كتب عربية معروضة فوق فرشة في فعالية مفروش بكمبالا.كتب معروضة في فعالية «مفروش» بكمبالا — من الصور الأصلية المرفقة بتقرير مكتب كمبالا / سودان ستوري.

كتب معروضة في فعالية «مفروش» بكمبالا — من الصور الأصلية المرفقة بتقرير مكتب كمبالا / سودان ستوري.

تقرير: محمد عبد الرحمن

في «هام تاور» قرب جامعة ماكيريري، يستعيد سودانيون تجربة «مفروش» التي وُلدت في الخرطوم؛ لا بوصفها معرضاً للكتب فحسب، بل مساحةً للذاكرة والأسئلة الثقافية التي حملها المنفى.

قبل أن تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والبلدان، كان ثمة مكان في قلب الخرطوم يجتمع فيه الكتّاب والطلاب والمثقفون والناشطون حول كتب مستعملة وجديدة؛ يتبادلونها، ويتناقشون حولها، وتتعرف فيه الكتب إلى أصحاب جدد.

في «أتني»، ذلك المكان القديم في وسط الخرطوم، ابتكر رواده قبل أكثر من عقد معرضاً عُرف باسم «مفروش». كانت الكتب تُفرش على الأرض، تنتقل من يد إلى أخرى، وتمتد الأحاديث أبعد من صفحاتها.

لكن التجربة لم تتوقف بسبب الحرب وحدها؛ فقبل اندلاعها بسنوات، دفعتها المضايقات والقيود الأمنية إلى التوقف في ذلك المكان. ثم مضت البلاد في تحولات متلاحقة، إلى أن دفعت حرب أبريل/نيسان 2023 ملايين السودانيين إلى مغادرة بيوتهم ومدنهم.

بعد ذلك، لم يعد «مفروش» إلى «أتني»، بل ظهر في مدينة أخرى. في كمبالا، حيث يعيش آلاف السودانيين بعيداً عن الخرطوم، يُنظَّم «مفروش ـ رواق الوراقين» دورياً في مطلع كل شهر. توضع الكتب على الطاولات وعلى فرشة عادية كما كان يحدث في الخرطوم، ويجتمع حولها قراء وكتّاب وفنانون.

المكان تغير، والناس تغيروا، لكن السؤال بقي: ما الذي ينتقل فعلاً عندما ينتقل الناس؟ هل تنتقل الكتب وحدها، أم الحكايات والأغاني واللغات والعادات التي صنعت ذاكرتهم؟

«مفروش» في المنفى.. أكثر من كتب

يصف أديسون جوزيف، أحد مؤسسي المبادرة، «مفروش» كمبالا بأنه استلهام ومواصلة لتجربة سودانية أقدم، ولكن في «سياق ووضع مختلف» فرضتهما الحرب ولجوء أعداد كبيرة من السودانيين إلى أوغندا.

ويقول لـ«سودان ستوري» إن المبادرة بدأت في كمبالا خلال العام الماضي، ثم جُددت في دورتها الحالية عبر فعاليات في يوليو وأغسطس وسبتمبر 2026.

تقوم الفكرة الأساسية على توفير الكتب العربية لسودانيين فقد كثير منهم مكتباتهم، ولم تعد أمامهم وسيلة سهلة للحصول على الكتب من السودان أو القاهرة. كما تمنح الكتّاب والناشرين مساحة لعرض الكتب وتوزيعها، سواء أُنتجت بالنشر الذاتي أو عبر دور النشر، في مدينة محدودة المكتبات العربية.

لا يقتصر «مفروش» على البيع والاستبدال. ففي فعاليته الثالثة، التي أُقيمت في 6 سبتمبر/أيلول، شمل البرنامج معرضاً للكتاب، وركناً لرسم الأطفال، وجلسة عن أهمية تدوين التراث الشفاهي للمجتمعات، صاحبتها أغانٍ تراثية.

ويقول جوزيف إن اختيار موضوع التراث الشفاهي جاء من إدراك أن معرفة واسعة ما تزال محفوظة بلغات وحكايات لم تجد طريقها إلى التدوين، وأنها جزء من المعرفة الإنسانية التي لم تنل حظها من النقاش.

حين تصبح الذاكرة الشفاهية مهددة

يبدأ الدكتور توحيد خميس من نقطة أساسية: ما يُروى شفاهة قد يكون تاريخاً ومعرفةً حقيقية، لا مجرد حكاية عابرة. فالعمل على التراث الشفاهي يتطلب جمع الروايات المباشرة، ومقارنة الشهادات، ووضعها في سياقاتها للوصول إلى صورة أكثر اكتمالاً عن تجارب المجتمعات.

لا يتشكل هذا النوع من الذاكرة في عزلة؛ فهو يستند إلى الجماعة والعلاقات والمكان. وحين تتشتت الجماعة، تتغير الطريقة التي تستعيد بها ذاكرتها وتنقلها. ومن هذه الزاوية، لم يكن «أتني» مجرد موقع تُفرش فيه الكتب، بل إطاراً اجتماعياً نشأت داخله ممارسة ثقافية كاملة.

يلفت خميس إلى أن المسافة بين الأجيال اتسعت مع الحرب؛ غادر شباب كثيرون، بينما بقي كبار السن يحملون معارف وخبرات كانت تنتقل بالمخالطة والممارسة. ومع ابتعاد الأجيال عن بيئاتها، تصبح بعض المهارات والحكايات مهددة بالانقطاع. لكنه يحذر من اختزال الحماية في الأرشفة، قائلاً: «الحفظ لوحده والتوثيق لوحده لا ينفع»؛ فالتراث يحتاج أيضاً إلى أن يُمارس ويُتداول.

حين تحمل الأغنية ما لا تحمله الصفحة

إذا كانت الكتب إحدى الوسائل التي يحمل بها السودانيون المعرفة، فإن الأغنية تحمل اللحن والإيقاع والكلمات وتستحضر شيئاً من المكان. وفي «مفروش» كمبالا، حضرت الأغنية التراثية ضمن البرنامج، لتصبح إحدى الوسائط التي يصل بها الموروث إلى المنفيين.

يقول الفنان النقر العجيمي لـ«سودان ستوري» إن الأغنية التراثية تستحضر المكان حتى لمن ابتعد عنه؛ فعندما يغني لجهة جغرافية محددة، يشعر بعض الحاضرين «زي كأنهم موجودين في المنطقة نفسها».

ويرى أن اختلاف اللغات والإيقاعات بين مناطق السودان يجعل الأغنية وسيلة للتعرف إلى ثقافات بعضها بعضاً. لكنه ينبه إلى أن هذا التراث يحتاج إلى مزيد من البرامج والتوثيق، خصوصاً في ظل الحرب والنزوح.

ولا يفصل العجيمي بين الموسيقى والكتابة؛ فالموسيقى تحمل الإيقاع واللحن والرقص، بينما تحفظ الكتابة جوانب أخرى من التجربة. وتصبح المسألة أكثر إلحاحاً مع الأطفال الذين يكبرون خارج السودان؛ إذ يقترح تقديم ألعاب الأطفال القديمة وأغانيها في مواد مصورة وجذابة تساعد جيلاً جديداً على ممارستها، لا مجرد سماعها.

التراث سؤال عن المستقبل

يقول الصحفي عيسى دفع الله إن السودانيين في كمبالا يعيشون تحت ضغط نفسي كبير، وإن «مفروش» يمنحهم مساحة مؤقتة بعيداً عن الحرب واستقطابها: «الناس بيجوا المفروش عشان دايرين يبتعدوا من السياسة ومن الحرب.. دايرين حاجة تطلعهم للبراح العام بتاع الثقافة والمعرفة».

ويكتسب تبادل الكتب، في هذه الظروف، معنى عملياً أيضاً؛ فالقارئ الذي لا يستطيع شراء أكثر من كتاب يمكنه استبداله ليقرأ عناوين أكثر مما تسمح به قدرته الشرائية، ليتحول التبادل إلى شكل صغير من التضامن.

لكن الأطفال يقفون عند نهاية السلسلة. فهم يدخلون مدارس بلغات جديدة، ويعيشون وسط أصدقاء ووسائل إعلام مختلفة. وإذا لم تستمر الأسرة في استخدام لغتها وتعليمها، فقد تضعف علاقة الطفل بها مع مرور الزمن. ولا تتعلق المسألة بالعربية وحدها، بل باللغات المحلية التي تحمل أجزاء من موروث المجتمعات السودانية.

هنا يصبح سؤال التراث سؤالاً عن المستقبل لا الماضي فقط. فالحرب تهدد الموروث داخل السودان بما يصيب الأماكن والأرشيفات، وتغيّر أيضاً الشروط التي كان ينتقل عبرها بين الناس والأجيال.

ما الذي يبقى حين يتغير المكان؟

عندما يصف جوزيف «مفروش» كمبالا بأنه امتداد لتجربة سابقة في سياق مختلف، فإنه يختصر المسافة بين الخرطوم والمنفى: تبدل المكان وتغير الرواد واختلفت الحاجة إلى الكتاب، لكن بقيت حاجة الناس إلى مساحة جامعة للمعرفة.

وفي المقابل، يذكّر خميس بأن المعارف الشفاهية لا تُحمل كالأمتعة، بل تعيش بالناس الذين يمارسونها وينقلونها. ومن ثم لا تكمن خطورة الحرب فقط فيما دمرته من أماكن وأرشيفات، بل أيضاً فيما قطعته من صلات بين الأجيال.

تقدم تجربة «مفروش» احتمالاً آخر: أن تتحرك الممارسة الثقافية مع أصحابها، فتتغير وظيفتها وتكتسب عناصر جديدة من دون أن تختفي. فما انتقل من الخرطوم إلى كمبالا لم يكن جغرافيا المكان، بل حيوية الفكرة التي أعاد المنفيون تشكيلها لتلائم حاجتهم الراهنة.

في «مفروش» لا تزال الإجابات مفتوحة: كتب تتداول، وأغانٍ تُستعاد، وحكايات تُروى، وذاكرة تبحث لنفسها عن موطئ قدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *