ياسر عرمان يطرح حوارًا مباشرًا مع الجيش، لكنه يرى أن نجاحه مرهون بوقف الحرب، ومعالجة الكارثة الإنسانية، وإنهاء تعدد الجيوش، وفتح المسار أمام جميع القوى المناهضة للحرب.

بقلم: ياسر عرمان

أجد نفسي من المؤمنين بالحوار المباشر مع الجيش، على أسس ومبادئ واضحة تقود إلى مقاربة متكاملة وسلام مستدام، ولا تقبل بالحلول الهشة.

ونعني بالمقاربة المتكاملة تلك التي تربط بين معالجة الكارثة الإنسانية، ووقف الحرب، ومخاطبة جذورها، حتى تكون هذه الحرب آخر حروب السودان.

هذه المقاربة تحمّل الإسلاميين مسؤولية حروبهم منذ عام 1989، واختطافهم الدولة ومؤسساتها، وتستدعي محاسبتهم على جرائمهم، وعلى رأسها تعدد الجيوش والمليشيات وامتطاؤهم ظهر الجيش.

إن إنهاء اختطاف الدولة من قبل الإسلاميين شرط رئيسي للاستقرار والتنمية، وبناء الجيش والدولة المدنية.

حديث البرهان والعطا

صدرت تصريحات جديدة عن قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس هيئة الأركان، الفريق أول ياسر العطا، بشأن ابتعاد الجيش عن الإسلاميين وعدم مشاركة المؤتمر الوطني في الحوار.

هذا حديث يجد الترحيب، ويقرب المسافة بين الجيش وقوى الثورة والتغيير، ويمثل نقطة جديدة يمكن البناء عليها للوصول إلى مقاربة شاملة لقضيتي الحرب والسلام المستدام.

مقاربة الجيش جزئية وينقصها الشمول

للمرة الأولى، يتجه الجيش نحو طرح سياسي وحوار مع بعض الأطراف المقربة منه، التي تشاركه الحرب والطعام. لكنه اكتفى بوضع شروط أمام مخالفيه، خصوصًا القوى المناهضة للحرب، من دون أن يمد يده إلى خصومه.

لقد صمم الجيش حواره قبل أن يجتمع بالمختلفين معه، وحدد الزمان والمكان، كأنه يرمي إلى جذب مزيد من القوى نحو الحرب.

كما أن هذا الحوار مرتبط بالتقدم الذي حققه الجيش في الميدان أكثر من ارتباطه بوقف الحرب. وهو تقدم فعلي، لكنه هش؛ فقد كسب الجيش معارك مهمة، لكنه لم يكسب الحرب.

وللحرب نفسها أطراف إقليمية، قريبة وبعيدة، تتطلب مقاربة متكاملة، داخلية وخارجية، تعبر بالسودان نحو سلام مستدام، وتُخرج الجيش من الحروب، وتتجه إلى المهمة الأصعب: بناء جيش واحد يحتكر أدوات العنف في إطار مدني ديمقراطي.

المقاربة المتكاملة تستدعي الحوار مع الدعم السريع وإن طال القتال

لا يمكن أن تكون مقاربة الجيش متكاملة ما لم ترتبط بوقف الحرب وإنهائها، ومعالجة الكارثة الإنسانية، والحوار مع الدعم السريع وحلفائه، وصولًا إلى هدنة إنسانية.

ومن دون ذلك، ستظل المقاربة جزئية ومعلقة على مشاجب الحرب.

على الجيش أن يستفيد من رغبة الشعب وقوى الثورة في بناء جيش واحد، مهني وغير مسيس، وأن يطرح مقاربة متكاملة تستجيب لهذه الرغبة.

الجيش: «ضرة واحدة لا تكفي»

«ضرة واحدة لا تكفي» مسرحية من إبداعات تسعينيات القرن الماضي، كتبها عادل محمد خير وأخرجها عماد الدين إبراهيم، وتناقش قضايا اجتماعية بطابع كوميدي. شارك فيها نجوم كبار، من بينهم نادية بابكر، وسامية عبد الله، وناهد، ونبيل متوكل.

أما القوات المسلحة، فقد تجاوز عدد ضراتها الثلاثين، وهن ضرات مسلحات حتى الأنياب.

يعاني الجيش خللًا تاريخيًا وبنيويًا وهيكليًا، وعليه الاستفادة من الحوار الوطني للوصول إلى مقاربة شاملة تنهي تعدد الجيوش والمليشيات، وتسرّح «الضرات» بإحسان، حتى يعود شعبنا إلى أجندة بناء الجيش الواحد المهني، والتنمية، ودولة المواطنة المدنية بلا تمييز.

والمقاربة الشاملة ستضم، بالضرورة، الجيش وحلفاءه، والدعم السريع وحلفاءه، وتخاطب مخاوف الجيوش والقوى الأخرى، وتقود إلى سلام مستدام.

ولدينا في السودان تجارب مهمة، ناجحة وفاشلة، يمكن الاستفادة منها.

عودة الإسلاميين إلى الحياة المدنية واجتماعات تركيا

لأن الله يهدي من يشاء، فإن الإسلاميين، بعد أن فرغوا من اجتماعاتهم داخل السودان وفي تركيا، عادوا لرفع مصاحف العودة إلى الحياة المدنية على الأسنة، حتى قبل أن تنتهي الحرب.

يريدون نفض غبار فشلهم التاريخي، وبيع العفش القديم، عبر إحالة قدامى قادتهم وأسمائهم وواجهاتهم إلى المعاش، والعمل على بناء واجهات وتقديم جيل جديد.

تسهم هذه الحيلة الماكرة في تسوية خلافاتهم حول قيادة الحركة الإسلامية، ويصطادون بها أكثر من عصفور.

فبعد أن صنفتهم الولايات المتحدة حركة إرهابية، يريدون القول بصوت جهير إن الحركة الإرهابية قد توفاها الله. وهم يسعون من خلالها إلى توحيد صفهم المنقسم بين نافع وكرتي والمطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، ثم الإعلان عن تنظيمات وقيادة جديدة وعودة إلى الحياة المدنية؛ ويا دار ما دخلك شر.

ومن بين العصافير التي جرى اصطيادها «توبة البراؤون» وقدامى المحاربين؛ وكلهم ثعالب في ثياب الواعظين.

لماذا لا يجتمع الجيش مباشرة مع قوى إعلان المبادئ وصمود والجذريين؟

انطلاقًا من معاناة ملايين النازحين واللاجئين، واختصارًا للزمن والمراوغات السياسية، وشحذًا للطاقات من أجل مهام ما بعد الحرب، وتوجيهًا للموارد نحو البرامج الإسعافية العاجلة والخطط الاستراتيجية لبناء سودان جديد؛ لماذا لا يجتمع الجيش مباشرة مع القوى المناهضة للحرب في مكان محايد؟

يمكن أن يضم اللقاء قوى إعلان المبادئ، وصمود، والجذريين، وحركات الشباب والنساء والمقاومة، في إطار دعوة من الخماسية والرباعية.

ويُخصص اللقاء لمناقشة الوصول إلى مقاربة متكاملة توقف الحرب وتنهيها، وتعالج الكارثة الإنسانية، وتتضمن إجراءات لتهيئة المناخ، وتفتح الطريق أمام سلام مستدام.

10 أغسطس 2026


تنويه تحريري: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة «سودان ستوري».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *