لقطة مركبة من اجتماعات قوى «إعلان المبادئ» في نيروبي، مايو 2026، وتظهر جانباً من المشاورات التي سبقت الخلافات حول الوثائق وهيكلة العملية السياسية. الصورة: أرشيف سودان ستوري.

ما وراء الخبر

نيروبي — رئيس التحرير

القوى المدنية الرافضة للحرب تملك موقفاً أخلاقياً يصعب الاعتراض عليه، لكنها تفتقر إلى ما هو أقل نبلاً وأكثر أهمية في السياسة: مركز قرار، وقاعدة اجتماعية، وقدرة على إلزام أعضائها.

حين يلتئم شمل النخبة السياسية السودانية في نيروبي، بين 19 و21 يوليو الجاري، لن يكون الهدف الاحتفال بوحدتها، بل محاولة فهم كيف تبددت تلك الوحدة بسرعة قياسية بين عاصمتين إفريقيتين وبلدة سويسرية هادئة.

في مايو، غادرت القوى الموقعة على «إعلان المبادئ» نيروبي وهي تحمل ميثاقاً وخارطة طريق، وتتصرف كما لو أنها عثرت أخيراً على اللغة المشتركة التي استعصت على المدنيين منذ اندلاع الحرب. وبعد أيام قليلة، دخلت أديس أبابا بالعنوان نفسه، لكنها لم تخرج بالوثيقة نفسها. ثم انتقلت بعض مكوناتها إلى مشاورات «نيون» في سويسرا، حيث اتضح أن التقارب في الفنادق الأوروبية لا يلغي الخلاف حول من يحق له دخول الغرفة، ولا حول الغرض من وجود الغرفة أصلاً.

هذه ليست، في جوهرها، حكاية خلاف بين أحزاب صعبة المراس. إنها تعبير عن أزمة أعمق: القوى الرافضة للحرب متفقة تماماً على ما لا تريده، لكنها لا تزال عاجزة عن الاتفاق على الدولة التي تريدها، أو على الطريق الذي يمكن أن يقود إليها.

إنها، بعبارة أخرى، ائتلاف نفي أكثر منها ائتلاف حكم.

إجماع ممتاز ما دامت التفاصيل مؤجلة

على الورق، يبدو إعلان المبادئ إنجازاً لا يستهان به. فقد تبنت القوى المجتمعة في نيروبي خلال مايو ميثاقاً وخارطة طريق يدعوان إلى إنهاء الحرب، وإقامة حكم مدني، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وتأسيس دولة ديمقراطية اتحادية تقوم على المواطنة المتساوية والفصل بين الدين والدولة. وهي صياغات أكثر تقدماً من كثير من التسويات التي أدارت بها النخبة السودانية أزماتها السابقة.

لكن السودانيين لا يعانون نقصاً في المواثيق. الواقع أن لديهم فائضاً منها، يقابله عجز مزمن في تحويل النصوص إلى مؤسسات. ومن مفارقات السياسة السودانية أن الاتفاق على إعادة تأسيس الدولة يبدو أحياناً أسهل من الاتفاق على فقرة واحدة في وثيقة تمهيدية.

ظهرت المشكلة سريعاً عندما سجل حزب الأمة القومي اعتراضه على النص المتعلق بالفصل بين الدين والدولة. لم يرفض الحزب الميثاق كله، لكنه رأى أن قضية بهذه الحساسية ينبغي أن تؤجل إلى مؤتمر دستوري جامع بعد الحرب، بدلاً من حسمها مسبقاً داخل تحالف سياسي محدود.

الأمين العام لحزب الأمة القومي، الواثق البرير، يتوسط القياديين شهاب إبراهيم وصالح عمار، خلال اجتماعات قوى «إعلان المبادئ» في نيروبي، مايو 2026. الصورة: أرشيف سودان ستوري.

الحجة معقولة من الناحية الإجرائية. فالمواثيق المؤقتة ليست جمعيات تأسيسية، ولا ينبغي لتحالف من الأحزاب أن يحتكر الإجابة عن الأسئلة الكبرى نيابة عن البلاد كلها.

لكنها أيضاً حجة سودانية مألوفة على نحو يدعو إلى القلق. فقد أمضت النخب عقوداً في ترحيل مسائل الهوية والدين ونظام الحكم إلى مؤتمر دستوري سيأتي لاحقاً، ثم اكتشفت في كل مرة أن «اللاحق» هو أكثر المواعيد مرونة في التاريخ السياسي للبلاد.

وهكذا يظهر التناقض الأول. لكي يكون إعلان المبادئ ذا معنى، يجب أن يتضمن موقفاً من طبيعة الدولة. لكن كلما اقترب من تعريف تلك الدولة، بدأ يفقد بعض الموقعين عليه.

من الوثيقة إلى الشظايا

كانت أديس أبابا المكان الذي انتقلت فيه الخلافات من الهوامش إلى المتن.

ذهبت القوى المدنية إلى مشاورات الآلية الخماسية في مطلع يونيو، على أمل وضع أسس عملية سياسية يقودها المدنيون. وكانت البيئة الدولية مواتية في ظاهرها؛ إذ أعلنت دول ومنظمات مؤثرة دعمها لمسار مدني شامل، يقود إلى حكومة مدنية مستقلة، ويجمع الأحزاب والمجتمع المدني والنساء والشباب والتنوع الجغرافي والاجتماعي في السودان. بل إن البيان الدولي اقترح زمناً مثالياً لا يتجاوز ستة أشهر لإنجاز الحوار، في بلد اعتادت عملياته الانتقالية أن تقضي وقتاً أطول في مناقشة أسماء اللجان.

غير أن الاجتماع لم يحسم حتى تعريف الشمول.

رفضت أطراف الجلوس مع قوى عدتها امتداداً للنظام السابق، بينما أصرت أطراف أخرى على استبعاد تحالفات مرتبطة بقوات الدعم السريع. وتحول النقاش سريعاً من سؤال: «كيف تنتهي الحرب؟» إلى سؤال أكثر اعتياداً: «من يملك الحق في مناقشة إنهائها؟»

وفق معلومات «سودان ستوري»، لم يوقع عبد الواحد محمد نور وحركة تحرير السودان على الوثيقة ذاتها التي تبنتها قوى من «صمود» والكتلة الديمقراطية، وظهرت وثيقة أخرى تعبر عن موقف مختلف. وتؤكد الإفادات العلنية عن اجتماعات أديس غياب توقيع رسمي جامع، ووجود عدة مقترحات منفصلة بشأن اللجنة التحضيرية والمشاركين وشروط الإدراج والاستبعاد.

وبذلك حدث ما تجيده السياسة السودانية جيداً: القوى التي غادرت نيروبي بورقة واحدة، عادت من أديس بسيل من الأوراق، وكل ورقة تحمل تعريفاً مختلفاً للوحدة.

ليست المشكلة في تعدد الوثائق بذاته. التحالفات الديمقراطية لا تفترض التطابق، والخلاف السياسي ليس مرضاً يتعين علاجه. المشكلة هي غياب قواعد معترف بها لإدارة هذا الخلاف.

لا أحد يعرف على وجه الدقة متى يصبح موقف أحد الأحزاب تحفظاً مشروعاً، ومتى يتحول إلى نقض لموقف المجموعة. ولا توجد سلطة سياسية تستطيع أن تقول إن قراراً ما يلزم الجميع، لأن الجميع انضموا إلى إطار تنسيقي تحديداً كي لا تملك جهة واحدة سلطة إلزامهم.

وهنا تكمن المفارقة: مرونة الإعلان هي ما أتاح له التوسع، وهي أيضاً ما يمنعه من التحول إلى قوة.

مركز سياسي بلا مركز قرار

يقول وجدي صالح، القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، في إفادته لـ«سودان ستوري»، إن القوى المنضوية تحت الإعلان لا تشكل جبهة سياسية واحدة، لكنها تسعى إلى التحرك «ككتلة واحدة». ويشرح أن اجتماع نيروبي المرتقب سيخصص لمراجعة ما جرى، ومعالجة السلبيات، وإحكام التنسيق قبل الاجتماع السياسي المرتقب في أديس أبابا وما بعده.

وجدي صالح، القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، خلال اجتماعات قوى «إعلان المبادئ» في نيروبي، مايو 2026. الصورة: أرشيف سودان ستوري.

في هذه العبارة قدر كبير من الصراحة، وربما قدر مماثل من الاستحالة التنظيمية.

فالتحرك ككتلة يتطلب عادة شيئاً من خصائص الكتلة: قيادة، وقواعد قرار، وحداً أدنى ملزماً، وقدرة على منع أعضائها من توقيع أوراق متعارضة باسم المصلحة الوطنية ذاتها.

أما الاحتفاظ باستقلال كامل لكل حزب، مع توقع أن يتصرف الجميع كجسم واحد عند الأزمات، فهو أقرب إلى مطالبة أوركسترا بالعزف المتناغم مع تمسك كل عازف بحقه في اختيار المقطوعة والإيقاع وقائد الفرقة.

ليس المطلوب إنشاء حزب كبير أو جبهة صلبة تبتلع مكوناتها. مثل هذا المشروع لن يكون واقعياً، وربما لا يكون مرغوباً. لكن لا يمكن الدخول إلى عملية تفاوضية بإطار لا يعرف من يتحدث باسمه، ولا ما إذا كان توقيع ممثله يلزم بقية الأعضاء.

تستطيع المنصات التنسيقية إصدار بيانات. أما المفاوضات، فتحتاج إلى تفويض.

سؤال عرمان الصحيح والمزعج

داخل «صمود» نفسها، ظهر اعتراض أكثر عمقاً من النزاع حول الموقعين. فقد تحفظ ياسر عرمان وتياره على هيكلة العملية السياسية، وعلى إطلاق مسار مدني لا يرتبط منذ البداية بالملفين الإنساني والعسكري، ولا يتضمن التزاماً واضحاً من طرفي القتال بنتائجه.

ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان–التيار الثوري الديمقراطي، خلال اجتماعات قوى «إعلان المبادئ» في نيروبي، مايو 2026. الصورة: أرشيف سودان ستوري.

جوهر الاعتراض أن المدنيين قد يقضون أشهراً في تصميم لجنة تحضيرية مثالية، بينما يواصل حاملو السلاح تقرير الوقائع الحقيقية: من يأكل، ومن ينزح، وأي مدينة تحاصر، وأي طريق يفتح أو يغلق. وقد وصفت الحركة الشعبية–التيار الثوري الديمقراطي أوجه القصور في منهجية العملية، وحذرت من مسار لا تكون الأطراف المسلحة ملزمة بمخرجاته.

إنه سؤال صحيح، ولهذا فهو مزعج.

فإذا كانت العملية السياسية منفصلة عن المسار العسكري، فإن المدنيين يتحاورون في الفراغ، ويقدمون للمجتمع الدولي صورة جذابة عن سودانيين يتناقشون بعقلانية، بينما يستمر السودان الفعلي في الاشتعال.

أما إذا رُبط المسار السياسي منذ بدايته بمفاوضات الجيش وقوات الدعم السريع، فإن المدنيين يصبحون ملحقاً سياسياً باتفاق يملكه المسلحون، ويقتصر دورهم على توفير اللغة الديمقراطية والصورة الجماعية.

المعادلة قاسية: من يحمل البندقية يملك القدرة على تعطيل السلام، ومن لا يحملها يُطلب منه أن يمنح السلام شرعيته.

لهذا يبدو المدنيون، في كثير من هذه المسارات، وسطاء بلا بنادق. إنهم لا يملكون القدرة على وقف الحرب، ولا يريدون منح الشرعية لمن بدأوها، لكنهم مطالبون بإنتاج نظام سياسي يفترض أن الطرفين اللذين دمرا الدولة سيقبلان به طوعاً.

بلدة سويسرية لا تحل مشكلة سودانية

جاءت الجولة السادسة من مشاورات «نيون»، التي عقدت في سويسرا أواخر يونيو، باعتبارها محاولة لتقريب المسارات المختلفة، وربط النقاش السياسي بقضايا وقف الحرب وحماية المدنيين والترتيبات الانتقالية، إلى جانب مواءمة مسار نيون مع جهود الآلية الخماسية. شاركت فيها قوى من «صمود» والكتلة الديمقراطية والحراك الوطني وأحزاب أخرى، فيما قاطعها عبد الواحد محمد نور بسبب اعتراضه على طبيعة بعض المشاركين.

حققت نيون شيئاً مهماً، ولو متواضعاً: جعلت الجلوس بين الخصوم ممكناً. وهذه ليست مسألة صغيرة في سياسة يسبق فيها فحص قائمة المدعوين مناقشة جدول الأعمال.

لكن الجلوس ليس اتفاقاً. والمصافحة ليست مؤسسة.

كشفت الإفادات التي سبقت تلك الاجتماعات وأعقبتها استمرار الخلاف بشأن إدخال القوى المرتبطة بتحالف «تأسيس»، وشروط فك ارتباطها بقوات الدعم السريع، وموقف العملية من المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وحدود الشمول الذي يمكن قبوله من دون تحويل الحوار إلى معرض لكل من ساهم في تدمير الدولة. وقد ربط مبارك أردول مشاركة «تأسيس» بابتعاده عن قوات الدعم السريع، وهو موقف يعكس اتجاهاً يرى أن الحياد المدني لا يمكن أن يشمل القوى التي تعمل كأذرع سياسية لمعسكر مسلح.

في المقابل، يخشى آخرون أن يؤدي الإفراط في الاستبعاد إلى عملية سياسية مصممة لإرضاء المشاركين فيها، لا لإنهاء النزاع الموجود خارجها.

وهذا هو مأزق الشمول في السودان: كل عملية واسعة بما يكفي لتكون مؤثرة تضم أطرافاً لا يثق بعضها في بعض، وكل عملية منسجمة بما يكفي لاتخاذ قرارات تستبعد أطرافاً تستطيع إفشالها.

ولا توجد بلدة سويسرية، مهما بلغت درجة هدوئها، قادرة على حل هذه المعادلة نيابة عن السودانيين.

طهارة أخلاقية قليلة العائد

تستمد قوى إعلان المبادئ جانباً مهماً من مشروعيتها من رفضها الاصطفاف خلف الجيش أو قوات الدعم السريع. وهي تحاول أن تقول إن السودان لا ينبغي أن يختار بين سلطتين مسلحتين، وإن المدنيين ليسوا مطالبين بتحديد أي جنرال يستحق أن يحكمهم.

هذا موقف ضروري، لكنه ليس برنامج حكم.

إن «المسافة الواحدة» مفهوم هندسي أكثر منه سياسياً. فالجرائم لا تقع دائماً على مسافات متساوية، والمسؤوليات ليست متطابقة بالضرورة، والسياسة لا تستطيع أن تكتفي بقياس البعد عن المعسكرين.

قد تضمن المسافة من الطرفين قدراً من الطهارة الأخلاقية، لكنها لا تنتج تلقائياً تصوراً للأمن أو العدالة أو الاقتصاد أو إدارة المناطق التي تمزقت مؤسساتها. ولا تجيب عن السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف تنتقل البلاد من واقع الجيوش المتعددة إلى دولة تحتكر استخدام القوة، من دون أن يصبح إصلاح الجيش مجرد اسم مهذب لمنتصر عسكري يعيد تشكيل خصومه؟

كذلك لا توضح عبارة «لا للحرب» طبيعة العلاقة مع السلطة القائمة في بورتسودان، ولا مع المؤسسات التي أقامها تحالف «تأسيس» في مناطق سيطرة الدعم السريع، ولا مع الإدارات المحلية والمجتمعات التي تعلمت، على مدى أكثر من ثلاثة أعوام، أن تدبر حياتها في غياب الدولة.

الموقف الأخلاقي يخبر الناس بما لن تفعله هذه القوى. أما المواطن الذي فقد منزله أو عمله أو مدرسته، فيحتاج إلى معرفة ما الذي ستفعله.

أحزاب كثيرة ومجتمع قليل

المشكلة الأخطر ليست تعدد المواقف، بل ضيق القاعدة التي تتخذ منها هذه المواقف.

ينعقد اجتماع نيروبي على مستوى رؤساء الأحزاب والمجموعات السياسية وآلية المتابعة. وقد يكون ذلك ضرورياً، لأن الخلافات تجاوزت قدرة اللجان الفنية وتحتاج إلى قرارات من القيادات العليا.

لكن ترقية الاجتماع إلى مستوى الرؤساء لا تحل أزمة التمثيل. وقد تزيدها وضوحاً.

فالقوى الرافضة للحرب ليست مرادفاً للأحزاب الموقعة على إعلان المبادئ. هناك نقابات، ولجان مقاومة، ومبادرات إنسانية، ومجموعات نسوية وشبابية، وإدارات مجتمعية، وشبكات مهنية نشأت داخل الحرب أو أعادت تشكيل نفسها بسببها. وقد دعا البيان الدولي نفسه إلى عملية تضم المجتمع المدني والنساء والشباب وتعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي، لا إلى مؤتمر موسع لقيادات الأحزاب وحدها.

تحمل الأحزاب خبرة سياسية لا ينبغي الاستخفاف بها، لكنها تحمل أيضاً إرثاً ثقيلاً من الانقسامات والانشقاقات والتنازع حول الشرعية التنظيمية. وبعض الأسماء الحزبية في السودان تحتاج إلى حاشية تفسيرية أطول من برامجها السياسية.

إذا لم ينفتح إعلان المبادئ على القوى الاجتماعية الموجودة داخل السودان، فسيتحول تدريجياً إلى تحالف لسياسيين يمثلون بعضهم بعضاً في العواصم الخارجية. وعندها لن تكون مشكلته أنه بلا بنادق فقط، بل أنه بلا جمهور منظم يستطيع أن يعوض غياب البنادق بشرعية اجتماعية.

ففي السياسة، لا توجد قوة بلا مصدر للقوة. المسلح يملك السلاح. والدولة تملك المؤسسة. والحزب يملك الناخبين والتنظيم. أما المنصة المدنية التي لا تملك سوى سلامة موقفها، فقد تحظى بالاحترام، لكنها لن تفرض على أحد شيئاً.

الدولة ليست بياناً ختامياً

يستطيع اجتماع نيروبي إصدار وثيقة جيدة أخرى. وربما ستكون أكثر دقة من سابقتها، وأشد حرصاً على العبارات التي أثارت الخلاف، وأقدر على منح كل طرف تفسيراً يناسبه.

لكن هذا سيكون الإنجاز الأسهل، والأقل فائدة.

ما تحتاج إليه هذه القوى ليس وثيقة جديدة، بل دستوراً داخلياً للخلاف: من يملك اتخاذ القرار؟ ما الحد الأدنى الذي يلتزم به الجميع؟ ما القضايا التي يمكن تأجيلها، وما القضايا التي يؤدي تأجيلها إلى إفراغ المشروع من مضمونه؟ وكيف تتصرف المجموعة عندما يوقع أحد أعضائها وثيقة لا يوافق عليها الآخرون؟

كما تحتاج إلى حسم بنية التفاوض. هل تريد مساراً سياسياً مستقلاً يحدد الرؤية المدنية قبل مخاطبة الطرفين المسلحين؟ أم عملية متكاملة تضع الملفات الإنسانية والعسكرية والسياسية في حزمة واحدة؟ لكل خيار مخاطره، لكن إبقاء الخيارين معاً تحت صياغة غامضة ليس حلاً؛ إنه مجرد تأجيل للخلاف إلى القاعة التالية.

ثم هناك البرنامج. لا يكفي الحديث عن الدولة المدنية والجيش الواحد والعدالة، وهي عبارات لا يكاد يعارضها أحد في صورتها المجردة. يجب تحديد الترتيب: ماذا يحدث أولاً، ومن ينفذه، وما الذي يضمن ألا تتحول الفترة الانتقالية المقبلة إلى هدنة بين انقلابين؟

وأخيراً، تحتاج هذه القوى إلى ما هو أصعب من التنسيق بين الرؤساء: بناء علاقة سياسية مع السودانيين الذين يعيشون الحرب، لا مجرد الحديث باسمهم.

قوة لا تريد أن تصبح سلطة

المفارقة النهائية أن القوى الرافضة للحرب تخشى، لأسباب مفهومة، أن تتحول إلى تحالف جديد يتنافس على السلطة. ولذلك تصر على أنها إطار تنسيقي وليست جبهة، وأن هدفها إنهاء الحرب لا اقتسام الحكم.

لكن بناء الدولة نشاط سلطوي بطبيعته. فهو يتطلب اتخاذ قرارات ملزمة، وتحديد الأولويات، وتوزيع الموارد، وتنظيم القوة، واختيار من يتولى المؤسسات. ومن يرفض التفكير في السلطة يتركها، في العادة، لمن لا يجد حرجاً في استخدامها.

المشكلة إذن ليست أن «لا للحرب» عاجزة عن توحيد كل السودانيين. لم ينجح أحد في ذلك، ولا توجد ضرورة لأن تنجح هي.

المشكلة أنها لم تحسم بعد إن كانت تريد أن تكون ضميراً للسياسة السودانية أم بديلاً سياسياً. الضمير يستطيع أن يدين الطرفين. أما البديل فعليه أن يقرر، ويختلف، ويخسر بعض الحلفاء، ويكسب جمهوراً، ويتحمل مسؤولية خياراته.

حين يجتمع الرؤساء في نيروبي، لن يكون مطلوباً منهم أن يتفقوا على كل شيء. ذلك هدف غير واقعي، وربما غير ديمقراطي.

المطلوب هو شيء أكثر تواضعاً وأشد صعوبة: أن يتعلموا كيف يختلفون من دون أن يتحول كل اختلاف إلى وثيقة جديدة، وكل وثيقة إلى تحالف جديد، وكل تحالف إلى مقعد إضافي في اجتماع دولي آخر.

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الوسطاء الذين يجيدون وصف الحرب. يحتاج إلى قوة مدنية تستطيع، في غياب البنادق، أن تنتج نوعاً آخر من القوة.

وإلا ستبقى «لا للحرب» أفضل شعار أخلاقي في البلاد، وأضعف مشروع لبناء دولتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *