جنيف — سودان ستوري
جلسة مجلس حقوق الإنسان بشأن الأبيض لم تكن مجرد نقاش أممي طارئ حول مدينة محاصرة. كانت اختبارًا لسؤال أعمق يشغل الأطراف السودانية منذ اندلاع الحرب: هل يبدأ طريق السلام بفرض شروط الحسم أولاً، أم بوقف النار وحماية المدنيين؟

خاطب وزير الخارجية والتعاون الدولي محي الدين سالم الجلسة الخاصة، وقدّم الموقف الحكومي بوضوح: الانفتاح على أي مبادرة لوقف الحرب، بشرط اتساقها مع خارطة الطريق التي أودعها رئيس مجلس السيادة لدى الأمم المتحدة في مارس 2025، ومبادرة السلام التي قدمها رئيس الوزراء لمجلس الأمن في ديسمبر 2025. وجدد مطالبة حكومته بتصنيف قوات الدعم السريع “جماعة إرهابية”، رابطًا وقف الحرب بتفكيك هذه القوات وجمع سلاحها قبل أي وقف لإطلاق النار أو ترتيبات أمنية.
بهذا، لا تطرح الحكومة وقف الحرب كمدخل عاجل لحماية المدنيين، بل كنتيجة لمسار يبدأ بإقرار مرجعيتها السياسية والأمنية أولاً. وهنا يظهر جوهر الخلاف مع قوى مدنية وسياسية ترى في هذا الترتيب عكسًا لما يجب أن تكون عليه الأولويات.
الأبيض ليست مجرد اسم مدينة
تأتي جلسة جنيف وسط مخاوف متصاعدة من تمدد الحرب في مثلث الأبيض-كادقلي-الدلنج، ومع تكرار سيناريوهات الحصار على المدنيين كما جرى سابقًا في الفاشر. لذلك سعت “سودان ستوري” لمعرفة موقف عدد من القوى السياسية من خطاب الوزير، وتحديدًا من نقطتين: حصر مرجعية التفاوض في خارطة الطريق الحكومية، واشتراط تفكيك الدعم السريع قبل وقف إطلاق النار.
وجدي صالح: السلام لا يصنعه احتكار المرجعية

رفض وجدي صالح، القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، حصر مرجعية أي تفاوض في خارطة الطريق التي طرحتها -بحسب وصفه- “سلطة الأمر الواقع”، سواء في بورتسودان أو الخرطوم. وقال في إفادته لـ”سودان ستوري” إن هذه الخارطة تنطلق من تصور أحادي لا يمكن أن يفضي لسلام حقيقي، مشيرًا إلى أن القوى المدنية تبنت عبر إعلان المبادئ في نيروبي خارطة بديلة تتقاطع مع المبادئ الخمسة للمجموعة الرباعية، وتضع الهدنة الإنسانية في بداية الطريق لا نهايته.
المسار الصحيح، بحسب صالح، يبدأ بهدنة إنسانية تفتح الباب لوقف مؤقت لإطلاق النار، ثم دائم، ثم ترتيبات أمنية وسياسية. أما اشتراط تفكيك قوات الدعم السريع قبل أي وقف للنار، فيراه “تعجيزيًا”، لأنه لا يتحقق إلا عبر استسلام أو حسم عسكري – وكلاهما خارج منطق التفاوض أصلاً. وأضاف أن حكومة الأمر الواقع “لا تنظر للسلام إلا من زاوية تبقيها في السلطة”، بينما يدفع المدنيون في الفاشر والدلنج وكادقلي والأبيض فاتورة الحرب يومًا بعد آخر.
التجمع الاتحادي: خارطة بورتسودان تعقّد فرص السلام

يرى محمد عبد الحكم، القيادي في التجمع الاتحادي، أن حديث وزير خارجية “سلطة الأمر الواقع في بورتسودان” يضيف عراقيل أمام مساعي السلام. حصر التعاطي الدولي في مبادرة سلطة غير معترف بها، وسط انقسام سياسي وأمني عميق، أمر غير عملي في تقديره – إذ إن أي محاولة لجعل خارطة بورتسودان مرجعية حصرية ستصطدم برفض السلطة الموازية في نيالا، ما يؤكد استحالة اختزال المشهد في وثيقة طرف واحد.
ولا يفصل عبد الحكم هذا الموقف عن نفوذ “فلول النظام البائد” وأنصار الحركة الإسلامية داخل سلطة بورتسودان، معتبرًا أنهم يطيلون أمد الحرب لأنهم يرونها المسار الوحيد لاستعادة السلطة، مهما كان الثمن. أما شرط تفكيك الدعم السريع قبل وقف النار، فيصفه بأنه أقرب لـ”دعوة للاستسلام” منه لمقترح تفاوضي قابل للتطبيق، في ظل اشتعال الحرب وتبادل السيطرة الميدانية بين الأطراف. ويدعو الطرفين والميليشيات المتحالفة معهما للتعامل بمسؤولية والجلوس للتفاوض، انطلاقًا مما بات شبه إجماع دولي: لا حل عسكريًا لهذه الحرب.
عرمان: العملية السياسية قد تتحول لغطاء لاستمرار الحرب

أحال ياسر عرمان، القيادي في تحالف صمود، إلى مقال أرسله ردًا على الأسئلة المطروحة، ينتقد فيه التحضيرات الجارية لاجتماع أديس أبابا الثاني (27-29 يوليو). يرى عرمان أن الخطر لا يكمن فقط في شروط بورتسودان، بل في تصميم العملية السياسية نفسها إن لم تُربط مباشرة بوقف الحرب – محذرًا من أن تتحول إلى غطاء يمنح أطراف الحرب فرصة “الأكل في قدحين”: قدح الحرب وقدح العملية السياسية.
“حق الحياة أولاً، والإغاثة قبل السياسة” — وقف الحرب وحماية المدنيين ليسا بندًا إنسانيًا منفصلاً عن السياسة، بل رأسها ومدخلها الفعلي.
أي لجنة تحضيرية لا تقوم على التزام مشترك من الجيش والدعم السريع بوقف الحرب، بحسب عرمان، ستكرر تجارب فاشلة كاليمن وليبيا وسوريا، حيث امتدت العمليات السياسية سنوات دون أن توقف الحرب أو تعالج جذورها.
ترتيب الخطوات هو الخلاف الحقيقي
المواقف الثلاثة، رغم اختلاف مواقعها التنظيمية، تلتقي عند نقطة واحدة: رفض جعل الهدنة ووقف إطلاق النار نتيجة لاحقة لشروط سياسية وعسكرية صعبة. الحكومة تقول إن الاستقرار يبدأ بتفكيك الدعم السريع وجمع سلاحه. القوى المدنية التي تحدثت لـ”سودان ستوري” تقول إن هذا الشرط، إن سبق وقف النار، يتحول من طريق للسلام إلى عقبة أمامه.
لا أحد يختلف على الهدف المعلن – الجميع يتحدث عن السلام ووقف الحرب وحماية المدنيين. الخلاف في الترتيب: من يبدأ، ومن يتحمل كلفة الانتظار.
جلسة جنيف تضع المجتمع الدولي أمام معادلة صعبة: لا يمكن تجاهل الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع، ولا يمكن أيضًا تأجيل حماية المدنيين حتى يكتمل التوافق على شروط سياسية كبرى. وما تكشفه إفادات صالح وعبد الحكم وعرمان أن الخلاف مع خطاب بورتسودان ليس فقط حول تصنيف الدعم السريع، بل حول سؤال أعمق: من تُبنى العملية السياسية من أجله – السلطة أم المدنيون؟
كل حكاية تستحق أن تُروى

