الثقافة والفنون
ذاكرة الغناء السوداني

إعداد وتقديم: صلاح شعيب

تفريغ ومعالجة تحريرية: سودان ستوري

بروفايل صوتي خاص أعدّه وقدّمه الصحفي والكاتب صلاح شعيب، وحوّلته «سودان ستوري» من تسجيل صوتي إلى مادة مقروءة بعد التفريغ والمعالجة التحريرية.

 

حين وصل أحمد المصطفى إلى لندن، حمل معه شيئاً من أم درمان أكثر من حاجته إلى غرفة يقضي فيها أيام مهمته الرسمية؛ حمل صوتها، ومجالسها، وذكريات سنوات ازدهرت فيها الأغنية السودانية داخل الإذاعة والمنازل والصحف.

كان من المقرر أن يقيم الفنان في فندق، لكن صلاح أحمد محمد صالح رفض الفكرة. فتح له الشقة التي كان يتقاسمها مع الروائي الطيب صالح، وأصرّ أن يعيش معهم، لا بعيداً عنهم، كأن وجود أحمد المصطفى في البيت استعادة مؤقتة لوطن تركوه خلفهم.

اجتمع الثلاثة في شقة صغيرة بلندن: روائي سيصبح واحداً من أشهر كتاب العربية، ومطرب يحمل صوت السودان إلى المهاجر، وشاعر إذاعي عرف كيف يحوّل الغياب إلى كلمات. كانت الأحاديث تعود كل ليلة إلى أم درمان، وإلى الناس الذين تفرقت بهم الطرق، وإلى ذلك الإحساس الذي يعرفه السودانيون عندما يصبح الوطن بعيداً بما يكفي ليتحول إلى أغنية.

في تلك الأجواء كتب صلاح أحمد محمد صالح كلمات “نحن في السودان”، واحدة من أكثر أغنيات أحمد المصطفى التصاقاً بالحنين:

نحن في السودان نهوى أوطاننا
وين رحلنا بعيد نطرى خلاننا

تجاوزت الأغنية حدود التحية العاطفية إلى بلد بعيد، لتصبح خلاصة حياة رجل ظل، في كل محطة انتقل إليها، يبحث عن وسيلة جديدة لقول السودان: مرة في صحيفة، ومرة خلف ميكروفون، ومرة في قصيدة، ثم في قاعات الدبلوماسية وسفاراتها.

البيت الذي اجتمعت فيه القصيدة والدولة

قبل لندن بسنوات طويلة، كان صلاح يتعلم الإصغاء في بيت أم درماني اجتمعت داخله اللغة والشعر والعمل العام.

كان والده أحمد محمد صالح معلماً وشاعراً وسياسياً، درس في كلية غوردون، وعمل في عدد من مؤسسات الدولة، ثم أصبح عضواً في مجلس السيادة. وهو أيضاً صاحب كلمات النشيد الوطني “نحن جند الله جند الوطن”، النص الذي انتقل من فضاء الشعر إلى الذاكرة الرسمية للسودان.

جمع الأب بين الشعر والمسؤولية العامة دون أن ينفصل أحدهما عن الآخر، وفي تلك المساحة المشتركة نشأ صلاح، يرى أن الكلمة يمكن أن تصبح أغنية، أو خطاباً وطنياً، أو جزءاً من صورة البلاد أمام العالم.

وكان شقيقه عبد الرحمن أحمد واحداً من الأصوات الإذاعية المعروفة. وهكذا كان الميكروفون حاضراً في البيت منذ الصغر، وكانت اللغة أبعد من أداة مدرسية؛ فقد شكّل الصوت والشعر والعمل العام جزءاً من الحياة اليومية.

من هذا البيت أخذ صلاح حساسيته تجاه الكلمات، ودقته في الاستماع، وإيمانه بأن الثقافة تعيش في نبرة المذيع، وفي اختيار الأغنية، وفي الطريقة التي يُقدَّم بها الفنان إلى الجمهور، بقدر ما تعيش في الكتب.

الصحافة.. الباب الأول إلى الأغنية

دخل صلاح الحياة العامة من باب الصحافة. عمل في صحيفة “النيل” في وقت كانت فيه الصحف ملتقى للأدباء والشعراء والنقاد، وليست مجرد صفحات للأخبار السياسية.

كانت الصحافة السودانية تستوعب أسماء مثل التجاني يوسف بشير، وقرشي أحمد حسن، ومحمد مفتاح الفيتوري، ومصطفى سند، كما فتحت أبوابها لشعراء العامية وكتاب الأغنيات، من أمثال حسين عثمان منصور، ومحمد يوسف موسى، وعبد الله النجيب، وإسماعيل خورشيد.

