سودان ستوري | ما وراء الخبر
لم يعد ما جرى في مناطق التعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية مجرد روايات متداولة بين ناجين، أو بيانات حقوقية تطالب بالتحقيق. فقد دخلت الواقعة، بعد يومين من الصمت الرسمي، مرحلة مختلفة مع أول إقرار سوداني رسمي بوقوع أحداث دامية بين القوات المصرية ومعدنين سودانيين، وما صاحبها من عنف وسقوط ضحايا.
إقرار رسمي ومطالبات بالمعالجة
جاء أول إقرار رسمي سوداني بالحادثة على لسان الدكتور أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والخارجية، حين تحدث عن وقائع جرت بين القوات المصرية ومعدنين سودانيين، وما ترتب عليها من سقوط ضحايا. أهمية التصريح أنه لم ينفِ الواقعة، ولم يتعامل معها كخبر غير مؤكد، بل ثبّت، من موقعه الرسمي، أن هناك حادثاً دموياً وقع بين طرف مصري مسلح ومواطنين سودانيين يعملون في التعدين.
لكن التصريح نفسه أثار إشكالاً آخر. فبدلاً من تسمية ما جرى باعتباره اعتداءً على مدنيين سودانيين داخل منطقة تعدين حدودية، ذهب أمجد إلى توصيف أقرب إلى “الاحتكاك” بين طرفين، وهي صياغة تخفف من مركز الواقعة وتفتح الباب أمام مساواة غير دقيقة بين قوة نظامية ومعدنين أهليين. كما انتقل سريعاً من الإقرار بالحادث إلى استدعاء جدل الفرقاء السياسيين، بما بدا كأنه محاولة لإغراق السؤال الأساسي — من قصف؟ وأين؟ وبأي تفويض؟ — في سجال أوسع حول المواقف السياسية.
بهذا المعنى، كان تصريح أمجد مهماً لأنه مثّل أول تثبيت رسمي للحادثة، لكنه كان قاصراً لأنه لم يجب عن السؤال المركزي: ماذا جرى بالضبط في تلك المنطقة المعزولة من شمال السودان؟
ماذا جرى في المنطقة المعزولة؟
بحسب شهادات ناجين ومصادر محلية ومنظمات حقوقية، فإن الهجوم بدأ فجر الثلاثاء 16 يونيو 2026، في محيط مناطق التعدين الأهلي قرب جبل العقيدات وشمال الوادي والجبل الأحمر، وهي مناطق يعمل فيها آلاف المعدنين السودانيين في ظروف قاسية، بعيداً عن الخدمات والحماية، وداخل فضاء حدودي شديد الحساسية.
تتحدث الروايات الميدانية عن قصف جوي استهدف مواقع العمل والإقامة المؤقتة للمعدنين، ثم عن تحرك بري أعقب القصف، شاركت فيه عربات عسكرية مسلحة. كما تحدث ناجون عن هجوم ثانٍ في اليوم التالي، وعن فرار عشرات المعدنين إلى الجبال والصحاري، وسط صعوبة بالغة في إسعاف الجرحى وانتشال الجثامين وحصر المفقودين.
حصيلة مفتوحة وغياب للدولة
الحصيلة لا تزال مفتوحة. بعض المصادر تحدثت عن أكثر من ثلاثين قتيلاً وعشرات الجرحى، بينما ذهبت شهادات ناجين إلى أرقام أعلى بكثير، بسبب وجود جثث متفحمة وأشلاء لم تُحصر، ومعدنين ما زالوا عالقين في مناطق وعرة. هذا التباين لا يعني غياب المأساة، بل يعكس غياب الدولة عن مسرحها: لا فرق إنقاذ كافية، لا بيان رسمي تفصيلي، لا قائمة معلنة للضحايا، ولا تحقيق شفاف يحدد ما حدث ومن يتحمل المسؤولية.
المفارقة أن المعدنين الذين سقطوا في تلك المنطقة لم يكونوا في ساحة حرب بالمعنى التقليدي. كانوا جزءاً من اقتصاد بقاء فرضته الحرب السودانية على مئات الآلاف. فمع انهيار فرص العمل، وتراجع مؤسسات الدولة، وتعطل الأسواق، أصبح التعدين الأهلي واحداً من آخر منافذ العيش أمام مواطنين دفعوا أجسادهم إلى الصحراء بحثاً عن الذهب، لا بحثاً عن مواجهة مع جيش دولة مجاورة.
تساؤلات حول النفوذ والسيطرة
هنا تبرز خطورة الحادثة. فهي لا تتعلق فقط بقصف موقع تعدين، بل تكشف هشاشة العلاقة بين الدولة السودانية ومواطنيها في الأطراف. فإذا كانت السلطات تسمح عملياً باستمرار نشاط التعدين الأهلي، أو تحصل رسوماً وجبايات من العاملين فيه، فإن مسؤوليتها لا تقف عند حدود التحصيل. الحماية جزء من المسؤولية، والإسعاف جزء من المسؤولية، وتحديد مناطق العمل الآمن جزء من المسؤولية، ومعرفة من يملك حق الامتياز في تلك الأراضي جزء من المسؤولية أيضاً.
الرواية الرسمية المحدودة حاولت وضع الحادثة في إطار يحتاج إلى “معالجة جادة” بين الخرطوم والقاهرة. لكن الوقائع التي بدأت تتكشف تفتح باباً أوسع من مجرد حادث حدودي. فالمعدنون والناجون لا يتحدثون فقط عن قصف، بل عن تاريخ من الضغط، والإخلاء، والحرق، والمطاردة، والاشتباكات في مناطق يُقال إنها ذات قيمة اقتصادية عالية بسبب الذهب.
وهنا تظهر الأسئلة الأكثر حساسية: هل كان ما جرى مجرد إجراء أمني حدودي؟ أم أن خلفه صراعاً غير معلن على مربعات تعدين ومناطق امتياز؟ وهل دخلت شركات مصرية، أو واجهات استثمارية مرتبطة بمصالح نافذة، إلى هذه المنطقة قبل محاولة إبعاد المعدنين الأهليين عنها؟ وهل توجد قيادات سودانية نافذة لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الترتيبات؟
هذه الأسئلة لا ينبغي تحويلها إلى اتهامات جاهزة قبل توفر نتائج تحقيق مستقل، لكنها تظل أسئلة مشروعة يفرضها الدم الصامت في الصحراء، وتفرضها طبيعة “اقتصاد الحرب” الذي يعيد تشكيل الحدود والمصالح بعيداً عن أعين الرقابة الشعبية والقانونية.
ما حدث قرب “جبل العقيدات” ليس مجرد خبر أمني، بل هو جرس إنذار حول كيفية إدارة موارد السودان في ظل الحرب، وحول ثمن “اقتصاد البقاء” الذي يدفعه المهمشون من حياتهم، في ظل غياب الحماية الرسمية وضبابية الاتفاقات العابرة للحدود.

