سودان ستوري
كل حكاية تستحق أن تُروى

قصص إنسانية

شهادات وبيانات جُمعت من 98 لاجئًا سودانيًا في خمس دول تكشف كيف تستمر أعباء الحرب بعد الوصول إلى مكان اللجوء، من نقص المياه والرعاية الصحية إلى صعوبة كسب العيش والحصول على الوثائق.

إعداد: محمد عبد الرحمن

قبل شروق الشمس

قبل أن تشرق الشمس على موقع أبوتنقي للاجئين في شرق تشاد، يكون صباح قد بدأ يومه. يحمل أوعية المياه الفارغة ويتجه إلى نقطة التوزيع، عارفًا أن الوصول إلى الماء قد يستغرق ساعات، وأن الانتظار لا يضمن عودته بما يكفي أسرته.

«أول تحدٍ بواجهني هو الموية؛ نقاط التوزيع قليلة وبعيدة، وبنقيف في الصف ساعتين أو أكتر».

وفي بعض الأيام، يضعف تدفق المياه أو ينتهي وقت التوزيع قبل وصول دوره، فيما قد تُحدد حصة الأسرة بعدد قليل من العبوات.

لم يكن الوصول إلى الأمان نهاية رحلة صباح. بعد الفرار من الحرب في السودان، تحولت أكثر تفاصيل الحياة بساطة إلى اختبار يومي: الماء في تشاد، والدواء في إثيوبيا، والعمل في أوغندا وكينيا، والوثائق في جنوب السودان.

عن الاستبيان
تستند المادة إلى شهادات وبيانات من 98 مشاركًا وافقوا على الاستخدام الصحفي للمعلومات. جُمعت الإفادات بين 31 ديسمبر 2025 و1 أبريل 2026 عبر عينة ميسرة وغير ممثلة إحصائيًا، ولا تسمح بمقارنة الدول أو ترتيبها.



الماء أولًا

في شرق تشاد، حيث استقبلت المناطق الحدودية أعدادًا كبيرة من الفارين من دارفور، تتعرض الخدمات الأساسية لضغط متزايد. وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة إن أزمة الشرق التشادي لا تقتصر على احتياجات اللاجئين، بل تمتد إلى مجتمعات مضيفة تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية والخدمات.

بالنسبة إلى صباح، لا تُقاس أزمة المياه فقط بعدد اللترات المتاحة، بل بالساعات التي تُقتطع من يومه. فالانتظار عند نقطة المياه يعني وقتًا أقل للبحث عن دخل، أو رعاية الأطفال، أو إنجاز احتياجات الأسرة الأخرى.

وفي فرشنا، يقول أحمد إنه لم يكن يحصل، خلال فترة جمع الإفادة، على مياه نظيفة بصورة منتظمة، واضطر أحيانًا إلى الاعتماد على مياه الحفائر. وتوضح شهادته أن المشكلة لا تتعلق بالكمية وحدها، بل بجودة المياه وما يرتبط بها من مخاطر صحية.

وتظهر بيانات الاستبيان أن أزمة المياه لم تكن محصورة في شهادة واحدة. فمن بين المشاركين، وصف 62 جودة المياه بأنها ضعيفة، وقال 41 إنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها دائمًا، و47 إنهم يواجهونها أحيانًا.

لا تسمح طبيعة العينة بتحويل هذه النتائج إلى نسبة عامة عن اللاجئين، لكنها تكشف كيف يمكن لمورد أساسي أن يعيد تنظيم يوم الأسرة كله: موعد الاستيقاظ، وحركة النساء والأطفال، والقدرة على العمل، وحتى القرار بشأن البقاء في الموقع أو البحث عن مكان آخر.

الصحة حين يصبح العلاج رحلة

في موقع أورا للاجئين في إثيوبيا، وصفت سوزان واقعًا صحيًا مثقلًا بنقص الأدوية وصعوبة نقل الحالات الحرجة إلى مرافق أكثر قدرة على العلاج. وبحسب إفادتها، لا يرتبط القلق بانتشار المرض فقط، بل بتأخر التشخيص والتحويل الطبي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال أو المصابين بأمراض لا تحتمل الانتظار.

وتقر خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين لعام 2026 بأن الخدمات المقدمة للاجئين في إثيوبيا تعطلت خلال عام 2025 بسبب حوادث أمنية وتراجع التمويل، في وقت تستهدف فيه الاستجابة أكثر من 119 ألف لاجئ خلال 2026، إلى جانب العائدين وأفراد من المجتمعات المضيفة.

ضمن عينة التقرير، قال 52 مشاركًا إن الخدمات الطبية الأساسية غير متاحة، ووصف 57 جودة الخدمات الصحية بأنها «ضعيفة جدًا»، بينما وصفها 41 بأنها «ضعيفة». ولا تثبت هذه الإجابات مستوى الخدمات في كل دولة، لكنها تعكس تقييمًا سلبيًا متكررًا لدى المشاركين.

في بيئة اللجوء، قد يتحول المرض العادي إلى أزمة بسبب المسافة أو تكلفة النقل أو غياب الدواء. وتصبح الأسرة أمام خيارات قاسية: الانتظار، أو الاستدانة، أو الانتقال إلى مدينة بعيدة، أو الاكتفاء بعلاج غير كافٍ.

العمل بين الحق القانوني والاقتصاد الحقيقي

تمنح أوغندا اللاجئين إطارًا قانونيًا يوصف بأنه من الأكثر تقدمًا في المنطقة، بما يشمل حرية الحركة والحق في العمل والوصول إلى بعض الخدمات. لكن خطة الاستجابة الإقليمية لعام 2026 تقول إن نقص التمويل وارتفاع أعداد اللاجئين فرضا ضغطًا كبيرًا على الخدمات، وأضعفا جودة المساعدة المتاحة وفرص بناء الاعتماد على الذات.

وتشكل أوغندا الجزء الأكبر من عينة هذا التقرير، لذلك تظهر تجاربها بصورة أوسع من بقية الدول. قال 44 مشاركًا إن فرص العمل موجودة ولكنها مقيدة، فيما قال 16 إنها متاحة من دون عقبات. وقال 12 إن العمل غير مسموح لهم، بينما لم يكن آخرون متأكدين من حقوقهم أو لم يجدوا فرصة يمكن الوصول إليها.

في كيرياندونغو، حاول «النور» —وهو اسم مستعار— إنشاء كشك صغير لإعالة أسرته بدل الاعتماد الكامل على المساعدات. لكن ضعف القوة الشرائية وارتفاع التكاليف جعلا الإيراد اليومي أقل من احتياجات أسرته وإيجار المكان، وانتهت التجربة بخسارة المشروع.

لا يعني فشل الكشك أن العمل غير ممكن، لكنه يوضح الفجوة بين السماح القانوني بالنشاط الاقتصادي وبين وجود سوق ورأس مال وحماية اجتماعية تتيح للمشروع الصغير الاستمرار.

أما رزان، فغادرت موقع اللجوء إلى كمبالا بحثًا عن عمل. وجدت فرصة للحركة، لكنها واجهت في المدينة تكاليف سكن ومعيشة مرتفعة وديونًا متراكمة. وباتت عالقة بين اقتصاد المدينة الصعب وظروف الموقع التي دفعتها إلى المغادرة.

في الحالتين، لا يبدو العمل طريقًا مباشرًا إلى الاستقلال، بل مخاطرة تحتاج إلى رأس مال ومعلومات وشبكات اجتماعية واستقرار في الغذاء والسكن. وحين تتراجع المساعدات قبل أن تتكون هذه الشروط، ينتقل عبء الاستجابة من المؤسسات إلى الأسر الأكثر هشاشة.

كينيا: شهادتان لا تصلحان للتعميم

لم يشارك في الاستبيان سوى شخصين من كينيا، ولذلك لا يمكن استخدام إفادتيهما لوصف أوضاع اللاجئين في البلاد أو مقارنتها بدول أخرى. لكنهما تقدمان نافذة محدودة على معنى الاعتماد على الذات عندما تظل الاحتياجات الأساسية غير مستقرة.

قال أحد المشاركين في منطقة كاكوما إن عدم انتظام المياه والغذاء دفعه إلى الخروج بحثًا عن عمل غير رسمي. وتوضح إفادته أن قرار العمل لم يبدأ من مشروع مهني مخطط له، بل من الحاجة إلى سد فجوة يومية في الطعام والماء.

وتعمل كينيا، منذ إطلاق «خطة شيريكا» في مارس 2025، على تحويل مخيمي كاكوما وداداب تدريجيًا إلى تجمعات أكثر اندماجًا، وتوسيع الفرص الاقتصادية والخدمات المشتركة للاجئين والمجتمعات المضيفة. لكن نجاح هذا التحول يظل مرتبطًا بالتمويل، وخلق فرص حقيقية، وضمان ألا يتحول تقليص المساعدة إلى اعتماد ذاتي مفروض قبل توافر شروطه.

الوثيقة التي تفصل بين الوجود والاعتراف

في جنوب السودان، لا تلغي الروابط الاجتماعية والتاريخية بين البلدين صعوبة الحياة داخل بيئة تعاني بدورها من أزمة اقتصادية وإنسانية ممتدة. وتصبح إجراءات التسجيل والوثائق إحدى البوابات الأساسية للوصول إلى الحماية والمساعدة والخدمات.

خلال فترة جمع البيانات، كان أحمد يقيم في موقع جوروم. قال إن عملية تسجيله لم تكتمل، وإن الموظفين دوّنوا اسمه في «ورقة بيضاء» على أن يُنظر في وضعه لاحقًا. بالنسبة إليه، لم تكن الورقة مجرد مستند مؤقت؛ كانت علامة على انتظار لا يعرف نهايته، وعلى وضع قانوني لم يكتمل بعد.

وتوثق هذه الشهادة تجربة شخصية في زمان ومكان محددين، ولا تثبت أن الإجراء ينطبق على جميع اللاجئين. كما أن نقاط التسجيل وترتيباته تتغير بحسب قرارات المفوضية والسلطات. لكنها تكشف أثر التأخير على الشخص الذي ينتظر: صعوبة إثبات صفته، والقلق بشأن الوصول إلى الخدمات، والشعور بأنه موجود فعليًا لكنه غير مستقر قانونيًا.

وعلى امتداد العينة، قال 93 من المشاركين إنهم لا يشعرون بالأمان، وذكر 59 أنهم تعرضوا لشكل من أشكال العنف أو التمييز، بينما فضّل 18 عدم الإجابة عن السؤال الأخير. وهي نتائج ينبغي قراءتها بوصفها تجارب المشاركين، لا معدلًا عامًا.

أزمة أكبر من قدرة الاستجابة
بحلول نهاية 2025، كانت سبع دول ضمن خطة الاستجابة الإقليمية تستضيف أكثر من 4.4 مليون لاجئ سوداني. وتطلب خطة عام 2026 نحو 1.6 مليار دولار لدعم 5.9 مليون شخص من اللاجئين وأفراد المجتمعات المضيفة في تشاد ومصر وإثيوبيا وليبيا وجنوب السودان وأوغندا وجمهورية أفريقيا الوسطى.

أما كينيا، التي لا تندرج ضمن الدول السبع في هذه الخطة الإقليمية الخاصة بأزمة السودان، فتتعامل مع ملف اللاجئين عبر أطرها الوطنية، وفي مقدمتها خطة شيريكا.

ولا تعني الأرقام الضخمة أن المساعدة تصل بالقدر نفسه إلى كل موقع أو كل أسرة. فخطة 2026 نفسها تقر بأن النقص الحاد في تمويل استجابة 2025 أدى إلى تقليص المساعدات في دول الاستضافة، وزاد هشاشة اللاجئين والمجتمعات التي تستضيفهم.

عندما تتراجع الحصة الغذائية، لا يتوقف الأثر عند الجوع؛ قد يخرج الطفل من المدرسة، أو تضطر الأسرة إلى الاستدانة، أو يقبل أحد أفرادها عملًا غير آمن. وعندما ينقص الدواء، تتحول المسافة إلى العيادة إلى عامل يحدد فرص النجاة. وعندما يتأخر التسجيل، يصبح الانتظار نفسه عائقًا أمام الحماية.

لهذا لا تبدو قصص صباح وسوزان ورزان وأحمد حوادث منفصلة. إنها حلقات في أزمة إقليمية انتقلت فيها تبعات الحرب عبر الحدود، بينما تحاول دول الاستضافة والمجتمعات المحلية والمؤسسات الإنسانية استيعاب احتياجات تتسع أسرع من الموارد.

غدًا قبل الشروق

عندما يعبر اللاجئ الحدود، ينجو من خطر مباشر، لكنه لا يصل بالضرورة إلى حياة مستقرة. الأمان الأولي لا يوفر وحده الماء والدواء والدخل والوثيقة، ولا يعيد للأسرة قدرتها على التخطيط للمستقبل.

تكشف شهادات المشاركين أن اللجوء ليس لحظة عبور، بل حياة يومية تتشكل داخل طوابير المياه، وغرف الانتظار في العيادات، والأسواق الضعيفة، ومكاتب التسجيل. وفي كل واحدة من هذه المساحات، تتحدد قدرة الشخص على استعادة شيء من السيطرة التي انتزعتها الحرب.

غدًا، سيستيقظ صباح قبل شروق الشمس ويحمل أوعيته إلى نقطة المياه مرة أخرى. والسؤال الذي يواجهه لا يتعلق بالعودة إلى السودان وحدها، بل بما إذا كان يومه الحالي سيمنحه ما يكفي من الماء والوقت والكرامة حتى يبدأ يومًا جديدًا.

المصادر

  1. قاعدة بيانات استبيان اللاجئين السودانيين، جُمعت بين 31 ديسمبر 2025 و1 أبريل 2026.
  2. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السودانيين 2026.
  3. منظمة الأمم المتحدة للطفولة: أزمة شرق تشاد — تكلفة التقاعس، أبريل 2026.
  4. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: بوابة بيانات أوغندا.
  5. إدارة خدمات اللاجئين في كينيا: خطة شيريكا.
  6. المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: معلومات التسجيل واللجوء في جنوب السودان.
سودان ستوري — كل حكاية تستحق أن تُروى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *