سياسة

من يحمي السلطة المدنية حين تكون الثروة في مناطق نفوذ السلاح؟

يشترط المشروع الأميركي «تحسناً قابلاً للقياس» في حماية المدنيين، ويترك سؤال القياس والتحقق مفتوحاً. قراءة في ما جرّبه السودان عام 2020، وفي الأدوات المتاحة لحماية قرار مدني على موارد تقع تحت نفوذ السلاح.

القصر الجمهوري في الخرطوم في صورة أرشيفية قبل الحرب
القصر الجمهوري بالخرطوم — تصوير Amirasalih95، CC BY-SA 4.0 / Wikimedia Commons

يمكن أن تُعلَن سلطة مدنية، وأن تُمنح حق توقيع اتفاقات اقتصادية، ويبدأ الاختبار الأصعب بعد ذلك: حين يتعين عليها تنفيذ قراراتها في مناطق تنتشر فيها قوات مسلحة متعددة. من يحمي موظفيها؟ ومن يؤمّن الطرق ومواقع الإنتاج؟ ومن يضمن أن تصل الرسوم والعائدات إلى الخزانة العامة بدل أن تذهب إلى شبكات مسلحة أو شركات واجهة؟

الصورة الرئيسية: القصر الجمهوري في الخرطوم قبل الحرب (صورة أرشيفية). لا توثق ترتيبات حالية لحوكمة الموارد. تصوير Amirasalih95 / Wikimedia Commons، CC BY-SA 4.0.

يطرح مشروع القانون الأميركي H.R. 10795 هذه الأسئلة ضمناً حين يشترط «تحسناً قابلاً للقياس» في حماية المدنيين وحوكمة الموارد قبل أي شراكة. وتبحث هذه المادة في ما جرّبه السودان من قبل، وفي الأدوات التي تقترحها المعايير الدولية والتقارير الأممية لحماية القرار المدني على الموارد.

باختصار

  • يُسند المشروع الأميركي تقييم «التحسن» إلى وزير الخارجية، ولا يحدد آلية تحقق مستقلة.
  • نص قانون في 2020 على نقل ملكية شركات الأجهزة الأمنية إلى وزارة المالية أو جهة خاضعة للسلطة المدنية.
  • دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الدول والشركات المرتبطة بتجارة الصمغ إلى الالتزام بالقانون الدولي.

ما جرّبه السودان من قبل

عرف السودان محاولة مباشرة لإخضاع موارد الأجهزة الأمنية للسلطة المدنية. ففي ديسمبر 2020 تحدث رئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك عن قانون ينص على إقامة رقابة مدنية على أموال القوات النظامية وأصولها، ونقل ملكية شركاتها إلى وزارة المالية أو أي جهة خاضعة للسلطة المدنية، وقال إن القانون سيساعد الحكومة الانتقالية على المضي في التحول الديمقراطي.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية حينها أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رفض نقل الشركات إلى الحكومة، وأبدى استعداده لإخضاعها للضرائب فقط. وبعد أقل من عام أنهى انقلاب أكتوبر 2021 تلك المرحلة الانتقالية. الدرس الذي تتركه التجربة أن النص القانوني يحتاج إلى قوة تنفيذ، وأن السلطة المدنية التي تفتقر إلى أدوات حماية قراراتها تبقى عرضة للتعطيل.

منظومة حماية أوسع من الحراسة

حماية السلطة المدنية تتجاوز جهاز الحراسة الشخصية للمسؤولين إلى منظومة تمنع تحويل مؤسسات الدولة إلى رهينة. وفي تجارب الانتقال من النزاع يتكرر عدد من العناصر: قيادة أمنية خاضعة لسلطة مدنية قابلة للمساءلة، وحماية لموظفي الضرائب والجمارك والرقابة في مناطق الإنتاج، وآليات مستقلة لتوثيق الاعتداءات عليهم، وحماية للمبلّغين والشهود والعاملين في القطاع.

ويرى جوزيف سيغل، مدير الأبحاث في مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن انشغال المؤسسات الأمنية بالمصالح الاقتصادية يصرفها عن مهمتها الأولى في توفير الأمن للمواطنين، وأن امتلاكها مصادر دخل خارج رقابة الدولة يُضعف خضوعها للقيادة المدنية.

الشفافية: الضمانة التي تبدأ من الورق

في جانب الموارد، تقترح معايير الشفافية الدولية في الصناعات الاستخراجية أدوات معروفة: نشر الرخص والعقود وملاحقها، والإفصاح عن المالكين المستفيدين الحقيقيين للشركات، وإيداع الإيرادات في حسابات عامة قابلة للتدقيق، وحظر الجبايات الموازية، وربط منح الامتيازات بتقييم الأثر البيئي وحقوق المجتمعات المحلية.

وتمتد المسؤولية إلى خارج السودان. فقد دعا تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في يوليو 2026 الدول والشركات المرتبطة بتجارة الصمغ العربي إلى الالتزام بالقانون الدولي، ونبّه إلى تعرض الشركات لمخاطر حقوقية مرتبطة بالنزاع. ويضع الدكتور عبد المنعم مختار، في حديثه لراديو دبنقا، العبء على الشركات والدول المستوردة في تطبيق عناية واجبة معززة. الضمانة إذن تقوم على الطرفين: إفصاح من المصدر، وتدقيق من المشتري.

الاتفاقات التي تعيش أطول من الحكومات

الاتفاقات الكبرى التي تمتد آثارها لأجيال تحتاج إلى مراجعة قانونية مستقلة، وإلى رقابة تشريعية متى توفرت مؤسسة تمثيلية ذات صلاحيات فعلية. وفي غياب هذه المؤسسة خلال مرحلة انتقالية، يمكن اعتماد قيود مؤقتة على التصرفات غير القابلة للعكس، كالامتيازات طويلة الأمد وبيع الأصول العامة، مع استثناءات محددة للاحتياجات الإنسانية والخدمات الأساسية.

من يقيس التحسن؟

يشترط المشروع الأميركي أن تكون الشراكة مشروطة بحماية المدنيين، ويُسند الحكم على ذلك إلى وزير الخارجية. وتبقى خارج النص أسئلة عملية تحدد قيمة هذا الشرط: بأي مؤشرات سيُقاس التحسن؟ ومن يتحقق منه ميدانياً؟ وماذا يحدث إذا تجددت الانتهاكات أو تغيرت السلطة بعد بدء الشراكة؟ وكيف يمكن تعليق الاتفاقات دون معاقبة المنتجين والسكان الذين يعيشون من الموارد نفسها؟

هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الشرط المدني أداة حماية فعلية أم صياغة تشريعية. والمعادلة التي يمكن أن تقود قراءتها أن الموارد تصبح فرصة للسلام حين تنتقل سلطة تقرير مصيرها من موازين القوة إلى مؤسسات عامة تستطيع المجتمعات مساءلتها.

في هذا الملف: مشروع قانون أميركي يربط شراكة المعادن بحماية المدنيين · ما وراء الذهب: ماذا نعرف فعلاً عن معادن السودان؟ · الصمغ العربي في حسابات واشنطن · هل تمنح الموارد شرعية لسلطات الأمر الواقع؟

تحليل: فريق سودان ستوري

المصادر: سجل المشروع H.R. 10795؛ أفريكا نيوز عن وكالة الصحافة الفرنسية، 15 ديسمبر 2020؛ الجزيرة الإنجليزية، 15 ديسمبر 2020؛ أخبار الأمم المتحدة، يوليو 2026؛ راديو دبنقا، يوليو 2026.

المنهجية: المادة تحليل يفصل بين ما ينص عليه المشروع الأميركي، وما نُسب إلى مسؤولين ومحللين بأسمائهم، والتقدير التحليلي لسودان ستوري. أدوات الشفافية المذكورة مستمدة من معايير دولية عامة في الصناعات الاستخراجية، ولا تمثل التزامات قائمة على أي سلطة سودانية.

آخر مراجعة: 16 أكتوبر 2026