تقرير تفسيري

في غضون أيام قليلة، واجه سكان العاصمة السودانية الخرطوم تذكيراً حياً بمدى ارتباط أمنهم المائي اليومي بالمتغيرات الهيدرولوجية والمناخية التي تحدث خلف الحدود الشرقية للبلاد. جاء ذلك بعدما ابتعد مجرى نهر النيل فجأة عن مآخذ المضخات الرئيسية، مسبباً خروج محطتي «الصالحة» و«شمال بحري» عن الخدمة مؤقتاً، وتراجع الإمداد المائي في عدد من الأحياء.

ولفهم أبعاد هذا الانخفاض المؤقت، تتقاطع الرواية الرسمية الفنية مع التحذيرات المناخية الإقليمية لتكشف عن واقع مائي أكثر تعقيداً في حوض النيل.

الرواية الرسمية: تراجع في التصريف من الجانب الإثيوبي

وفقاً للإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري السودانية، يعود السبب المباشر للانحسار إلى تراجع في تصريف سد النهضة الإثيوبي خلال الفترة الماضية.

وتستند الوزارة في ذلك إلى:

  • تراجع الوارد اليومي: هبط حجم المياه المتدفقة إلى بحيرة خزان الروصيرص بين 7 و9 يوليو 2026 من 207 ملايين متر مكعب إلى 129 مليون متر مكعب يومياً (بتراجع يقارب 37%).
  • سلسلة الأثر: انعكس هذا النقص على التصريفات الخارجة من خزاني الروصيرص وسنار، وعلى مناسيب محطات الروصيرص، وود العيس، وود مدني، والخرطوم، والحلفايا، وشندي.

ملاحظة تحريرية: حتى منتصف يوليو، لم تصدر السلطات في أديس أبابا أو أي جهة هيدرولوجية مستقلة ما يؤكد هذا التفسير أو ينفيه.

الفرضية الموازية: تحذيرات مناخية سبقت الواقعة

في يونيو الماضي، أطلق مركز التنبؤات المناخية لدول شرق أفريقيا التابع لـ«إيغاد»، بالتعاون مع شبكة الإنذار المبكر بالمجاعات الأمريكية، تحذيرات من احتمال تراجع أمطار موسم «الكيرمت» في إثيوبيا هذا العام عن معدلاتها الطبيعية — وهو الموسم الذي يغذي وحده أكثر من 81% من الإيراد السنوي لنهر النيل.

هذا المؤشر لا ينفي الرواية الرسمية، لكنه يفتح احتمالاً موازياً: فتراجع الأمطار، إن تحقق، قد ينعكس على التدفقات الطبيعية الواردة إلى السد نفسه، بما يجعل مصدر التراجع في التصريف مفتوحاً بين عاملين محتملين — تشغيلي ومناخي — دون بيانات كافية حتى الآن لترجيح أحدهما.

مفارقة المنسوب: الأثر غير موحد

من المفارقات التي سجلتها بيانات الوزارة أن مناسيب النيل شمال الخرطوم ظلت أعلى من مستوياتها المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي. يوضح هذا التفصيل أن الأثر لم يكن خطاً مستقيماً على طول مجرى النهر، بل ارتبط بالطبيعة الجغرافية لكل قطاع.

الاستجابة الميدانية والموقف العام

استعانت هيئة مياه الخرطوم بحفارات لشق مجارٍ مائية جديدة وإزالة الترسبات أمام مضخات محطتي الصالحة وشمال بحري، في محاولة لإعادة تشغيلهما.

وسعت وزارة الزراعة والري إلى التمييز بين هذه الحادثة المحلية والموقف المائي العام، الذي وصفته بالمستقر، مستندة إلى:

  • ارتفاع إيرادات ومناسيب النيل الأبيض حتى منتصف يوليو عن المتوسط العام ومستويات العام الماضي.
  • استقرار تصريف خزان جبل أولياء فوق متوسطات الأعوام السابقة.
  • متابعة لجنة عليا للموقف المائي على مدار الساعة.

خلاصة

يتضح من بيان الوزارة أن انحسار النيل وفيضانه، وإن ظل ظاهرة طبيعية متكررة منذ عقود، أصبح اليوم مرتبطاً أيضاً بمتغير هيكلي جديد يتمثل في سد النهضة. إدارة المياه داخل السودان باتت معادلة تتقاطع فيها السياسات التشغيلية العابرة للحدود مع التقلبات المناخية الإقليمية، دون القدرة حتى الآن على حصر الوزن النسبي لكل عامل منهما على حدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *