انتقلت قيادة الجيش إلى السودانيين قبل الاستقلال، لكن توطين القيادة لم يحسم علاقة المؤسسة بالسلطة والسياسة والاقتصاد. وبعد اندلاع النزاع المسلح في أبريل، اتسع السؤال من قيادة الجيش إلى طبيعة بنائه: كيف يُبنى جيش وطني واحد في دولة تتعدد داخلها القوات ومراكز القرار والسلاح؟

إعداد: سودان ستوري 

في 14 أغسطس 1954، تسلّم الفريق أحمد محمد حمد الجعلي قيادة الجيش، ليصبح أول سوداني يتولى المنصب خلفاً للقيادة البريطانية. ومنذ ذلك التاريخ، تحتفل القوات المسلحة بذكرى سودنة قيادتها، التي سبقت إعلان استقلال السودان بنحو عام ونصف العام.

الفريق أول الجعلي اول قائد للجيش السوداني
الفريق أحمد محمد حمد الجعلي اول قائد للجيش السوداني

لكن مرور اثنين وسبعين عاماً على ذلك التحول لا يستدعي الاحتفاء بالتاريخ وحده. فالنزاع المسلح الذي اندلع في 15 أبريل 2023 وضع المؤسسة العسكرية والدولة السودانية معاً أمام أكبر اختبار منذ الاستقلال.

اتسع السؤال من هوية قائد الجيش إلى طبيعة الجيش نفسه: ما وظيفته؟ ولمن يخضع؟ وأين تنتهي مهمته العسكرية وتبدأ حدود السلطة السياسية؟ وكيف يمكن بناء مؤسسة قومية واحدة بعد أن أصبح السودان ساحة لقوات نظامية وشبه نظامية وحركات مسلحة وكتائب ذات انتماءات سياسية وأيديولوجية؟

مؤسسة سبقت الدولة

نشأ الجيش السوداني الحديث من «قوة دفاع السودان» التي أسستها الإدارة الاستعمارية في عشرينيات القرن الماضي. وقد صُممت القوة لتلبية احتياجات الحكم القائم آنذاك، وتأمين الحدود وحفظ النظام الداخلي.

انتقلت قيادتها إلى السودانيين في أغسطس 1954، ثم أصبح الجيش إحدى أولى المؤسسات الوطنية المكتملة عند إعلان الاستقلال في يناير 1956. غير أن اكتمال بنائه الإداري لم يكن مصحوباً باتفاق وطني واضح حول عقيدته أو تمثيله الاجتماعي والجغرافي أو علاقته بالسلطة المدنية.

كانت السودنة خطوة ضرورية في طريق الاستقلال، لكنها ركزت بصورة أساسية على إحلال السودانيين محل البريطانيين في قيادة المؤسسات، ولم تُجب وحدها عن سؤال أعمق: هل أصبحت المؤسسة الجديدة ممثلة لجميع السودانيين؟

السودنة التي لم تشمل الجميع

لم يمضِ سوى عام واحد على سودنة قيادة الجيش حتى اندلع تمرد جنود الفرقة الاستوائية في توريت ومدن أخرى بالجنوب في أغسطس 1955. ولم تكن الواقعة مجرد عصيان عسكري معزول؛ فقد كشفت مبكراً أزمة الثقة والتمثيل داخل المؤسسة الجديدة.

خشي جنود الفرقة الاستوائية نقلهم إلى الشمال وتجريدهم من السلاح، في سياق أوسع من الشعور بالتهميش وضعف تمثيل الجنوبيين في عملية سودنة الوظائف القيادية. وخلال مفاوضات إنهاء التمرد، طالب الجنود بسحب القوات الشمالية من جوبا واستبدالها بقوات مصرية أو بريطانية، وأبدوا مخاوفهم من تسليم أنفسهم إلى القوات الشمالية.

رفضت الحكومة الاستسلام المشروط وطالبت الجنود بإلقاء أسلحتهم وتسليم أنفسهم. وانتهت الأحداث عسكرياً، لكن المحاكمات والإعدامات والعقوبات التي أعقبتها عمّقت الانقسام، وأسهمت في فتح الطريق أمام حرب أهلية طويلة.

تمرد توريت ١٩٥٥

ظهرت المفارقة مبكراً: أصبحت قيادة الجيش سودانية، بينما ظل سؤال قومية المؤسسة وتمثيل السودانيين داخلها بلا إجابة مكتملة.

من الثكنة إلى القصر

بعد أقل من ثلاثة أعوام على الاستقلال، دخل الجيش إلى الحكم بانقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958. وتكرر التدخل العسكري في مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، ثم في يونيو 1989 بقيادة عمر البشير والجبهة الإسلامية القومية.

وبين الانقلابات الناجحة، شهد السودان محاولات انقلابية وصراعات داخل المؤسسة العسكرية، كان أبرزها انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971. كما تدخل الجيش في أبريل 1985 لإنهاء حكم نميري عقب الانتفاضة الشعبية، قبل أن يسلم السلطة إلى حكومة منتخبة بعد عام.

تكشف هذه المحطات أن العلاقة بين الجيش والسياسة لم تكن حادثاً عابراً. ففي فترات طويلة، لم يعد الجيش مؤسسة داخل الدولة، بل تحول إلى السلطة التي تديرها وتحدد اتجاهاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

الإسلاميون وإعادة تشكيل الجيش

مثّل انقلاب 30 يونيو 1989 تحولاً نوعياً في علاقة الجيش بالحكم. فمشروع الجبهة الإسلامية القومية لم يقتصر على استخدام ضباط عسكريين للاستيلاء على السلطة، وإنما امتد لاحقاً إلى إعادة تشكيل المؤسسات النظامية وفق متطلبات بقاء النظام.

شهدت تلك المرحلة إحالات واسعة داخل القوات المسلحة والخدمة العامة، وصعوداً لمعايير الولاء السياسي والأيديولوجي، إلى جانب إنشاء قوات شعبية وكتائب ومجموعات مسلحة موازية أو مساندة للجيش.كتائب الاسلاميين

أثرت هذه السياسات في مهنية المؤسسة وتوازنها الداخلي، وربطت أجزاء من بنيتها بمشروع سياسي امتد ثلاثين عاماً. كما أضعفت الحدود بين الجيش والحزب والدولة، وفتحت المجال أمام تعدد مراكز القوة المسلحة.

لم تختفِ هذه البنية بالكامل بعد سقوط نظام عمر البشير. وأظهر النزاع المسلح في أبريل عودة كتائب وتشكيلات ذات ارتباطات إسلامية إلى القتال إلى جانب الجيش، ما أعاد طرح السؤال حول حدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتنظيمات العقائدية.

لا تعني مواجهة قوات الدعم السريع منح أي حزب أو تيار سياسي حق العمل المسلح من داخل الجيش أو إلى جواره. فالجيش القومي لا يُبنى باستبدال مليشيا بأخرى، ولا بتحويل المعركة العسكرية إلى مدخل لإعادة تمكين أي تنظيم سياسي داخل الدولة.

خبرة صنعتها الحروب الداخلية

تشكّلت خبرة الجيش السوداني، طوال معظم تاريخه بعد الاستقلال، داخل حروب أهلية طويلة. بدأت الحرب في جنوب السودان قبيل الاستقلال، ثم تجددت عام 1983، وامتدت النزاعات لاحقاً إلى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

أثرت هذه الحروب في تكوين المؤسسة وعقيدتها وانتشارها. وبدلاً من أن تقتصر مهمتها على حماية الحدود من التهديدات الخارجية، أصبحت العمليات العسكرية الداخلية جزءاً رئيسياً من تجربتها.

كما اعتمدت الحكومات المتعاقبة على قوات ومليشيات مساندة للجيش. ومع الوقت، تحولت بعض هذه التكوينات إلى مراكز قوة مستقلة تملك السلاح والموارد والقيادة السياسية الخاصة بها.

كانت قوات الدعم السريع، التي تطورت من تشكيلات ذات جذور في مليشيات حرب دارفور إلى قوة منشأة بقانون، أبرز نتائج هذه السياسة. وبدلاً من معالجة تعدد القوات، منحتها الترتيبات السياسية والقانونية المتعاقبة شرعية ونفوذاً متزايدين.

وكان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان يدافع، قبل النزاع المسلح، عن وجود الدعم السريع باعتباره قوة خرجت «من رحم القوات المسلحة». لكن تبعيته القانونية للقائد العام لم تمنع تطور قيادة واقتصاد وعلاقات خارجية وطموح سياسي مستقل، قبل أن ينفجر الصراع بين القوتين.

الجيش والثروة

لم يعد نفوذ المؤسسة العسكرية مقتصراً على الثكنات وميزانية الدفاع. فقد توسع النشاط الاقتصادي المرتبط بالقوات النظامية ليشمل شركات ومصانع واستثمارات في قطاعات إنتاجية وتجارية متعددة.

أثار هذا التوسع أسئلة حول خضوع المال العام للرقابة، وحدود النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، وقدرة الحكومات المدنية على معرفة موارد الشركات التابعة للقطاع الأمني والعسكري ومصروفاتها.

يتعلق الجدل بالفصل بين تمويل الدفاع المشروع وبناء اقتصاد موازٍ لا يخضع للقواعد نفسها التي تحكم مؤسسات الدولة، أكثر من تعلقه بحرمان الجيش من الموارد اللازمة لأداء مهمته.

ويؤدي غياب الشفافية إلى أكثر من مشكلة: يضعف سلطة وزارة المالية على المال العام، ويمنح القيادات العسكرية نفوذاً اقتصادياً مستقلاً، ويصعّب أي انتقال مدني، كما يحول المصالح الاقتصادية إلى عنصر مقاومة للإصلاح.

لهذا، لا يمكن بناء جيش مهني من دون معالجة اقتصاده. ويشمل ذلك إدخال الشركات ذات النشاط المدني والتجاري تحت ولاية مؤسسات الدولة، وإخضاع الموازنة والمشتريات العسكرية لرقابة قانونية توازن بين متطلبات الأمن وحق المجتمع في حماية موارده.

نموذج ديسمبر والإصلاح المؤجل

بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، تصدر شعار «جيش واحد، شعب واحد» المشهد العام. عبّر الشعار عن رغبة السودانيين في استعادة الجيش بوصفه مؤسسة قومية، وإنهاء توظيفه لحماية الأنظمة السياسية.

لكن الفترة الانتقالية لم تنجح في تحويل ذلك الشعار إلى برنامج مؤسسي قابل للتطبيق. وبقيت ملفات دمج الدعم السريع، وترتيبات الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، وإصلاح الأجهزة الأمنية، ومراجعة النشاط الاقتصادي العسكري، وتحديد سلطة الحكومة المدنية على القوات النظامية بلا حسم.

كان نموذج ديسمبر قائماً على استعادة الدولة من الحكم الحزبي العسكري، وليس على إلغاء الجيش أو إضعافه. غير أن الشراكة بين المدنيين والعسكريين أبقت القرار السيادي والاقتصادي والأمني موزعاً بين مراكز متعددة.

وانتهت تلك الشراكة بانقلاب 25 أكتوبر 2021، قبل إنجاز الإصلاح الأمني والعسكري أو بناء مؤسسات انتقالية مستقرة.

الاتفاق الإطاري والفرصة الأخيرة

أعاد الاتفاق السياسي الإطاري، الموقع في 5 ديسمبر 2022، ملف الإصلاح الأمني والعسكري إلى قلب العملية السياسية، ووضعه ضمن القضايا المؤجلة إلى المرحلة النهائية من التسوية. ونص التصور العام للعملية على سلطة مدنية وانتقال ينتهي بجيش مهني قومي واحد.

وفي مارس 2023، انعقدت ورشة الإصلاح الأمني والعسكري بمشاركة ممثلين عن الجيش والدعم السريع والقوى المدنية وخبراء. وناقشت قضايا الدمج والتحديث والقيادة والعقيدة العسكرية والعلاقة بين القوات النظامية والسلطة المدنية.

لكن النقاش اصطدم بالخلاف حول مدة دمج الدعم السريع، وتسلسل القيادة، وإعادة هيكلة القوات، والجهة التي تملك القرار أثناء الفترة الانتقالية.

لم تكن الخلافات فنية فقط. فقد تعلقت بمستقبل النفوذ والموارد والسلطة، وبأي القوتين ستدخل الأخرى، ومن سيقود المؤسسة الموحدة. وقبل الوصول إلى اتفاق نهائي، اندلع النزاع المسلح في 15 أبريل 2023.

أظهرت التجربة أن تأجيل إصلاح المؤسسة ترك داخل الدولة قوتين كبيرتين تملكان السلاح والطموح السياسي وشبكات المصالح، عوضاً عن الحفاظ على التوازن.

نزاع مسلح أكبر من طرفين

بدأ النزاع المسلح مواجهة بين الجيش والدعم السريع، لكنه لم يبقَ محصوراً فيهما. دخلت إلى ساحة القتال حركات مسلحة وكتائب عقائدية وقوات جهوية ومستنفرون ومجموعات محلية وقبلية.

تقاتل بعض هذه التشكيلات تحت قيادة عملياتية للجيش أو الدعم السريع، لكنها تحتفظ بدرجات متفاوتة من القيادة والتمويل والولاء السياسي أو الجهوي المستقل.

ويكشف هذا الواقع أن السودان لا يواجه مشكلة دمج قوتين فقط، بل أزمة أوسع تتعلق بتوزع السلاح والشرعية العسكرية ومصادر التمويل، وباستخدام المشاركة في القتال طريقاً إلى النفوذ أو السلطة بعد انتهاء النزاع.

لا يصنع وجود قوات متعددة في خندق واحد عقيدة عسكرية موحدة. كما أن تلقي الأوامر الميدانية لا يعني اندماجاً مؤسسياً ما دامت لكل قوة قيادتها ومواردها ومشروعها السياسي.

أكثر من عملية دمج

لا يعني بناء جيش وطني واحد جمع المقاتلين في مؤسسة واحدة وتغيير أزيائهم وشاراتهم. فالإصلاح يبدأ قبل الدمج ويمتد إلى ما بعده.

يتطلب ذلك تعريف مصادر التهديد التي يواجهها السودان، وتحديد حجم القوات المطلوبة، ووضع معايير قومية للتجنيد والتدريب والترقية والوصول إلى القيادة.

كما يتطلب فحصاً فردياً للمقاتلين، وسجلاً جنائياً ومهنياً، وقيادة وقضاء عسكريين موحدين، وإنهاء التمويل المستقل، وتنفيذ برامج للتسريح وإعادة الدمج لمن لا تستوعبهم المؤسسة الجديدة.

ولا يمكن إنجاز هذه العملية بمنح الرتب والمواقع مكافأةً على المشاركة في القتال أو التوقيع على اتفاقات سياسية. فقد أثبتت التجارب السابقة أن توزيع الرتب دون بناء مؤسسي ينقل تعدد الجيوش إلى داخل الجيش بدلاً من إنهائه.

المؤسسة ليست قادتها

أدى النزاع المسلح إلى استقطاب حاد في النظرة إلى الجيش. فهناك من يساوي بين المؤسسة وقيادتها الحالية، ومن يعتبر أي نقد للقيادة عداءً للجيش، بينما يحمّل آخرون المؤسسة بكاملها مسؤولية تجارب الحكم العسكري والحروب.

لكن الجيش، بوصفه مؤسسة وطنية، أكبر من قائده ومن أي حكومة أو حزب. والدفاع عن وجوده لا يعني إعفاء قياداته من المساءلة، كما أن الدعوة إلى خضوعه للسلطة المدنية لا تعني إضعافه أو تفكيكه.

تقوم الجيوش المهنية على القانون والتسلسل المؤسسي والرقابة والمحاسبة، لا على الولاء للأفراد أو الأحزاب. وتتمثل وظيفتها في حماية الدولة والدستور والمواطنين، لا تحديد من يحكمهم.

أي جيش بعد النزاع المسلح؟

في الذكرى الثانية والسبعين لسودنة قيادته، لا يفتقر السودان إلى الشعارات المؤيدة للجيش أو المناهضة لخصومه. ما يفتقر إليه هو الاتفاق على المؤسسة التي ينبغي أن تخرج من هذا النزاع.

هل يعود السودان إلى جيش يحتكر القوة المسلحة ويخضع لسلطة مدنية دستورية؟ أم ينتهي النزاع المسلح بتثبيت مناطق نفوذ وجيوش متعددة؟ وهل تستطيع القوى السياسية التوافق على إصلاح المؤسسة قبل التنافس على حكم الدولة؟

انتقلت قيادة الجيش إلى السودانيين قبل استقلال بلادهم، لكن توطين القيادة لم يستكمل وحده بناء العلاقة السليمة بين الجيش والدولة.

وبعد اثنين وسبعين عاماً، تبدو المهمة التاريخية أبعد من سودنة القيادة: بناء جيش لكل السودانيين، تحكمه الدولة ولا يحكمها، ويحمي المجتمع بدلاً من أن يتحول المجتمع إلى ساحة لحروبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *