شباب سودانيون في مشاورات نيروبي: نريد مقعداً في صنع السلام لا نافذة تطل عليه
نيروبي | سودان ستوري
في الأيام الأخيرة من يونيو 2026، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، كان خمسة شباب سودانيين، قادمون من خلفيات وأجسام مختلفة، يجلسون في نيروبي ويتحدثون عن المستقبل.
لم يكونوا مفاوضين رسميين. ولم يمثلوا أطراف الحرب. ولم يأتوا بتفويض من عواصم القرار. كانوا شباباً يحملون سؤال بلدهم بأيديهم، ويحاولون أن يجدوا له مكاناً على طاولة لم تُعدّ لهم بعد.
في مشاورات نيروبي الشبابية، الممتدة بين السادس والعشرين والثلاثين من يونيو 2026، لم يكن الصوت واحداً تماماً، حتى وإن تشابه الشعار. كان هناك اتفاق واسع على وقف الحرب، وعلى التحول المدني الديمقراطي، وعلى ضرورة تمثيل الشباب في أي عملية سياسية قادمة. لكن خلف هذا الاتفاق العام، ظهرت رؤى مختلفة لطبيعة السلام، وحدود المصالحة، ومعنى التمثيل، ومن يحق له الجلوس إلى الطاولة.
هذه خمسة أصوات من داخل المشاورات.
المبادرة السودانية لوقف الحرب وبناء السلام
لا يتحدث عمر زهران بلغة الضحية، ولا بلغة الثائر الغاضب. يتحدث بلغة شخص يعرف ما يريد، ويدرك في الوقت نفسه أن الطريق إلى ما يريد طويل ومعقد.
جاء عمر إلى نيروبي بقناعة واضحة: الشباب السوداني لا يريد أن يبقى حركة ضغط تنتظر خارج الباب، بل يريد مقعداً داخل الغرفة التي تُصنع فيها القرارات. بالنسبة إليه، لا يكفي أن يُستمع إلى الشباب في بيانات أو جلسات جانبية؛ المطلوب أن يكونوا جزءاً من بنية القرار نفسها.
في رؤيته، المصالحة الوطنية الشاملة ليست مستحيلة. لكنها لا يمكن أن تكون مجانية أو شكلية. يضع عمر لها شروطاً واضحة: نقد حقيقي وصادق من الأطراف التي ارتكبت أخطاء في حق السودانيين، واعتذار علني عن الجرائم والانتهاكات، وفك ارتباط كامل ونهائي بمراكز السلاح والسيطرة الأمنية.
لا يرى عمر هذه الشروط تعجيزية. يراها الحد الأدنى الذي يجعل المصالحة ذات معنى. فسلام لا يعترف بما حدث، ولا يضع مسافة واضحة بين السياسة والسلاح، قد يتحول إلى تسوية مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من إنهائها.

مشاورات نيروبي الشبابية
يحمل جهاد الطيب رقماً في ذهنه: أربعة وثمانون. يرد الرقم في حديثه بوصفه دليلاً على أن بناء كتلة شبابية موحدة لم يعد مجرد أمنية سياسية، بل مشروع قيد التشكّل.
لكن جهاد لا يقرأ المشهد ببراءة زائدة. فهو يعترف بأن حرب أبريل 2023 وسّعت المظلة الشبابية إلى درجة جعلت كل مجموعة تحمل أجندتها الخاصة واتجاهها الخاص. بعد أن كان كثير من الشباب، في لحظة ديسمبر، يتحركون تحت مظلة واحدة وشعار واحد، جاءت الحرب لتعيد توزيعهم بين المنافي، ومناطق النزوح، والمبادرات المدنية، والأجسام السياسية، وحتى المسارات المتباينة داخل الصراع نفسه.
يرى جهاد أن مهمة شباب صمود اليوم ليست استعادة لحظة ديسمبر كما كانت؛ فاللحظات التاريخية لا تُستعاد حرفياً. لكن القيم التي صنعت تلك اللحظة — الحرية، والعدالة، والمشاركة، ورفض الاستبداد — يمكن أن تُبنى عليها كتلة شبابية جديدة، أكثر وعياً بتعقيدات الحرب وأكثر إدراكاً لحدود الشعار الواحد.

ودعم حوار سوداني سوداني
ينظر حسب النبي محمد علي إلى مشاورات نيروبي من زاوية عملية. ما يهمه ليس فقط ما سيخرج في البيان النهائي، بل حقيقة أن حواراً شبابياً جاداً أمكن أن ينعقد أصلاً، بين أجسام مختلفة، في لحظة سودانية شديدة الانقسام.
يصف مسار النقاشات بأنه سار بصورة جيدة، ويتوقع أن تخرج المشاورات بنتيجة ترضي الأطراف المشاركة. تفاؤله لا يبدو معزولاً عن الواقع، بقدر ما يستند إلى قناعة بأن نقاط الاتفاق بين هؤلاء الشباب أوسع من نقاط الخلاف، وأن ما يجمعهم — وقف الحرب، ورفض عودة الاستبداد، والمطالبة بتمثيل حقيقي — يمكن أن يكون أساساً لبناء موقف مشترك.
لكن هذا التفاؤل لا يلغي الأسئلة الصعبة. فالاتفاق على الحد الأدنى شيء، وتحويله إلى قوة سياسية قادرة على التأثير شيء آخر. وبين الاثنين، تقف تحديات التنظيم، والتمثيل، والقدرة على مخاطبة الشباب السودانيين في الداخل والخارج، لا الاكتفاء بمن حضروا إلى نيروبي.

ودعم حوار سوداني سوداني
تتحدث سلمى إبراهيم محمد بوضوح لا يحتمل كثيراً من التأويل. تقول إن الحملة الشبابية التي تمثلها تأسست في نهايات عام 2023، بعد أشهر قليلة من اندلاع الحرب، ثم امتدت من مكاتب في كمبالا وجوبا ونيروبي إلى شبكة أفراد منتشرين في دارفور والشمال والشرق والخرطوم، حيث لا يسمح الوضع الأمني بوجود مكاتب علنية.
بالنسبة إلى سلمى، لا يمكن الحديث عن تمثيل شبابي حقيقي إذا كان هذا التمثيل محصوراً في أسماء محددة أو دوائر ضيقة. يجب أن يكون شاملاً، عادلاً، ومراعياً للتنوع الجغرافي والاجتماعي والنوعي. كما تشدد على أن الكفاءة يجب أن تكون أساس الاختيار، لا الولاء، ولا المحاصصة، ولا القرب من مراكز النفوذ.
وحين تُسأل، في اليوم الثالث من المشاورات، عمّا تم الاتفاق عليه، لا تلجأ إلى إجابة احتفالية. تقول بصدق مباشر: اتفقنا على الحد الأدنى، وما يزال أمامنا الكثير.
هذه العبارة، على بساطتها، تكاد تلخص روح نيروبي كلها. فالمشاورات لم تحل أزمة التمثيل الشبابي، لكنها وضعت بعض أسئلتها على الطاولة. ولم تصنع كتلة موحدة نهائية، لكنها فتحت اختباراً حقيقياً لقدرة الشباب على إدارة خلافاتهم دون أن يفقدوا الهدف الأكبر.

الشبكة الشبابية السودانية لإنهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي
إذا كانت الأصوات الأربعة السابقة تمثل أجساماً مشاركة في المشاورات، فإن عبد الله الشيخ المجذوب يتحدث من موقع الجهة التي دعت إلى هذا الفضاء وسعت إلى تنظيمه. وهذا يمنح كلامه طبقة إضافية من المسؤولية.
لا يطرح عبد الله موقفه من الحوار مع الإسلاميين بصيغة تبسيطية. هو لا يبدأ من سؤال: هل نتحاور معهم أم لا؟ بل يعيد صياغة السؤال: مع من بالتحديد نتحاور؟ هل الحديث عن واجهات مدنية فعلية؟ أم عن أذرع لا تزال، في تقديره، مرتبطة بالمؤسسات الأمنية والسلاح والحرب؟
هذا التمييز، بالنسبة إليه، ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه جوهر المسألة. فإدخال أطراف مرتبطة بالسلاح في ترتيبات سياسية، تحت لافتات مدنية جديدة، قد يعني في النهاية إعادة إنتاج المؤتمر الوطني بواجهة أخرى.
ويذهب عبد الله أبعد من مجرد الرفض. فهو يرى أن أي عملية سياسية جادة يجب أن تقوم على المساءلة، وعلى معالجة الانتهاكات التي وقعت، وعلى ضمان حقوق السودانيين الذين طالهم القمع والعنف. لا يسمي هذه الشروط تعجيزية، بل يراها استحقاقات ضرورية. فسلام لا يقوم على العدالة ليس سلاماً مكتمل المعنى، بل هدنة تنتظر اختبارها القادم.
يختلف هؤلاء الخمسة في التفاصيل، لكنهم يلتقون عند جوهر واحد: لا سلام حقيقياً في السودان من دون مساءلة، ولا مساءلة من دون تمثيل فعلي لمن دفعوا ثمن الحرب.
يدركون أن مشاورات نيروبي، الممتدة حتى الثلاثين من يونيو 2026، ليست نهاية الطريق. هي خطوة في مسار طويل، وربما متعثر، نحو بناء كتلة شبابية قادرة على الانتقال من موقع الاحتجاج والمطالبة إلى موقع التأثير وصناعة القرار.
لكن السؤال الذي لا يستطيع هؤلاء الشباب وحدهم الإجابة عنه من نيروبي هو: هل من يملكون القرار الفعلي في مسار السلام السوداني مستعدون لسماع هذه الأصوات؟
والأهم: هل يريدون للشباب مقعداً على الطاولة، أم مجرد نافذة يطلون منها على سلام يُصنع باسمهم ومن دونهم؟
تنويه تحريري: تعتمد هذه المادة على تسجيلات قصيرة أُجريت مع مشاركين في مشاورات نيروبي الشبابية، وأُعيد تحرير إفاداتهم في قالب سردي تحليلي، مع الحفاظ على مضمونها وسياقها العام.

