رئيس «حزب الأمة» فضل الله برمة ناصر خلال كلمته أمام «اجتماع نيروبي» يوم 18 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

كان اجتماع الهيئة المركزية المقرر في 28 أغسطس يفترض أن ينقل الخلاف داخل حزب الأمة القومي من البيانات المتبادلة إلى مؤسسة حزبية قادرة على الحسم. لكن الاجتماع أُرجئ بعد اعتراضات متصاعدة من قواعد وقيادات حزبية، ليعود الحزب إلى السؤال نفسه: من يملك القرار، ومن يملك حق استدعاء مؤسساته؟

نيروبي : عباس محمد إبراهيم 

لم يكن تأجيل اجتماع الهيئة المركزية لحزب الأمة القومي مجرد تعديل في الجدول التنظيمي.

فالاجتماع كان يأتي في لحظة يتنازع فيها أكثر من مركز داخل الحزب على الشرعية والتمثيل السياسي، وكان يُنظر إليه بوصفه إحدى الأدوات الممكنة لإعادة ترتيب القيادة وحسم جانب من الخلاف المتراكم منذ اندلاع النزاع المسلح.

لكن الاجتماع لم ينعقد.

وبحسب إفادة أحد المشاركين في التيار الداعي للاجتماع لـ«سودان ستوري»، فإن اعتراضات القواعد وبيانات الرفض التي صدرت خلال الأيام السابقة دفعت إلى إرجاء الخطوة، لإتاحة مزيد من التواصل والتشاور مع قواعد الحزب.

وفي المقابل، يقدم الرئيس المكلف للحزب فضل الله برمة ناصر تفسيراً أكثر حدة لما حدث.

وفي مقابلة مع «سودان ستوري»، قال برمة إن الدعوة نفسها لم تكن تستند، من وجهة نظره، إلى أساس دستوري سليم، وإن الداعين إليها «لم يجدوا سنداً قانونياً» لعقد الهيئة قبل أن يعلنوا التأجيل.

«دعوتهم دعوة باطلة.. ما عندهم حق يدعوا للهيئة المركزية».

خلاف على من يملك الدعوة

يستند برمة في اعتراضه إلى تفسير للنظام الداخلي للحزب يقول إن انعقاد الهيئة المركزية في الظروف الطارئة يتم بالتشاور بين رئيس الحزب ورئيس الهيئة المركزية.

ويقول إن هذه القاعدة لم تُحترم في الدعوة الأخيرة، ولذلك فإن مجرد تحديد موعد للاجتماع لا يمنحه، في نظره، الشرعية التنظيمية.

فضل الله برمة ناصر رئيس حزب الأمة المكلف

لكن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد.

فخصوم برمة داخل الحزب يطعنون أصلاً في مدى سلطاته كرئيس مكلف، ويرون أن التكليف الذي صدر بعد رحيل الإمام الصادق المهدي ألزم مؤسسة الرئاسة بممارسة اختصاصات القيادة بصورة جماعية، ولم يمنحه صلاحيات مطلقة.

وهكذا يجد حزب الأمة نفسه أمام دائرة مغلقة:

برمة يطعن في شرعية دعوة الهيئة المركزية، بينما يطعن خصومه في حدود شرعيته هو نفسه في ممارسة صلاحيات رئيس الحزب.

اعتراضات من القواعد

قبل موعد 28 أغسطس، تصاعدت بيانات الرفض من عدة مستويات داخل الحزب.

اعترضت قيادات وقطاعات حزبية على طريقة الدعوة وعلى العضوية التي ستشارك في الاجتماع، كما ظهرت بيانات من قواعد وولايات تشكك في قانونية الخطوة وفي إمكانية تمثيل الحزب بصورة سليمة في ظل النزاع المسلح وتشتت العضوية داخل السودان وخارجه.

وبذلك انتقل الخلاف من دائرة القيادة العليا إلى قواعد الحزب نفسها.

وهذه النقطة كانت، بحسب مصدر مشارك في التحضير للاجتماع، أحد الأسباب المباشرة وراء قرار الإرجاء.

وبدلاً من أن يصبح اجتماع الهيئة أداة لحسم النزاع، أصبح هو نفسه موضع نزاع.

برمة: بعض خصومي فُصلوا من قبل

في مقابل الحديث عن شرعية الهيئة، أعاد برمة خلال المقابلة فتح ملف القيادات التي تعارضه داخل الحزب.

وقال إن عدداً من الشخصيات التي تتحرك في مواجهته اليوم سبق أن اتخذت بحقها إجراءات تنظيمية في وقت سابق، وذكر بينهم محمد عبد الله الدومة وصديق محمد إسماعيل وآخرين.

صديق محمد إسماعيل مؤسسة الرئاسة

وبذلك يرفض برمة التعامل مع بعض هذه القيادات باعتبارها طرفاً متساوياً معه في النزاع التنظيمي الحالي، ويقدمها باعتبارها شخصيات سبق أن حُسم وضعها، من وجهة نظره، داخل مؤسسات الحزب.

لكن هذا التفسير نفسه محل خلاف، إذ لا يعترف خصومه بشرعية الإجراءات التي اتخذها أو بصحة الأساس التنظيمي الذي استند إليه.

وهو ما يعكس المعضلة الأوسع: كل طرف داخل الحزب أصبح يستخدم المؤسسات واللوائح نفسها لإثبات شرعيته والطعن في شرعية الطرف الآخر.

مريم الصادق.. خارج معادلة الفصل

على خلاف أسماء أخرى، أكد برمة أن مريم الصادق المهدي لم يطلها إجراء فصل، وإن وصف موقفها الحالي بأنه غير واضح أو غير ثابت في اتجاه واحد.

وتكشف هذه النقطة أن الأزمة داخل حزب الأمة لا تنقسم ببساطة إلى معسكرين متقابلين.

مريم الصادق

ومع أن مريم الصادق ليست ضمن تيار برمة المنخرط في «تأسيس»، فإنها لم تُعامل تنظيمياً بالطريقة نفسها التي عومل بها بعض خصومه الآخرين.

كما أن مواقفها وتحركاتها السياسية خلال الفترة الماضية وضعتها في مساحة أكثر تعقيداً من مجرد الانتماء إلى أحد جناحي الصراع.

وهذا يجعلها واحدة من الشخصيات التي يمكن أن يكون لموقعها أثر مهم في أي محاولة مستقبلية لإعادة تجميع الحزب.

من «تقدم» إلى «تأسيس»

في حديثه لـ«سودان ستوري»، قدم برمة أيضاً روايته للمسار الذي انتهى به إلى الانضمام إلى «تأسيس».

وقال إن قيادة الحزب، منذ اندلاع النزاع المسلح، تبنت في البداية خيار التواصل مع الطرفين، الجيش والدعم السريع، على أمل المساهمة في وقف القتال.

عبد الرحيم دقلو نائب قائد «قوات الدعم السريع» وإلى يساره برمة ناصر خلال اجتماعات نيروبي في فبراير (أ.ب)

وأضاف أن الحزب عمل ضمن الكتلة المدنية الواسعة التي أصبحت لاحقاً «تقدم»، تحت قيادة عبد الله حمدوك، وأن الأولوية في تلك المرحلة كانت وقف النزاع المسلح.

لكن الخلاف، بحسب روايته، ظهر لاحقاً حول كيفية الوصول إلى السلام وطبيعة العمل السياسي المطلوب لإنهاء النزاع.

ويمثل هذا الخلاف، في رواية برمة، إحدى المحطات التي قادته تدريجياً إلى مسار مختلف انتهى بانضمامه إلى «تأسيس».

ويقدم برمة هذه الخطوة باعتبارها استمراراً لخيار سياسي يرى أنه يستهدف وقف النزاع المسلح، لا تخلياً عن الحزب.

خصومه داخل الأمة يرون الأمر بطريقة مختلفة تماماً، ويعتبرون انضمامه إلى «تأسيس» تجاوزاً لمؤسسات الحزب وقراراته، وأحد الأسباب الرئيسية التي فجرت أزمة الشرعية الحالية.

أكثر من مركز داخل الحزب

تكشف الأزمة الراهنة عن تعدد مراكز القرار داخل حزب الأمة.

هناك برمة ناصر وتياره، المتمسك بشرعية الرئاسة المكلفة والمتحالف سياسياً مع «تأسيس».

وفي المقابل، توجد قيادات في الأمانة العامة ومؤسسة الرئاسة وقطاعات حزبية تعارض مساره وتتمسك بإعادة القرار إلى مؤسسات الحزب.

رئيس الهيئة المركزية علي قيلوب

ويبرز علي قيلوب، رئيس الهيئة المركزية، بوصفه طرفاً مهماً في الجانب المؤسسي من النزاع، خصوصاً مع اعتراضه على طريقة الدعوة للاجتماع.

وفي مساحة مختلفة تتحرك شخصيات مثل مريم الصادق، التي لا تبدو مندمجة بالكامل في أي من المركزين.

هذا التعدد يجعل الصراع داخل الحزب أعمق من خلاف على منصب الرئيس.

إنه خلاف على تعريف المؤسسة نفسها: من يمثلها؟ من يملك استدعاءها؟ ومن يملك تنفيذ قراراتها؟

الهيئة التي لم تحسم شيئاً

كان اجتماع 28 أغسطس يفترض، في نظر الداعين إليه، أن ينقل المعركة من البيانات والتصريحات إلى مؤسسة حزبية ذات صلاحية في اتخاذ القرار.

لكن إرجاء الاجتماع كشف أن الهيئة المركزية نفسها لم تعد خارج النزاع.

فالأطراف تختلف على من دعاها، ومن يحق له المشاركة فيها، وعلى الرئيس الذي يفترض أن تتعامل معه، وحتى على الصفة التنظيمية لبعض الشخصيات التي تريد حضورها.

وبذلك كشف التأجيل حدود الأدوات المتاحة لحسم أزمة حزب الأمة، أكثر مما حسم الأزمة نفسها.

فإذا كان الحزب مختلفاً على الرئيس، وعلى مؤسسة الرئاسة، وعلى من يملك دعوة الهيئة المركزية، وعلى عضوية الهيئة نفسها، فإن السؤال الأعمق الذي يبقى مفتوحاً يتجاوز مسألة من يقود حزب الأمة، ليصل إلى جوهر المؤسسة نفسها: ما الجهة التي لا يزال جميع أطرافه يعترفون بحقها في إصدار القرار النهائي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *