدة، وسلطة سياسية مدنية واحدة».
محمد عبد الحكم: تغيير علاقة الجيش بالدولة والمجتمع
قال المتحدث الرسمي باسم التجمع الاتحادي، محمد عبد الحكم، إن التحدي الأبرز يتمثل في إحداث تحول مفاهيمي داخل المؤسسة العسكرية، يعيد تحديد علاقتها بالدولة والمجتمع، ويلزم أفرادها بالمهام التي يحددها القانون والدستور.
وأضاف أن الثقافة السائدة داخل المؤسسة أسهمت، خلال فترات مختلفة، في تكوين تصور لدى بعض قادتها بالتفوق على المدنيين والأحقية بإدارة الدولة.

ويرى عبد الحكم أن هذا التصور انعكس في الانقلابات العسكرية المتعاقبة، وعطل تقدم السودان نحو دولة المواطنة المتساوية التي تقوم على الحقوق والواجبات.
وقال إن المؤسسة العسكرية انشغلت، خلال معظم تاريخها، بالحكم والسياسة والاقتصاد، بدلاً من التركيز على حماية الحدود والدستور وتطوير قدراتها المهنية.
ودعا إلى بناء مؤسسة قومية تقوم على احترام القيم الإنسانية ونبذ التطرف والعنصرية، وتعكس التنوع المناطقي والعرقي والديني من دون تمييز.
«الجيش الذي يحتاجه السودان هو جيش يرى فيه جميع السودانيين أنفسهم، ويؤدي واجبه المحدد بعيداً عن السياسة والنشاط الاقتصادي».
درة قمبو: بناء مؤسسة جديدة من دون فراغ أمني
قالت الصحفية درة قمبو إن الجيش يحتاج إلى تغيير جذري يتجاوز الإصلاحات الإدارية والهيكلية، معتبرة أن الحد الأدنى لإعادة البناء يتطلب تغيير العقيدة والمناهج النظرية والتدريبية، إلى جانب تغيير مستويات القيادة العليا.
وترى قمبو أن تجربة النزاع المسلح كشفت أن أزمة الجيش لا تقتصر على عدد من القادة أو على طارئ عابر، وإنما ترتبط ببنيته وتكوينه وعلاقته بالسلطة والسياسة.
«أفضل ما يمكن تقديمه للجيش وللسودان هو حل المؤسسة بصورتها الحالية وبناء جيش جديد؛ لأن نقطة البداية يجب أن تكون المؤسسة التي يحتاجها الوطن».
وأوضحت أن بناء جيش جديد يعني تنفيذ عملية انتقال تدريجية تضمن وجود بديل مؤسسي فوري وتحول دون نشوء فراغ أمني، لا التخلص من الجيش القائم أو تفكيكه دفعة واحدة.

وأضافت أن الدمج والتسريح ينبغي أن يقوما على اختيار العناصر المؤهلة من الجيش والقوات الأخرى وفق معايير محددة، لتشكيل نواة المؤسسة الجديدة، ثم تسكين الرتب والأفراد بطريقة لا تخلق فجوات في القيادة أو القدرة العملياتية.
وقالت إن المناهج الجديدة يمكن أن تسهم في بناء قوة وطنية أكثر انسجاماً، شريطة أن تُدار العملية وفق تصور يراعي واقع الدولة وتنوع شعوبها ومجتمعاتها.
وأكدت أن توفير البديل ضرورة تستلزم الاعتراف بالمظالم التاريخية، ودراسة مخاطر تأسيس المؤسسة الجديدة، وتنفيذ التسريح والدمج بأقل قدر ممكن من المخاطر، لا خياراً ثانوياً يمكن تأجيله.
عمار سعيد: المساءلة جزء من إعادة البناء
قال الباحث والمحلل السياسي عمار سعيد إن الجيش يقف، في ذكرى سودنة قيادته، أمام مرآة التاريخ لا أمام منصة للاحتفال فقط، بعد عقود من الانقلابات والحروب الداخلية وفي ظل استمرار النزاع المسلح الحالي.
وأضاف أن حصيلة رصد أجراه خلال العام سجلت أكثر من 72 هجمة جوية، مع استمرار المطالبات بالتحقيق في وقائع استهداف المدنيين.

كما أشار إلى إعلان الولايات المتحدة، في مايو 2025، أنها خلصت إلى استخدام السلطة القائمة في بورتسودان أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على إثر ذلك تدابير عقابية. ونفت السلطة القائمة في بورتسودان الاتهام واعتبرته بلا أدلة.
تُورد «سودان ستوري» نتائج الرصد والاتهام الأميركي في سياق هذه الإفادة من دون تبنّيهما بوصفهما حكماً نهائياً، مع التأكيد على ضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف في جميع الادعاءات المتعلقة باستهداف المدنيين أو استخدام أسلحة محظورة.
وقال سعيد إن قيمة الجيش تُقاس بقدرته على حماية المواطنين واحترام القانون والخضوع للمساءلة، لا بالاحتفالات أو الشعارات.
«أعظم تكريم للجيش ليس إقامة الاحتفالات، وإنما تحريره من السياسة والأيديولوجيا، وإخضاعه للقانون، وإعادة بنائه مؤسسة وطنية تحمي السودانيين جميعاً».
وختم سعيد بالسؤال:
«متى يصبح للسودان جيش يحمي شعبه، بدلاً من أن يطلب من الشعب الاحتماء من طائراته؟».
ما الذي يجمع الإجابات؟
رغم اختلاف خلفيات المتحدثين ودرجة التغيير التي يدعون إليها، تلتقي الإفادات عند خمس قضايا رئيسية:
- تغيير العقيدة التي تحدد وظيفة الجيش وعلاقته بالدولة والمجتمع.
- إنهاء النشاط الحزبي والسياسي والاقتصادي داخل المؤسسة.
- بناء جيش واحد وقيادة واحدة وسلسلة أوامر موحدة.
- تحقيق العدالة في التمثيل والتجنيد والترقية والوصول إلى القيادة.
- إخضاع الجيش للقانون والسلطة المدنية الدستورية والمساءلة.
ويظل الخلاف قائماً حول حجم التغيير: هل يمكن إصلاح المؤسسة القائمة من داخلها، أم يحتاج السودان إلى بناء جيش جديد عبر عملية انتقال ودمج وتسريح؟
لكن المواقف الخمسة تتفق على أن العودة إلى المؤسسة نفسها، بالعقيدة والبنية والعلاقة السياسية التي سبقت النزاع المسلح، لن تمنع تكراره.
تنبيه تحريري: إحصائية الهجمات الجوية الواردة في إفادة عمار سعيد هي حصيلة رصد أعده الباحث، ولم تتحقق منها «سودان ستوري» بصورة مستقلة. كما أن اتهام استخدام الأسلحة الكيميائية يستند إلى إعلان وزارة الخارجية الأميركية الصادر في 22 مايو 2025 (state.gov)، وقد نفته السلطة القائمة في بورتسودان.