في ذلك الوسط، تقاربت المسافة بين مكتب التحرير ومجلس الفنانين. كان الصحفي يكتب النقد، ويعرف الشعراء، ويجلس إلى المطربين، وقد يقود تعليق في صحيفة إلى ولادة علاقة فنية تستمر سنوات.

هناك توثقت علاقة صلاح بالشاعر قرشي أحمد حسن، ومن خلال تلك الدائرة اقترب من عثمان حسين، الذي كان في ذلك الوقت فناناً يبني مشروعاً موسيقياً متدرجاً، يمر عبر شراكات شعرية شكّلت كل واحدة منها مرحلة مختلفة في تجربته، أبعد من موقع الصوت الباحث عن نصوص فحسب.

ارتبط عثمان أولاً بأعمال قرشي أحمد حسن، ثم جاءت تجربته الواسعة مع حسين بازرعة، وبين هذه المسارات ظهرت ثنائيته مع صلاح أحمد محمد صالح، حاملة نبرة خاصة قوامها الحزن الهادئ، واللغة المحكمة، والقدرة على تحويل اللوعة إلى بناء غنائي متماسك.

القليل الذي بقي طويلاً

كتب صلاح القليل نسبياً، ولم يترك عشرات الدواوين ولا مئات النصوص. وتكمن مفارقة تجربته في أن هذا القليل من الأغنيات ظل حاضراً بعد رحيله بزمن طويل.

غنى له عثمان حسين “مات الهوى”، و”نبكيك”، و”وداعاً يا غرامي”، و”إن تريدي يا ليالي”، و”ليالي الغرام”. وعند الاستماع إليها، تبدو هذه الأعمال نصوصاً وُلدت وهي تعرف طريقها إلى الصوت، مكتملة الصلة باللحن منذ البداية.

كان صلاح يدرك أن الأغنية ليست قصيدة مكتوبة على الورق فقط. كان يعرف أين تتوقف الجملة ليدخل اللحن، وكيف تُبنى القافية دون أن تتحول إلى قيد، وكيف تترك الكلمات للمطرب مساحة يعبّر فيها بصوته، لا أن يكتفي بترديد النص.

في “مات الهوى” يتسلل الفقد ببطء، من الوفاء إلى الخذلان، ومن الانتظار إلى الاعتراف بانتهاء شيء كان يبدو عصياً على النهاية.

قضيت العمر في هواهم
نسيت الدنيا إلا هم

في هذه البساطة تكمن قوة النص. تكتفي الجمل بالإيجاز دون زخرفة كثيفة أو محاولة لعرض المقدرة اللغوية؛ إنسان يضع تجربته كاملة داخل جمل قصيرة، ثم يترك لعثمان حسين أن يمنحها عمرها الموسيقي.

تجاوزت العلاقة بينهما حدود النص واللحن، لتصبح صداقة حقيقية ساعدت على بناء الثقة بين الشاعر والمطرب. فالأغنيات التي تبقى طويلاً لا تصنعها الموهبة وحدها؛ تصنعها أيضاً معرفة كل طرف بطريقة تفكير الآخر، وقدرته على سماع ما لم يُكتب في الورق.

أحمد المصطفى.. صداقة قبل الأغنية

مع أحمد المصطفى، أخذ شعر صلاح لوناً آخر. كان هناك حنين أكثر وضوحاً، وخفة تتجاور مع الشجن، وعلاقة قديمة تعود إلى سنوات الصبا وأم درمان والإذاعة.

كتب له “الليلة ما جاني”، و”أهواك”، و”أشكي وأبكي لمين”، و”حبيبة نور في نور”، قبل أن تأتي “نحن في السودان” بوصفها ذروة العلاقة بين الغناء والمنفى.

كتب الطيب صالح لاحقاً عن تلك الأيام، وعن صلاح الذي كان يحفظ أسماء الممثلين والمخرجين، ويهتم بالسينما، ويطرب لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأسمهان وفريد الأطرش وليلى مراد، في وقت لم يكن فيه الذوق السوداني قد انفتح تماماً على هذه التجارب.

كان صلاح يريد، في شبابه، السفر إلى مصر لدراسة التمثيل. لكن والده، الذي عرف صعوبة طريق الفن، فضّل أن يوجهه إلى مسار آخر. لم يذهب صلاح إلى معهد التمثيل، غير أن الفن عاد إليه في الإذاعة، وفي الشعر، وفي صداقاته، وحتى في الطريقة التي مارس بها الدبلوماسية.

وعندما جاء أحمد المصطفى إلى لندن، أعاده صلاح إلى دائرة الأصدقاء القديمة، إلى المائدة والأحاديث والسهر، متجاوزاً معاملته كضيف رسمي. بذلك الموقف البسيط ظهرت طبيعة الرجل أكثر مما يمكن أن تظهر في سلسلة من الصفات: رفض أن يترك صديقه وحيداً في فندق، وأصرّ أن يتقاسم معه ضيق الشقة ودفء الصحبة.

ومن تلك الصحبة خرجت أغنية تتحدث عن السفر، لكنها لا تستسلم للاغتراب. تستعيد أم درمان وبحري والخرطوم، وتمنح المهاجرين وطناً يمكن حمله في الصوت.

عندما أصبح الحب مادة للأرشيف

امتد تعاون صلاح إلى سيد خليفة، الذي غنى له “يا مسافر وناسي هواك”. وفيها عاد الشاعر إلى المسافة التي ظل مشغولاً بها: شخص يرحل، وآخر يبقى متعلقاً بالذكرى، يحاول أن يقاوم النسيان بالكلمات.

يا مسافر وناسي هواك
أرواحنا وقلوبنا معاك

كانت أغنيات جيل صلاح تدور كثيراً حول الفقد والهجر والانتظار. ويربط صلاح شعيب ذلك بطبيعة المجتمع السوداني في نهايات الأربعينيات والخمسينيات، حين كان المجال العام أكثر محافظة، وكانت المسافة بين الرجال والنساء أكبر مما أصبحت عليه لاحقاً.

في تلك البيئة، تحولت المرأة في القصيدة إلى حضور بعيد؛ تُرى من وراء الحواجز الاجتماعية، أو تُستعاد بعد الغياب، أو تُبنى حولها صورة مثالية لا تصل إليها اليد.

هذه المسافة صنعت جانباً من كثافة الشوق في أغنيات المرحلة، لكنها تكشف أيضاً تناقضها. فالمرأة كانت مركز القصيدة، لكنها لم تكن بالقدر نفسه حاضرة في صناعة المجال العام الذي أنتج القصيدة.

ومع اتساع تعليم النساء ودخولهن الخدمة المدنية والحياة الاجتماعية خلال الستينيات والسبعينيات، تغيرت طبيعة العلاقات، وتغيرت معها الأغنية. ظهرت مدارس أكثر رمزية، وأصبحت الحبيبة أحياناً صورة للوطن أو الحرية أو المدينة.

لكن أغنيات صلاح وجيله بقيت لأنها حفظت إحساس مرحلة كاملة، بطريقتها في اللقاء، وفي الخجل، وفي الفراق، وفي انتظار رسالة ربما لا تصل، متجاوزةً مجرد وصف الحب.

الميكروفون كسلطة اختيار

حين انتقل صلاح من الصحافة إلى الإذاعة، حمل معه حس المحرر، وتعامل مع الميكروفون بوصفه أداة تختار ما يستحق أن يبقى، أبعد من كونه مجرد آلة لنقل الصوت.

كانت الإذاعة السودانية آنذاك بوابة أساسية للاعتراف بالفنان. ما يُبث منها يصل إلى البيوت ويصبح جزءاً من الذاكرة العامة، وما يُستبعد قد يظل بعيداً عن الجمهور مهما كانت قيمته.

داخل هذه المؤسسة قدّم صلاح برامج ثقافية وفنية، وأسهم في التوثيق للأغنيات والفنانين. وينسب إليه إطلاق اسم برنامج “حقيبة الفن” وتقديم حلقاته الأولى، قبل أن تنتقل التجربة إلى أجيال أخرى من الإعلاميين والباحثين، من بينهم علي شمو، والمبارك إبراهيم، وعوض بابكر.

تجاوز الاسم حدود العنوان الإذاعي، وساعد على تثبيت مرحلة كاملة من تاريخ الغناء السوداني داخل الوعي العام، ومنحها إطاراً يمكن الرجوع إليه وتدريسه ومناقشته.

يرى صلاح شعيب أن الأثر الحقيقي لذلك الجيل تجاوز تقديم الأغنيات إلى بناء ذائقة كاملة. كانت النصوص والألحان والأصوات تمر عبر قدر من الفحص قبل أن تصل إلى المستمع، ولم تكن كل أغنية تجد طريقها تلقائياً إلى البث.

لم تخلُ تلك الرقابة الفنية من مشكلات، لكنها صنعت تراتبية مهنية دفعت الشعراء والملحنين والمطربين إلى تطوير أدواتهم. كان الوصول إلى الإذاعة نتيجة لمسار، لا بداية مجانية للشهرة.

لندن مرة أخرى.. من إذاعة السودان إلى «بي بي سي»

قادته الإذاعة إلى لندن، حيث تلقى تدريباً وعمل في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». هناك التقى بإعلاميين وكتاب سودانيين، وقدم برامج ثقافية وفنية، ووسع معرفته بأساليب العمل الإذاعي.

أقام أكثر من خمس سنوات، ثم عاد إلى السودان حاملاً خبرة مهنية نقل جانباً منها إلى المذيعين ومعدي البرامج الذين عملوا معه.

جمع صلاح بين الصوت الجيد، واللغة، والخلفية الصحفية، والمعرفة بالفن. وهذه العناصر صنعت مذيعاً لا يقرأ النص فقط، بل يفهمه ويعرف سياقه وما ينبغي أن يصل منه إلى المستمع.

وبهذا المعنى، نظر صلاح إلى الإذاعة بوصفها مؤسسة ثقافية؛ مكاناً لصناعة الوعي، وحفظ الذاكرة، وتعريف السودانيين بأنفسهم، لا مجرد وسيلة لملء ساعات البث.

دبلوماسي يحمل الشعر في حقيبته

عندما انتقل إلى العمل الدبلوماسي، حمل الصحافة والإذاعة والشعر معه إلى بيروت، التي كانت من محطاته الأولى، ثم إلى واشنطن ولندن، حيث أصبح سفيراً للسودان لدى بريطانيا.

ساعدته ثقافته الواسعة في بناء علاقات تتجاوز البروتوكول الرسمي. ارتبط بمبدعين وأدباء عرب، وكان من أصدقائه الشاعر نزار قباني.

كان ينتمي إلى جيل من الدبلوماسيين السودانيين الذين لم يفصلوا تمثيل الدولة عن تمثيل ثقافتها. ومن ذلك الجيل جمال محمد أحمد، وصلاح أحمد إبراهيم، وسيد أحمد الحردلو، وعلي حمد، ومنصور خالد، إلى جانب البشير البكري وحمد النيل وعطا البشير وآخرين.

مثّلت الدبلوماسية عند هؤلاء معرفة بالتاريخ واللغة والفنون، وقدرة على تقديم السودان بوصفه بلداً له صوت وصورة وذاكرة، تجاوزت حدود المراسلات والتقارير والاستقبالات.

ولهذا يبدو انتقال صلاح من الإذاعة إلى الخارجية أقل غرابة مما قد يظهر. أدى المذيع والدبلوماسي، بطريقتين مختلفتين، المهمة نفسها: اختيار الكلمات التي يُعرَّف بها السودان أمام الآخرين.

ومع تسييس الخدمة العامة خلال العقود اللاحقة، وتراجع معايير الكفاءة أمام المحاباة والولاء الأيديولوجي، فقدت الدبلوماسية السودانية جانباً من ذلك التكوين الثقافي. لم تختف الكفاءات تماماً، لكن المؤسسة لم تعد تمنح الثقافة والمعرفة المكانة التي تمتعتا بها في جيل صلاح.

الرجل الذي لم يغادر الأغنية

تقاعد صلاح أحمد محمد صالح من العمل الدبلوماسي، وظل مرتبطاً بالكتابة والفن، بالصحافة والفنانين، وظلت أغنياته تعود إلى الإذاعة وإلى مجالس السودانيين، كأنها ترفض أن تصبح مجرد وثائق قديمة.

تلك هي قوة تجربته: كان إنتاجه محدوداً في الحجم، لكن كل مجال دخله ترك فيه أثراً يمكن تتبعه. في الصحافة كان جزءاً من زمن جمع الأدباء داخل غرف التحرير. وفي الإذاعة أسهم في صناعة التوثيق والذائقة. وفي الغناء كتب نصوصاً وجدت أصواتاً قادرة على منحها الخلود. وفي الدبلوماسية مثّل السودان بثقافة رجل يعرف أن البلاد أغنيات أيضاً، لا حدود وسياسات فقط.

ولعل المشهد الأكثر اختصاراً لحياته يظل ذلك المشهد اللندني: صلاح والطيب صالح وأحمد المصطفى داخل شقة واحدة، بعيداً عن السودان، يتحدثون عنه حتى يصبح الحديث شعراً، ويصبح الشعر لحناً، ثم تعود الأغنية عبر الأثير إلى البلد الذي خرجت منه.

رحل الرجال الثلاثة، وبقيت “نحن في السودان” تستعيد ذلك المساء كلما غناها صوت أو رددها مغترب.

كان يكفي صلاح أحمد محمد صالح أن يضع يده على اللحظة الصحيحة، وأن يجد لها الكلمات التي تمنعها من الرحيل، دون حاجة إلى أن يكتب كثيراً.

sudanstory.net
@SudanStoryNet

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *