معلومات حصلت عليها «سودان ستوري» تفيد بأن المصباح أبو زيد وعدداً من قيادات «لواء البراء بن مالك» رافقوا قائد الجيش إلى إريتريا؛ خطوة تفتح أسئلة حول تمدد نفوذ الإسلاميين المسلحين، وهشاشة شرق السودان، ومستقبل السلطة على ضفة البحر الأحمر.
خاص ـ سودان ستوري
لم تخرج البيانات الرسمية بشأن الزيارة الخاطفة التي أجراها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، إلى أسمرة في 17 يوليو، عن اللغة الدبلوماسية المعتادة.
وقال الإعلام الرسمي الإريتري إن البرهان والرئيس أسياس أفورقي أجريا مباحثات موسعة تناولت العلاقات الثنائية، وتطورات الأوضاع في السودان، إلى جانب قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك. ولم يتضمن البيان قائمة أعضاء الوفد السوداني أو تفاصيل الاجتماعات التي رافقت الزيارة.
معلومات حصلت عليها «سودان ستوري» من مصدر واحد مقرب من دوائر الرئاسة تكشف جانباً آخر من الرحلة، وتبقى — إلى حين ورود تأكيد مستقل — معلومة قائمة على مصدر منفرد يستوجب التعامل معها بوصفها إفادة أولية لا واقعة مؤكدة نهائياً.
وبحسب المصدر، رافق المصباح أبو زيد، قائد «لواء البراء بن مالك»، وعدد من قيادات اللواء، البرهان إلى العاصمة الإريترية.
ولا تتوافر معلومات كافية لتحديد ما إذا كانت قيادات «البراء» قد شاركت في الاجتماع الرسمي مع أسياس أفورقي، أم اقتصرت مشاركتها على الرحلة أو على اجتماعات جانبية لم يُعلن عنها.
غير أن دلالة المعلومة تتجاوز حدود البروتوكول. فظهور قيادة إحدى أبرز القوى الإسلامية المسلحة ضمن تحركات البرهان الخارجية يطرح أسئلة بشأن الموقع الذي بات يحتله اللواء داخل التحالف العسكري والسياسي المحيط بقائد الجيش، وطبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه في ترتيبات الحرب والسلطة.
مفارقة أسمرة والإسلاميين
يحمل وجود قيادات «البراء» في أسمرة مفارقة تاريخية واضحة.
فالعلاقة بين نظام أسياس أفورقي والإسلاميين السودانيين اتسمت خلال تسعينيات القرن الماضي بالعداء والشكوك المتبادلة. وقطعت إريتريا علاقاتها الدبلوماسية مع حكومة الخرطوم في أبريل 1995، متهمة إياها بدعم أنشطة تستهدف استقرارها. وفي عام 1997 رفعت أسمرة إلى مجلس الأمن اتهامات أكثر خطورة، قالت فيها إن نظام الجبهة الإسلامية القومية خطط لاغتيال أفورقي.
لذلك يصعب تفسير وجود قادة «البراء» ضمن وفد البرهان باعتباره تقارباً أيديولوجياً بين أفورقي والحركة الإسلامية السودانية.
القراءة الأقرب هي أن أسمرة تتعامل ببراغماتية مع خريطة القوى الفعلية المحيطة بالبرهان، وتسعى إلى فهم الأطراف التي باتت تمتلك السلاح والنفوذ والقدرة على التأثير في شرق السودان، بصرف النظر عن خلفياتها الفكرية.
فحرص أفورقي على الاقتراب من القوى المؤثرة داخل معسكر الجيش، وإبقائها ضمن ترتيبات يمكن مراقبتها بدلاً من تركها تتحرك قرب الحدود الإريترية خارج حسابات أسمرة، يبدو تفسيراً أقرب إلى الواقع من افتراض أن أفورقي أصبح مطمئناً إلى الإسلاميين.
شرق السودان: معسكرات متعددة ومصالح متحركة
تأتي زيارة البرهان في وقت يشهد فيه شرق السودان توسعاً في انتشار التشكيلات المسلحة، بعضها نشأ أو أعيد تنشيطه بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وتشير تقارير صحفية إلى تلقي عدة مجموعات شرقية تدريبات داخل إريتريا، من بينها «الأورطة الشرقية»، و«حركة تحرير شرق السودان»، و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية»، و«مؤتمر البجا»، قبل نشر قوات منها في ولايتي كسلا والقضارف بتنسيق أو موافقة من الجيش السوداني.
لكن هذه الحركات لا تتبنى موقفاً موحداً من الحرب أو من السلطة في بورتسودان. ففي يناير 2026، أعلنت خمسة فصائل مسلحة تأسيس تحالف لشرق السودان، وقدمت نفسها بوصفها قوة محايدة لا تنحاز إلى الجيش أو قوات الدعم السريع، في خطوة عكست تعدد الحسابات داخل الإقليم.
شدد الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات والصحفي المتخصص في شؤون شرق السودان، حسام الدين حيدر، لـ«سودان ستوري»، على ضرورة الفصل بين مسألتين: فتح المعسكرات وتوفير فرص التدريب داخل إريتريا، والجهات التي وقفت وراء تأسيس الحركات وعلاقاتها السياسية والعسكرية.
وبحسب حيدر، تلاقت مصالح أسمرة وبورتسودان في ملف تدريب بعض الحركات وإعادة نشرها، لكنه يرى أن نشأة عدد منها ارتبطت في الأساس بالجيش السوداني والاستخبارات العسكرية، بينما تمثل إريتريا ساحة للتدريب وتوفير التسهيلات، وليست بالضرورة الجهة التي تدير تلك الحركات بصورة مباشرة.
وقال حيدر إن جزءاً كبيراً من القوات التي تدربت داخل إريتريا عاد خلال الفترة الماضية إلى السودان وأعاد الانتشار في ولايات الشرق.
وتقدم هذه القراءة صورة أكثر تعقيداً من التعامل مع الحركات الشرقية بوصفها كتلة واحدة تديرها أسمرة؛ إذ تقوم العلاقة على تقاطع مصالح بين السلطات الإريترية والجيش السوداني وقيادات محلية تسعى إلى تثبيت مواقعها داخل الإقليم.
هشاشة قابلة للانفجار
لا يرى حيدر أن الحركات المسلحة في شرق السودان تعيش حالة صراع مباشر فيما بينها، لكنه يشير إلى وجود تباينات في المواقف والمصالح وفي طبيعة العلاقة مع السلطة في بورتسودان.
ويجعل ذلك التحالفات الحالية قابلة للتغير، ويصعب تثبيت المشهد على صيغة سياسية أو عسكرية واحدة.
ويحذر حيدر من أن محاولة جمع هذه التشكيلات تحت مظلة واحدة، أو فرض ترتيبات جديدة من أعلى، قد تقود إلى انفجار أمني؛ لأن التوتر في شرق السودان يرتبط في جوهره بالتنافس على السلطة والموارد والتمثيل السياسي، واتخذ منذ عام 2019 أشكالاً قبلية واجتماعية شديدة الحساسية.
وفي حال اندلاع مواجهات جديدة، قد تسعى أطراف داخلية أو إقليمية إلى توظيفها لمصلحتها. غير أن السياق الأساسي للأزمة، بحسب حيدر، سيظل محلياً، مرتبطاً بالموارد والنفوذ وشعور مكونات الإقليم بالتهميش أو التهديد.
وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات متزايدة من أن التدريب والتسليح وتعدد القوات ذات الولاءات المختلفة يمكن أن يحول شرق السودان إلى ساحة لصراعات عابرة للحدود، تمتد آثارها إلى القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.
ما علاقة «البراء» بحركات الشرق؟
لا توجد، وفق المعلومات المتاحة، علاقة تنظيمية مباشرة تجمع «لواء البراء بن مالك» بالحركات المسلحة في شرق السودان. الرابط الأساسي بينها هو وجودها، بدرجات متفاوتة، داخل المجال العسكري والسياسي المتحالف مع القوات المسلحة.
ويقول حسام الدين حيدر إن «البراء» وحركات الشرق لا يمثلان بنية واحدة، وإن اختلاف نشأتهما وأهدافهما يمنع التعامل معهما كتحالف تنظيمي موحد. لكنهما يلتقيان في نهاية الأمر بوصفهما قوى مساندة أو حليفة للجيش.
وحضور المصباح في أسمرة يوضع في هذا الإطار: مساحة إقليمية يجري فيها بحث التوازنات العسكرية والأمنية لشرق السودان، أكثر من كونه دليلاً على تأسيس قيادة مشتركة بين الإسلاميين والحركات الشرقية.
والسؤال هنا هو ما إذا كان البرهان يعمل على إدارة هذه القوى عبر علاقات منفصلة، أم يسعى تدريجياً إلى إدخالها في منظومة أوسع مرتبطة بقيادة الجيش، مع الاحتفاظ باختلاف أدوارها ومصالحها. زيارة أسمرة وحدها لا تحسم هذا السؤال، غير أنها تضيء جانباً من تداخل ملف شرق السودان مع شبكة التحالفات التي تشكلت حول الجيش خلال الحرب.
الإسلاميون: من النفوذ السياسي إلى القوة المسلحة
ظل الإسلاميون حاضرين داخل مؤسسات الدولة وفي محيط الجيش، لكن الحرب أتاحت لهم بناء حضور عسكري أكثر وضوحاً، تمثل بصورة أساسية في صعود «لواء البراء بن مالك».
ويرى حيدر أن الحركة الإسلامية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحرب الجارية، وأن من مصلحتها استمرار التعبئة والعسكرة، بما يحفظ نفوذها السياسي والعسكري. ووصفها بأنها الحليف الأساسي للبرهان في المرحلة الراهنة.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من أن «البراء» لم يعد يظهر في ميادين القتال وحدها. فبحسب معلومات «سودان ستوري»، باتت قياداته حاضرة في إحدى رحلات البرهان الإقليمية، وهو تحول ينقل اللواء خطوة إضافية من موقع القوة المساندة إلى المجال المحيط بالقرار السياسي والدبلوماسي.
ويعكس هذا التحول اتساع المساحة التي يحتلها الإسلاميون المسلحون في تحالف البرهان، وقدرتهم على الظهور بالقرب من رأس السلطة، دون أن يرقى ذلك بعد إلى تحويل اللواء إلى مؤسسة رسمية داخل الدولة أو طرف معلن في إدارة سياستها الخارجية.
صراع السلطة في بورتسودان
تتزامن رحلة أسمرة مع نقاش متزايد داخل المعسكر المتحالف مع الجيش بشأن إعادة هيكلة مؤسسات الحكم ومستقبل مجلس السيادة.
وقال مصدر سياسي واحد لـ«سودان ستوري» إن التحركات الأخيرة تُقرأ داخل بعض دوائر السلطة في سياق رغبة البرهان في تركيز القرار، وربط المصدر بين هذا الاتجاه وبين الضغوط الإعلامية والسياسية التي تعرض لها عضو مجلس السيادة والقائد العسكري شمس الدين كباشي. وهي إفادة من مصدر منفرد لم تتوافر بعد مقابلاً مستقلاً يؤكدها، وتُنشر على هذا الأساس كقراءة سياسية أولية لا كواقعة مثبتة.
فهذه القراءة تعكس مناخاً من التنافس والشكوك داخل مركز السلطة في بورتسودان، أكثر مما تثبت وجود خطة نهائية لحل مجلس السيادة أو إبعاد كباشي.
وفي مؤشر على انتقال النقاش من دوائر التسريب إلى المجال العام، حذر مساعد رئيس الكتلة الديمقراطية مبارك أردول من الدعوات المطالبة بتفكيك مؤسسات الحكم الانتقالي أو إجراء تغييرات في نظام الحكم بعيداً عن عملية سياسية أو توافق وطني أو انتخابات عامة.
قال أردول، في منشور اطلعت عليه «سودان ستوري»، إن السودان يجب أن يقرر مستقبله جميع أبنائه وبناته عبر عملية سياسية شاملة، ووصف محاولة استغلال الظروف السياسية والأمنية لإعادة ترتيب الحكم بأنها «انتهازية سياسية».
وتنبع أهمية موقف أردول من صدوره عن قيادي داخل تحالف سياسي مساند للجيش، بما يشير إلى أن أي اتجاه لإعادة تشكيل السلطة من مركز واحد قد يواجه اعتراضاً من داخل معسكر بورتسودان نفسه، وليس من القوى المعارضة وحدها.
فالصراع لا يدور حول بقاء مجلس السيادة أو حله فحسب، بل حول الأطراف التي ستشارك في تحديد شكل السلطة المقبلة: قيادة الجيش، والحركات الموقعة على اتفاق جوبا، والقوى السياسية المتحالفة معها، أم التشكيلات الإسلامية التي عززت مواقعها بالسلاح خلال الحرب؟
رادار البحر الأحمر
تتجاوز دلالات ظهور «البراء» في أسمرة حدود السودان وإريتريا.
فشرق السودان يضم الموانئ الرئيسية للدولة، ويقع على الضفة الغربية للبحر الأحمر، ضمن مجال أمني شديد الحساسية للسعودية ودول المنطقة، ويتصل جنوباً بممر باب المندب.
وتزداد حساسية تحركات «البراء» بسبب العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على اللواء في سبتمبر 2025، بسبب دوره في الحرب وما وصفته واشنطن بارتباطاته مع إيران، ضمن مساعيها للحد من نفوذ الإسلاميين والأنشطة الإيرانية في المنطقة.
وتبقى هذه العقوبات مؤشراً سياسياً لا دليلاً مادياً؛ فهي لا تثبت وجود مشروع إيراني للتمدد عبر الساحل السوداني، كما أن مرافقة المصباح للبرهان إلى أسمرة معلومة منفصلة لا تحمل في ذاتها ما يشير إلى أن الزيارة تناولت ترتيبات إيرانية أو ملفات مرتبطة بباب المندب.
غير أن اجتماع ثلاثة عناصر — قوة إسلامية مسلحة، وقربها من قائد الجيش، واتهامات أميركية بارتباطات إيرانية — يجعل تحركاتها موضع مراقبة إقليمية ودولية.
وكان بيان مشترك ضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة قد أكد، في سبتمبر 2025، ضرورة ألا يخضع مستقبل الحكم في السودان لسيطرة أي طرف متحارب أو جماعات متطرفة مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، كما شدد على تأمين منطقة البحر الأحمر والتصدي للتهديدات العابرة للحدود.
وهذا الموقف يوضح البيئة الإقليمية التي سيُقرأ داخلها أي توسع في حضور قوة إسلامية مسلحة على الساحل السوداني أو في تحركات قيادة الدولة الخارجية، أكثر مما يعني أن الرياض أو الأطراف الأخرى صنفت «البراء» مباشرة بوصفه تهديداً لأمنها.
ماذا تكشف الرحلة؟
زيارة أسمرة، في حدود ما هو موثق، لا تُثبت أن أسياس أفورقي أصبح حليفاً للإسلاميين، ولا تؤكد وجود مظلة عسكرية موحدة تجمع «البراء» وحركات شرق السودان. ما تكشفه بوضوح أكبر هو أن البرهان لا يتحرك إقليمياً ممثلاً للمؤسسة العسكرية وحدها، بل تحيط به شبكة من القوى التي تشكلت أو استعادت نفوذها خلال الحرب.
وفي هذه الشبكة، أصبحت الحركة الإسلامية تمتلك قوة مسلحة ظاهرة وقريبة من مركز السلطة، بينما امتلأ شرق السودان بتشكيلات تتباين مواقفها ومصالحها، لكنها ترتبط بدرجات مختلفة بمعادلة الجيش وبورتسودان.
وتكشف تحذيرات حسام الدين حيدر من هشاشة الشرق، ورفض مبارك أردول تغيير نظام الحكم بعيداً عن عملية سياسية شاملة، أن القلق من ترتيبات المرحلة المقبلة لا يقتصر على خصوم البرهان، بل يمتد إلى قوى داخل المجال السياسي والعسكري المتحالف معه.
فالمعركة لم تعد مرتبطة فقط بمن يحقق تقدماً في الميدان، بل بمن يحتفظ بالسلاح، ومن يشارك في الحكم، ومن يدير الساحل، ومن يمتلك حق التفاوض مع القوى الإقليمية.
لهذا لا ينتهي السؤال عند سبب مرافقة المصباح للبرهان إلى أسمرة.
السؤال الأبعد هو: هل يمثل ظهور «لواء البراء» في الرحلة بداية انتقال الإسلاميين المسلحين من موقع القوة المساندة للجيش إلى موقع الشريك في ترتيبات السلطة والأمن الإقليمي؟

