وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين عند زيارته الخرطوم في يناير/كانون الثاني 2021 (مواقع التواصل)

مصدر ينفي حديثاً نُسب إليه، وأرشيف يكشف خطأً يعود إلى عشر سنوات، واتهام خطير بلا دليل معلن.. ثم يُسحب المنشور من دون تصحيح أو اعتذار

متابعات — سودان ستوري

في الأزمات السياسية، لا تبقى المعلومة الخاطئة مجرد هفوة؛ إذ يمكن أن تتحول، مع التكرار وإسنادها إلى أسماء ذات وزن، إلى أداة لإعادة تشكيل الرواية العامة، ونقل المسؤوليات من أصحابها، وتوجيه الاتهام نحو الخصوم.

يقدم منشور مصطفى عبد العزيز البطل الأخير نموذجاً واضحاً لهذه العملية. فالبطل، الذي عيّنه نظام عمر البشير عام 2017 مستشاراً إعلامياً بسفارة السودان في لندن بدرجة قيادية عليا، بنى مقاله عن زيارة مزعومة لوفد من تحالف «صمود» إلى إسرائيل على ثلاث ركائز: نسبة تأكيد الزيارة إلى مصدر نفى صدور ذلك عنه، وإعادة ترتيب الوقائع زمنياً لتحميل الحكومة الانتقالية مسؤولية قرار اتُّخذ قبل تشكيلها بعشر سنوات، ثم توجيه اتهام خطير إلى عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان من دون تقديم دليل معلن.

وصادق عمر البشير، في سبتمبر 2017، على تعيين البطل مستشاراً إعلامياً بسفارة السودان في لندن، اعتباراً من يناير 2018، وتضمن القرار ترفيع الوظيفة إلى الدرجة الثانية القيادية العليا.

لا تجعل هذه الخلفية كل ما يكتبه البطل خاطئاً بالضرورة، لكنها تكتسب أهميتها عندما يصبح أحد العاملين السابقين داخل الجهاز السياسي والإعلامي للنظام القديم طرفاً في إعادة كتابة تاريخ ذلك النظام، وتحميل خصومه المدنيين قرارات ووقائع بدأت في عهده.

استعارة مصداقية مصدر آخر

نشر البطل مقالاً بعنوان «التطبيع سراً والإنكار جهراً»، أيد فيه تقرير موقع «أفريكا إنتليجنس» الذي تحدث عن زيارة مزعومة لوفد من تحالف «صمود» إلى تل أبيب، برئاسة بابكر فيصل، رئيس المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في التحالف.

ولم يقدم البطل في مقاله وثيقة سفر، أو صورة، أو إفادة من مسؤول إسرائيلي، أو مصدراً معلناً شارك في الزيارة المزعومة. وبدلاً من ذلك، حاول منح الرواية ثقلاً إضافياً بنسب تأكيدها إلى رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغني، قائلاً إن الأخير أكد، داخل مجموعة خاصة تجمعهما، صحة التقرير والزيارة.

وهنا ظهرت أولى مشكلات بناء الرواية: مصدر مهم، لكن إفادته غير متاحة للجمهور، وردت داخل مجموعة مغلقة، ولا يستطيع القارئ العودة إليها أو فحص سياقها.

ورد بابكر فيصل على المنشور قائلاً إنه تواصل مباشرة مع عثمان ميرغني، وسأله عن صحة الحديث الذي نسبه إليه البطل.

ونقل فيصل عن ميرغني قوله: «ليس صحيحاً، بل أستغرب له»، مضيفاً أنه كتب إلى البطل في المجموعة ذاتها وطالبه بحذف اسمه من المنشور.

ووفقاً لفيصل، أبلغه ميرغني لاحقاً بأن البطل قال إنه سحب المنشور كاملاً.

وبذلك تحوّل الخلاف إلى مسألة أكثر خطورة من مجرد تباين في تفسير كلام عثمان ميرغني: إفادة نُسبت إليه، ثم نفاها هو نفسه، بحسب ما نقله فيصل. وسقطت بذلك الركيزة التي استخدمها البطل لإكساب روايته مصداقية مستقلة عن تقرير «أفريكا إنتليجنس».

ولم ينشر البطل، حتى وقت إعداد هذه المادة، توضيحاً عاماً يبيّن ما قاله عثمان ميرغني بالفعل، أو يقدم دليلاً على الحديث الذي نسبه إليه، أو يفسر أسباب سحب المنشور.

إعادة هندسة الزمن

الركيزة الثانية في مقال البطل قامت على تحميل الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك مسؤولية حذف عبارة «كل الأقطار عدا إسرائيل» من جواز السفر السوداني.

وكتب البطل أن السودان، في عهد حكومة حمدوك، أزال العبارة من الجواز ومضى في مسار التطبيع، في محاولة لتقديم زيارة «صمود» المزعومة باعتبارها امتداداً طبيعياً لسياسة تبناها المدنيون أثناء الفترة الانتقالية.

لكن الأرشيف يكشف أن العبارة حُذفت عند إعداد الجواز الإلكتروني السوداني الجديد عام 2009، في منتصف حكم عمر البشير، وقبل تشكيل حكومة حمدوك بعشر سنوات.

وقال مساعد مدير الشرطة لشؤون الجوازات آنذاك، اللواء آدم دليل، إن إزالة العبارة كانت «قراراً إجرائياً» متعلقاً بحجم الختم وتصميم الجواز الإلكتروني الجديد، وإن العبارة لم تكن جزءاً أصيلاً من الجواز القديم، بل ختماً مضافاً إليه.

يتعلق الأمر هنا بواقعة محددة التاريخ، يمكن التحقق منها بسهولة، بمعزل عن أي جدل حول التطبيع أو تباين في قراءة موقف الحكومة الانتقالية.

حين يُنقل قرار اتُّخذ عام 2009 من عهد البشير إلى عهد حمدوك، لا تتغير خانة التاريخ وحدها؛ بل تتغير معها المسؤولية السياسية. ويُعاد تقديم النظام الذي اتخذ القرار كأنه خارج القصة، بينما تتحمل حكومة جاءت بعده بعقد كامل تبعاته أمام الرأي العام.

هذه إحدى أكثر أدوات التضليل السياسي فاعلية: انتزاع واقعة صحيحة من زمنها، وزرعها داخل سياق آخر، لإنتاج معنى سياسي مغاير من دون اختلاق كامل للواقعة.

من بدأ طريق إسرائيل؟

لم يقف إعادة ترتيب الوقائع عند قضية الجواز. فقد قدم البطل مسار التطبيع كما لو أنه مشروع مدني بدأته حكومة حمدوك، متجاهلاً تعدد مراكز القرار خلال الفترة الانتقالية، والدور المباشر للمكون العسكري، فضلاً عن الاتصالات التي بدأت في السنوات الأخيرة من حكم البشير.

وتشير روايات منشورة، استناداً إلى كتاب الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، إلى أن عمر البشير فتح قناة اتصال مع الجانب الإسرائيلي في مطلع عام 2019، أثناء تصاعد احتجاجات ثورة ديسمبر، وأحال متابعة الاتصالات إلى رئيس جهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش.

وبعد سقوط البشير، انتقل الملف بصورة أكبر إلى المكون العسكري، وعقد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان لقاءه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة عنتيبي الأوغندية في فبراير 2020.

أما حكومة حمدوك، فقد أعلنت أن اتخاذ قرار نهائي بشأن إقامة العلاقات مع إسرائيل ينبغي أن يتم عبر مؤسسة تشريعية منتخبة، في وقت كان فيه الجانب العسكري يدير اتصالات مباشرة ومتعددة القنوات.

لا تعفي هذه الوقائع الحكومة الانتقالية من مسؤوليتها عن الخطوات التي تمت خلال وجودها، لكنها تمنع اختزال ملف معقد في رواية أحادية، تجعل المدنيين وحدهم أصحاب مشروع التطبيع، وتمحو من الصورة نظام البشير وأجهزته الأمنية والقيادة العسكرية التي أدارت المسار لاحقاً.

إزاحة المسؤولية نحو محمد الفكي

بلغت رواية البطل أخطر مراحلها عندما زعم أن عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان رافق وفداً إسرائيلياً ضم مسؤولين من الجيش والموساد، وقاده في جولة داخل منشآت منظومة الصناعات الدفاعية، للاطلاع على مرافقها وما تنتجه من أسلحة ومعدات عسكرية.

الاتهام بالغ الخطورة؛ فهو لا يتحدث عن موقف سياسي مؤيد للتطبيع، بل عن اصطحاب مسؤولين أجانب، بينهم ضباط استخبارات، إلى منشآت عسكرية سودانية حساسة.

ومع خطورة الادعاء، لم يقدم البطل وثيقة، أو صورة، أو تاريخاً محدداً للزيارة، أو اسماً لأحد أعضاء الوفد، أو إفادة من مسؤول داخل منظومة الصناعات الدفاعية تدعم روايته.

ونفى بابكر فيصل ما أورده البطل نفياً قاطعاً، مؤكداً أن محمد الفكي لم يرافق أي وفد إسرائيلي داخل منشآت الصناعات الدفاعية، ولم يلتق أي مسؤول إسرائيلي.

وقال فيصل إن الأشخاص الذين رافقوا الوفد الإسرائيلي معروفون، لكنه اتهم البطل بتجنب تسميتهم، وتوجيه الاتهام بدلاً عنهم إلى أحد ممثلي المكون المدني في الفترة الانتقالية.

تؤدي هذه الرواية، بصرف النظر عما إذا كانت ناتجة عن تعمد أو ضعف في التحقق، وظيفة سياسية واضحة: نقل مركز المسؤولية عن الاتصالات الأمنية والعسكرية مع إسرائيل إلى أحد أبرز رموز المدنيين، وإبقاء المسؤولين العسكريين والأمنيين الذين أداروا تلك الاتصالات بعيداً عن دائرة الاتهام.

كيف تُصنع الرواية؟

تكشف حالة منشور البطل أربع مراحل متتابعة في صناعة الرواية السياسية المضللة.

تبدأ العملية بخبر مثير صادر عن جهة خارجية، لكنه يفتقر إلى الأدلة المتاحة للجمهور. ثم تُستعار مصداقية شخصية معروفة، عبر نسبة تأكيد غير معلن إليها داخل مجموعة مغلقة. بعد ذلك، تُستدعى وقائع تاريخية صحيحة جزئياً، لكن تواريخها ومسؤولياتها يعاد ترتيبها لتخدم الاتهام. وأخيراً، تضاف رواية أكثر خطورة ضد شخصية سياسية مستهدفة، من دون تقديم دليل يمكن فحصه.

عندما انهارت ركيزة المصدر، وانكشف الخطأ الزمني، ووُوجه اتهام محمد الفكي بالنفي، سُحب المنشور، وفق ما نقله بابكر فيصل عن عثمان ميرغني، لكن من دون تصحيح علني موازٍ لحجم الاتهامات التي تضمنها.

هذه الآلية لا تعتمد على الكذب الصريح وحده، بل على مزج أجزاء من الحقيقة بأخطاء زمنية وإسنادات غير متحققة. وهي طريقة تجعل الرواية قابلة للتداول؛ لأن كل جزء فيها يبدو مألوفاً للقارئ، حتى وإن كانت النتيجة النهائية غير صحيحة.

النظام القديم يعيد كتابة خصومه

تتجاوز دلالة القصة الخلاف بين مصطفى البطل وبابكر فيصل. فهي تكشف جانباً من المعركة الأوسع حول ذاكرة الفترة الانتقالية، ومن يتحمل مسؤولية القرارات التي اتخذت خلالها وقبلها.

تعمل شخصيات ارتبطت بمؤسسات النظام البائد، في عدد من السجالات السياسية، على إعادة تقديم نفسها بوصفها مراقباً محايداً للمرحلة التي أعقبت سقوط البشير، بينما يجري تفكيك تاريخ تلك المرحلة وإعادة تركيبه بطريقة تعفي مؤسسات النظام القديم، أو تقلل من دورها، وتنقل مسؤولية أفعالها إلى القوى المدنية والثورية.

ويأخذ الدفاع عن النظام السابق في هذه العملية شكلاً غير مباشر في الغالب: صناعة خصم أكثر سوءاً، مدني متآمر، أو ثائر خائن، أو سياسي يعمل سراً لمصلحة دولة أجنبية.

ويصبح المطلوب من الجمهور ألا يتذكر من فتح قنوات الاتصال، أو من امتلك السلطة الأمنية والعسكرية، أو من اتخذ القرار، بل أن يحتفظ بصورة واحدة: المدنيون هم أصحاب الخيانة، بينما تقف مؤسسات النظام القديم خارج المشهد.

لهذا تكتسب واقعة حذف عبارة إسرائيل من الجواز أهميتها. فهي مثال صغير، لكنه كاشف، على كيفية نقل فعل موثق من عهد البشير إلى عهد حمدوك، ثم استخدامه دليلاً على إدانة المدنيين.

الحذف لا يصحح المعلومة

أعلن بابكر فيصل أنه شرع في اتخاذ إجراءات قانونية بشأن تقرير الزيارة المزعومة وما ترتب عليه من اتهامات، مشيراً إلى أنه سبق أن نفى صحة التقرير في إفادة لشبكة «جهينة».

لكن حذف المنشور لا يمحو أثره. فالرواية تكون قد خرجت من صفحته إلى مجموعات التواصل والحسابات السياسية، وتحولت إلى مادة يعاد نشرها بعيداً عن سياق السحب أو النفي.

وفي قضايا السمعة والاتهامات السياسية، لا يكفي حذف المادة في صمت؛ إذ يظل التصحيح العلني واجباً مهنياً، خصوصاً عندما يتضمن المنشور نسبة أقوال إلى أشخاص، واتهام مسؤول سابق بإدخال وفد استخباراتي أجنبي إلى منشآت عسكرية.

تكشف قصة مصطفى البطل أن أخطر روايات التضليل ليست دائماً تلك المختلقة من بدايتها إلى نهايتها، بل تلك التي تُبنى من وقائع متفرقة: تقرير غير مثبت، واسم صحفي معروف، وقرار قديم صحيح، واتصالات حدثت بالفعل، ثم يعاد جمعها وترتيبها لإنتاج اتهام جديد.

وبمجرد إعادة كل واقعة إلى مصدرها وتاريخها وصاحب القرار فيها، تتفكك الرواية: المصدر ينفي، والأرشيف يكشف الخطأ، والاتهام الأخطر يظل بلا دليل، والمنشور يُسحب من دون تفسير.


كل حكاية تستحق أن تُروى — سودان ستوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *