رأي

إبراهيم البدوي عبد الساتر

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن كاتبها، ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة سودان ستوري.

أعادت الاجتماعات الأخيرة للقوى المدنية والسياسية المناهضة للنزاع المسلح طرح السؤال الذي ظل يلاحق المجال السياسي السوداني منذ اندلاعه: هل يكفي الاتفاق على رفضه، أم أن المطلوب هو بناء مركز مدني قادر على إنتاج القرار وطرح بديل متكامل لما بعده؟

لقد مثل التوافق الأخير بين قوى متعددة على موقف مشترك خطوة مهمة تتجاوز مجرد إعلان الرفض، إلى طرح تصور لوقفه وبناء السلام وتحقيق الانتقال الديمقراطي. لكن هذا التوافق، على أهميته، لا يزال في حدود الإعلان السياسي والتنسيق بين قوى مختلفة، ولم يتحول بعد إلى مؤسسة وطنية دائمة تمتلك مركزاً موحداً لاتخاذ القرار وجهازاً تنفيذياً قادراً على تحويل المبادئ إلى برنامج سياسي ودبلوماسي مستمر.

وهنا تكمن، في تقديري، إحدى العقد الأساسية في الأزمة السودانية.

فالنخب العسكرية والمليشياوية تستمد نفوذها من السيطرة على السلاح والأرض والموارد، وتمكنت خلال سنوات النزاع من بناء شبكات اقتصادية وتحالفات إقليمية واسعة. ومع استمراره وتبلور حالة من توازن الضعف العسكري، يصبح هناك خطر حقيقي في أن يتحول النزاع نفسه إلى «وضع طبيعي جديد».

في المقابل، تمتلك القوى المدنية وزناً اجتماعياً وشرعية مستمدة من ثورة ديسمبر وتجارب المقاومة المدنية، لكنها تظل بحاجة إلى مؤسسة جامعة لاتخاذ القرار، وإلى جهاز تنفيذي يستطيع أن يبرهن، عملياً، على قدرتها على إدارة الدولة.

لهذا يصبح ضرورياً الانتقال من التنسيق الظرفي وإصدار البيانات المشتركة إلى التفكير في إنشاء مجلس وطني مدني للسلام والانتقال الديمقراطي.

ينشأ هذا المجلس عن مؤتمر تمثيلي حقيقي تشارك فيه القوى المدنية الديمقراطية، ولجان المقاومة، والنقابات والمهنيون، والنساء والشباب، وممثلو الأقاليم والمجتمعات المتضررة، والنازحون واللاجئون، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة والسودانيين في الخارج.

ويكون الهدف بناء مؤسسة وطنية أوسع تجعل من المبادرات والوثائق المدنية المختلفة أساساً لميثاق وطني وبرنامج عمل، أكثر من كونه تحالفاً سياسياً جديداً يضاف إلى التحالفات الموجودة.

لماذا يحتاج السودان إلى هذا المجلس؟

المهمة الأولى هي كسر احتكار طرفي النزاع المسلح لتمثيل السودان أمام المجتمعين الإقليمي والدولي.

فالصراع الحالي لا ينبغي أن يجعل القوى المسلحة وحدها صاحبة القدرة على تعريف مستقبل البلاد أو التفاوض حوله، بينما تبقى القوى المدنية في موقع إصدار البيانات أو التعليق على المبادرات التي يصوغها الآخرون.

المجلس المقترح يمكن أن يوفر إطاراً مؤسسياً يسمح للقوى الديمقراطية بمخاطبة طرفي النزاع والمجتمع الدولي باسم مشروع مدني واضح.

ويمكن أن يعمل على مجموعة من المهام الأساسية، من بينها توحيد القوى الديمقراطية حول ميثاق وبرنامج، وإعداد رؤية متكاملة لوقف النزاع المسلح والانتقال المدني وإصلاح القطاع الأمني، ووضع خطط للإغاثة وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والعدالة الانتقالية وإصلاح نظام الحكم الفيدرالي.

كما ينبغي أن يضطلع بمهمة إعداد كوادر مؤهلة لتحمل مسؤوليات الدولة بعد التسوية، وتنظيم الدبلوماسية المدنية والاستفادة من قدرات السودانيين في الخارج، وتقديم نموذج مختلف في الشفافية والمساءلة والقيادة الجماعية.

هل يعني ذلك إنشاء حكومة في المنفى؟

التجارب التاريخية تدعو إلى قدر كبير من الحذر.

فليس هناك نموذج واحد يمكن نقله إلى السودان. الحكومات الأوروبية التي عملت من لندن أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك حكومة الكويت إبان الاحتلال العراقي، كانت تستند إلى شرعية دستورية قائمة واعتراف دولي واسع، ولذلك لا يمكن مقارنتها مباشرة بالحالة السودانية.

حتى تجربة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، على نجاحها الدبلوماسي، نشأت داخل سياق مختلف جذرياً: حركة تحرر وطني موحدة نسبياً، وجيش وقواعد داخلية، ودعم دولي متنامٍ في مواجهة استعمار أجنبي.

في المقابل، تقدم تجارب الجمهورية الصحراوية والحكومة التبتية وبعض كيانات المعارضة في سوريا وليبيا واليمن تحذيراً مهماً: البقاء في الخارج أو الحصول على اعتراف جزئي لا يغير موازين القوى بالضرورة، وقد تتحول كيانات المعارضة، إذا افتقدت الوحدة والاستقلال، إلى واجهات مرتبطة بالقوى الإقليمية أكثر من ارتباطها بمجتمعاتها.

وهناك تجارب أخرى ربما تكون أكثر فائدة للسودان، مثل المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، و«سوابو» في ناميبيا، والمقاومة في تيمور الشرقية.

هذه الحركات بنت مؤسسات وطنية تمثيلية تصل الداخل بالخارج، وعملت على حشد الاعتراف الدولي وإعداد الكوادر ومراكمة الشرعية، من دون التعجل في إعلان حكومات مكتملة الأركان.

البديل المتدرج

لهذا أرى أن الأنسب هو البدء بمجلس وطني مدني تمثيلي، ثم انتخاب أمانة تنفيذية منه يمكن وصفها بـ«حكومة ظل وطنية».

وتتولى هذه الأمانة تحويل البرنامج السياسي إلى سياسات وخطط في مجالات السلام والشؤون الإنسانية والعلاقات الخارجية وإعادة الإعمار والعدالة والإصلاح الدستوري والخدمات الأساسية والإعلام.

وتبني هذه المؤسسة، في مرحلتها الأولى، وزنها من خلال جودة برنامجها وانتظام عملها وشفافية تمويلها وصلتها بالداخل، بعيداً عن ادعاء السيادة أو السيطرة الإقليمية.

ويمكن أن تسعى لاحقاً إلى اعتراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول المؤثرة بها بصفتها المحاور المدني الديمقراطي الأكثر تمثيلاً، وشريكاً لا يمكن تجاوزه في أي عملية جدية للسلام والانتقال الديمقراطي، دون أن يعني ذلك اعتباراً لها بصفة «حكومة السودان».

الشرعية قبل الحكومة

ينبغي ألا يتحول النقاش حول البديل المدني إلى سباق لإعلان حكومة ثالثة تضاف إلى واقع الانقسام السوداني.

الشكل الحكومي يجب أن يكون تتويجاً لشرعية وطنية تم بناؤها، لا بديلاً عنها.

المطلوب أولاً هو توحيد القوى المدنية حول قضية وبرنامج، وبناء مؤسسة تمثيلية تربط الداخل بالخارج، وإثبات القدرة على إدارة ملفات الدولة ووضع سياسات قابلة للتطبيق.

إذا تحقق ذلك، وإذا استمر توازن الضعف بين طرفي النزاع، وبلغت المؤسسة المدنية درجة عالية من التماسك والقبول الوطني والدولي، يمكن عندها مناقشة الانتقال إلى صيغة تنفيذية أوسع.

أما البداية، فهي أن يمتلك المدنيون مؤسسة قادرة على اتخاذ القرار. فالسؤال الذي سيحدد مستقبل السودان يتجاوز كيفية إيقاف النزاع المسلح، ليشمل أيضاً: من يملك الدولة، ومن يقرر شكل السودان الذي سيأتي بعده؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *