سياسة

هل تمنح الموارد شرعية لسلطات الأمر الواقع أم تعقّد طريق السلام؟

السيطرة على منجم أو طريق تمنح قدرة على الجباية، والشرعية شيء آخر. قراءة في الفارق بينهما على ضوء المشروع الأميركي H.R. 10795، ودرس عام 2020 حين قال رئيس الوزراء إن 18 في المئة فقط من موارد الدولة في يد الحكومة.

بورتسودان والميناء — أرشيف
وسط بورتسودان باتجاه الميناء، نوفمبر 2008. صورة أرشيفية لساحل السودان على البحر الأحمر، لا توثق أحداث التقرير. تصوير: Bertramz، CC BY 3.0. المصدر · الترخيص

قد تمسك قوة مسلحة بمنجم أو طريق أو ميناء، فتجبي الرسوم وتمنح تصاريح المرور وتبرم صفقات مع التجار. هذه السيطرة تمنحها قدرة، وتبقى مسألة الحق في تقرير مستقبل الموارد الوطنية سؤالاً مختلفاً. وعلى المسافة بين القدرة والحق يتوقف جزء كبير من مستقبل السلام في السودان.

الصورة الرئيسية: وسط بورتسودان باتجاه الميناء، نوفمبر 2008 (صورة أرشيفية). لا توثق الصورة صادرات الموارد أو السيطرة عليها في 2026. تصوير Bertramz / Wikimedia Commons، CC BY 3.0.

أعاد مشروع القانون الأميركي H.R. 10795 طرح هذا السؤال حين اشترط لأي شراكة في المعادن والزراعة وجود «سلطة شرعية بقيادة مدنية». فالسودان اليوم موزع بين السلطة القائمة في بورتسودان و«حكومة السلام» التي أعلنها تحالف تقوده قوات الدعم السريع، وكل منهما تمسك بأرض فيها موارد، وتقدّم نفسها حكومةً للبلاد.

باختصار

  • يشترط المشروع الأميركي شهادة من وزير الخارجية بوجود سلطة شرعية بقيادة مدنية، دون أن يسمّي سلطة سودانية بعينها.
  • في 2020 قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إن 18 في المئة فقط من موارد الدولة في يد الحكومة.
  • أشارت الصحافة السودانية آنذاك إلى نحو 250 شركة تابعة للجيش والأجهزة الأمنية في قطاعات منها الذهب والصمغ العربي.
  • تقارير أممية وصحفية تنسب إلى طرفي النزاع جني عائدات من الذهب والصمغ عبر السيطرة على مناطق الإنتاج والطرق.

أربعة مفاهيم يختلط بعضها ببعض

يفيد التمييز بين أربعة مفاهيم كثيراً ما تُستعمل كأنها مترادفة. السيطرة الفعلية قدرة ميدانية على موقع أو طريق، تتغير بتغير موازين القتال. والاعتراف الدبلوماسي قرار تتخذه دول ومنظمات بالتعامل مع جهة بوصفها حكومة. والأهلية القانونية لإبرام العقود تتعلق بقدرة الجهة على إلزام الدولة بالتزامات تصمد أمام المحاكم والمستثمرين وتغيّر الحكومات. أما الشرعية السياسية فتتصل بقبول المحكومين ومساءلة الحاكم أمامهم.

قد تجتمع هذه المفاهيم في جهة واحدة، وقد تتفرق. والعقود الطويلة على الموارد تحتاج إلى الأربعة معاً لتصمد، لأن العقد الذي تبرمه جهة تملك السيطرة وحدها يظل عرضة للطعن متى تغيرت موازين القوة.

ماذا يقول المشروع الأميركي عن الشرعية؟

يربط المشروع إنشاء الشراكة بقرار من وزير الخارجية الأميركي يؤكد وجود سلطة حاكمة شرعية بقيادة مدنية، حققت تحسناً قابلاً للقياس في حماية المدنيين والاستقرار السياسي وحوكمة الموارد، ثم بموافقة نظراء في حكومة سودانية بقيادة مدنية. وإذا أصبح المشروع قانوناً، سيظل تطبيقه مرهوناً بهذه المعايير.

غير أن هذا التقييم يخدم غرضاً محدداً، هو فتح برنامج اقتصادي أميركي. التقييم الأميركي، مهما بلغت دقته، يبقى حكماً خارجياً لغرض ثنائي، ومسألة الشرعية في السودان تحتاج إلى تسوية سودانية شاملة يشارك فيها السودانيون أنفسهم.

درس 2020: الموارد خارج الخزانة

المسألة أقدم من النزاع المسلح الحالي. ففي عام 2020 قال رئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك إن 18 في المئة فقط من موارد الدولة في يد الحكومة. وفي ديسمبر من العام نفسه وصف استثمار الجيش والأجهزة الأمنية في القطاعات الإنتاجية بأنه «غير مقبول»، وقال إن كل جيوش العالم تستثمر في الصناعات الدفاعية، أما المنافسة في القطاعات الإنتاجية الأخرى فمسألة مختلفة.

وبحسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن الصحافة السودانية آنذاك، كانت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تسيطر على نحو 250 شركة في قطاعات حيوية، منها الذهب والصمغ العربي وتصدير اللحوم والدقيق والسمسم. وأفادت الوكالة بأن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان رفض نقل هذه الشركات إلى الحكومة، وأبدى استعداده لإخضاعها للضرائب فقط.

ويرى جوزيف سيغل، مدير الأبحاث في مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، في حديث لقناة الجزيرة آنذاك، أن تخلّي المؤسسة العسكرية عن الاستثمارات المدنية شرط لانتقال ديمقراطي حقيقي، لأن القادة الأمنيين الذين يملكون مصادر دخلهم خارج رقابة الدولة يصبحون أقل خضوعاً للمساءلة أمام قيادة مدنية منتخبة.

حوافز تعمل في اتجاهين

تستطيع الحوافز الاقتصادية أن تدعم السلام حين ترتبط بوقف العنف وحماية السكان وإخضاع الإيرادات للموازنة العامة. وتستطيع أيضاً أن تعطي نتيجة معاكسة إذا تحولت إلى سباق على المواقع والطرق قبل أي تسوية، أو إلى محاولة لإلباس السلطة العسكرية واجهة مدنية تستوفي الشروط شكلياً.

وتنسب تقارير أممية وصحفية إلى طرفي النزاع جني عائدات من موارد مثل الذهب والصمغ العربي عبر السيطرة على مناطق الإنتاج ومسارات التجارة. في سياق كهذا، يصبح أي وعد خارجي بشراكة على الموارد عاملاً في حسابات الأطراف المسلحة، يمكن أن يشجع على التسوية، ويمكن أن يرفع قيمة الأرض التي يُقاتَل عليها.

العقود الطويلة في زمن النزوح

يزداد الخطر حين تُوقَّع عقود طويلة الأمد في ظل نزوح الملايين، وتعطّل المؤسسات، وغياب البرلمان والرقابة القضائية المستقلة. عندها تتحول الأسئلة عن الإفصاح ومدة العقد والتحكيم والضرائب والمستفيدين الحقيقيين من الشركات إلى شروط جوهرية لصحة الاتفاق، تتجاوز كونها تفاصيل فنية تُرجأ إلى ما بعد التوقيع.

السلام الذي يعيد للمدنيين حق القرار في المال العام والموارد يعالج جذراً من جذور النزاع. أما السلام الذي يكتفي بتوزيع مناطق النفوذ، فقد يوقف إطلاق النار ويُبقي الاقتصاد الذي يغذّيه قائماً.

في هذا الملف: مشروع قانون أميركي يربط شراكة المعادن بحماية المدنيين · ما وراء الذهب: ماذا نعرف فعلاً عن معادن السودان؟ · الصمغ العربي في حسابات واشنطن · من يحمي السلطة المدنية في مناطق نفوذ السلاح؟

تحليل: فريق سودان ستوري

المصادر: سجل المشروع H.R. 10795؛ الجزيرة الإنجليزية، 15 ديسمبر 2020؛ أفريكا نيوز عن وكالة الصحافة الفرنسية، 15 ديسمبر 2020؛ أخبار الأمم المتحدة، يوليو 2026؛ رويترز، مارس 2025.

المنهجية: المادة تحليل يفصل بين ما ينص عليه المشروع الأميركي، وما نُسب إلى مسؤولين ومحللين بأسمائهم، والتقدير التحليلي لسودان ستوري. رقم الشركات الـ250 منسوب إلى الصحافة السودانية عبر وكالة الصحافة الفرنسية، ولم يصدر بشأنه حصر رسمي معلن.

آخر مراجعة: 16 أكتوبر 2026