بدأ الخلاف بغياب مسؤول تنفيذي عن مناسبة لتكريم ضابط في الجيش، ثم تحوّل إلى اختبار للولاء ومطالبة بتغيير المسؤول، قبل أن تتدخل الإدارة الأهلية لاحتواء التصعيد. وبين البداية والنهاية ظهرت صورة أكثر عمقاً لسؤال السلطة في السودان الذي يصنعه النزاع المسلح.
خشم القربة: سودان ستوري
بدأ الأمر بغياب عن مناسبة.
لكن في السودان الذي أعاد النزاع المسلح توزيع القوة داخله، يمكن لكرسي فارغ أن يكشف أكثر مما تكشفه خطابات طويلة عن شكل الدولة وحدود السلطة فيها.
غاب محمد طاهر شيبة، المدير التنفيذي لمحلية خشم القربة، عن مناسبة لتكريم الرائد طارق التجاني، أحد ضباط الفرقة 11 مشاة. وفي نهاية خطاب طويل، انتقل قائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل من الاحتفاء بالضابط إلى انتقاد شيبة، ثم ربط غيابه بالموقف من القوات المسلحة، قبل أن يخاطب والي كسلا مطالباً عملياً بمدير تنفيذي آخر.
بعد أيام، لم تكن المؤسسة التنفيذية هي التي تتصدر محاولة إنهاء الأزمة.
كان الناظر محمد الأمين ترك.
وبين خطاب كيكل ومؤتمر ترك ظهرت قصة أكبر من خلاف رجلين: من يملك القرار في الدولة عندما يصبح السلاح مصدراً للنفوذ السياسي والاجتماعي؟
لماذا كان طارق مهماً؟
لفهم غضب كيكل، لا بد من العودة إلى الجزء الأول من خطابه.
قدم الرائد طارق التجاني باعتباره ضابطاً ارتبط بتاريخ العلاقة بين قوات درع السودان والجيش. قال إن طارق كان من أوائل ضباط القوات المسلحة الذين تواصلوا معهم خلال ترتيبات انضمام الدرع إلى الجيش، وإنه ظل قريباً من القوة في مراحل صعبة من النزاع المسلح.
استعاد كيكل وقائع قال إن طارق تدخل خلالها لمتابعة أفراد من الدرع جرى توقيفهم في مناطق مختلفة، وتفقد جرحاهم ومصابيهم، وساعد في متابعة علاج بعضهم.
وقال إن الضابط حافظ على ثقته في القوة حتى بعد معركة تمبول، في وقت «شك» آخرون فيها.
لهذا لم يكن التكريم بالنسبة لكيكل مجرد مناسبة اجتماعية. كان تكريماً لضابط يعتبره جزءاً من قصة انتقال درع السودان إلى القتال إلى جانب الجيش.
هذه الخلفية تفسر قيمة المناسبة في نظره.
لكنها لا تمنح قائد قوة مسلحة سلطة على مسؤول تنفيذي.
وهنا تبدأ المشكلة.
من الغياب إلى الولاء
قال كيكل إنه دعا شيبة بنفسه:
«أنا ادعيته بنفسي، أنا ادعيته بنفسي ما أرسلت الدعوة».
وأضاف أنه توقع أن يجد المدير التنفيذي ولجنة أمن المحلية في مقدمة الحضور.
ولا تزال رواية شيبة بشأن أسباب الغياب غير متاحة لـ«سودان ستوري». أرسلت المنصة رسائل إلى هواتف الأطراف المعنية للحصول على رواياتهم المباشرة، لكنها لم تتلق رداً أو إشارة استلام حتى وقت النشر.
غير أن حديث كيكل نفسه واضح في ما جرى بعد ذلك.
لم يقف عند القول إن شيبة كان ينبغي أن يحضر المناسبة.
قال إن التكريم للقوات المسلحة وإنه مخصص لضابط في الجيش، وأضاف:
«ومن ضد القوات المسلحة نحن بنقف ضده».
ثم صعّد خطابه أكثر:
«ومن يرفض أي حاجة للقوات المسلحة بنطأه بجزمتنا، مهما كان مكانتك ومهما كان مكانك اللي إنت فيه».
وبعد ذلك مباشرة خاطب والي كسلا قائلاً:
«أدي القرية من يشبهها… أدي القرية مدير تنفيذي يشبه الوجوه الكريمة».
هنا انتهت قصة الغياب.
لم يعد الأمر مسألة بروتوكول أو عتاب على مسؤول لم يحضر تكريماً.
تحول الغياب إلى اختبار للولاء، وتحول الولاء المفترض إلى مبرر للمطالبة بتغيير مسؤول مدني.
وهذه هي النقطة التي تستحق الوقوف عندها.
الجيش ليس الدولة
في دولة المؤسسات، لا يحتاج المدير التنفيذي إلى شهادة ولاء من قائد عسكري حتى يحتفظ بمنصبه.
قد يخطئ المسؤول، وقد يقصّر، وقد يستوجب إعفاءه. لكن الجهة التي تفعل ذلك هي المؤسسة التي تملك قانوناً تقييم أدائه ومحاسبته وإقالته.
القوات المسلحة مؤسسة من مؤسسات الدولة.
وليست الدولة نفسها.
والقوات المساندة للجيش لا تتحول، بسبب مشاركتها في النزاع المسلح، إلى جهة تمنح المسؤولين المدنيين شهادة الصلاحية أو تسحبها منهم.
لهذا تتجاوز خطورة عبارة «بنطأه بجزمتنا» خشونة اللغة.
العبارة تختصر تصوراً للسلطة تصبح فيه القوة المسلحة في موقع أعلى من المؤسسة المدنية؛ وتصبح علاقة المسؤول بالجيش معياراً للحكم على أهليته في موقع حكومي.
وإذا أصبح هذا المنطق مقبولاً مع مدير محلية، فلن تكون حدود تطبيقه واضحة غداً.
يمكن أن يكون المستهدف مسؤولاً آخر، أو قاضياً، أو صحفياً، أو مواطناً يعترض على قرار صادر من مؤسسة عسكرية.
الدولة المدنية لا تقوم على أن تمنح القوات المسلحة بقية مؤسساتها حق العمل.
العكس هو الأصل: الدولة المدنية هي التي تمنح الجيش سلطته، وتحدد اختصاصه، وتخضعه للقانون.
هل كان شيبة ضد الجيش؟
حتى الوقائع المتاحة لا تقدم أساساً بسيطاً لهذا الاستنتاج.
سبق لشيبة أن تحدث علناً عن دعم المحلية للقوات المسلحة، وعن المستنفرين ومعسكرات الإسناد والتنسيق مع أجهزة الجيش والأمن، كما شاركت المحلية خلال النزاع المسلح في أنشطة لدعم القوات المسلحة.
لا تثبت هذه الوقائع لماذا غاب عن تكريم طارق التجاني.
لكنها تكفي لإظهار أن تحويل الغياب وحده إلى موقف من الجيش قفزة لا تسندها الوقائع المتاحة.
وتداولت منصات محلية روايات عن خلافات سابقة مرتبطة بالمدير التنفيذي والرائد طارق، لكن بعضها جاء محملاً باتهامات ومواقف لم تتمكن «سودان ستوري» من التحقق منها بصورة مستقلة.
لذلك يبقى سبب الغياب غير محسوم.
أما خطاب كيكل، فموثق.
ترك يدخل على الخط
حين تصاعدت الردود، انتقلت الأزمة إلى الإدارة الأهلية.
قال الناظر محمد الأمين ترك، في مؤتمر صحفي، إن حديث كيكل الموجه إلى شيبة أثار «استياءً كبيراً جداً» و«رفضاً كبيراً جداً»، وإنه لم يكن متوقعاً من قائد درع السودان.
لكنه رأى خطراً آخر يتشكل حول القضية: انتقال الخلاف من كيكل وشيبة إلى الشكرية والبطاحين.
تحدث ترك عن العلاقات التاريخية بين المكونات، وعن اتصال جرى بينه وبين ناظر الشكرية، وانتقد كذلك ردوداً تصعيدية صدرت من بعض الأفراد.
ثم دعا بوضوح إلى وقف التراشق في وسائل التواصل الاجتماعي.
ووضع الحل في إطار المصالحة.
كيكل وشيبة، كما قال، «أولادنا»، وينبغي جمعهما حتى يعودا «إخوان زي ما كانوا في السابق».
من زاوية منع التوتر الاجتماعي، تبدو الوساطة مفهومة وربما ضرورية.
لكنها لا تجيب عن السؤال المؤسسي.
الوساطة توقف الفتنة.. ولا تصلح ميزان السلطة
هنا تظهر المفارقة.
بدأ النزاع بين قائد قوة مسلحة ومسؤول في جهاز الدولة التنفيذي.
لكن حين اتسع الخلاف، لم تتصدر مؤسسة حكومية النقاش لتحديد ما إذا كان المدير التنفيذي قد قصّر، أو ما إذا كان قائد القوة تجاوز حدود اختصاصه.
تحرك النظار.
ثم العمد والوكلاء.
ثم اتصالات الزعامات الأهلية.
وأصبح الهدف هو إصلاح العلاقة بين الرجلين.
يمكن لهذه الآلية أن تنجح في وقف التصعيد.
لكن المصالحة بين كيكل وشيبة، إن حدثت، لن تحسم السؤال عن حق قائد مسلح في المطالبة بتغيير مسؤول مدني.
فالوساطة الأهلية تدير أثر الأزمة اجتماعياً، لكنها لا تصحح بالضرورة الخلل الذي أنتجها مؤسسياً.
كيف يصنع النزاع المسلح السلطة؟
ما حدث في خشم القربة ليس مجرد نزاع محلي.
إنه نافذة صغيرة على التحول الأكبر الذي أحدثه النزاع المسلح.
هناك مؤسسات حكومية لم تختفِ.
وهناك قوى مسلحة اكتسبت، من خلال النزاع المسلح، نفوذاً سياسياً واجتماعياً يتجاوز الميدان.
وهناك إدارة أهلية تعود إلى مقدمة المشهد عندما تفشل الحدود بين الاثنين في ضبط العلاقة.
قال ترك إن الناس في شرق السودان ينظرون إلى كيكل باعتباره «واحداً من القيادات والقادة بالنسبة للمنطقة الشرقية».
هذه العبارة مهمة.
فالنزاع المسلح لا ينتج المقاتلين فقط.
إنه ينتج المكانة أيضاً.
القائد الذي يملك القوة ويشارك في المعارك يمكن أن يتحول تدريجياً إلى صاحب رأي في الإدارة والسياسة والمجتمع، حتى من دون أن تمنحه القوانين هذه الصلاحيات.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي على فكرة الدولة.
الخطر الحقيقي يتشكل حين تبقى المؤسسات قائمة شكلياً، بينما ينتقل جزء من سلطتها الفعلية إلى من يملك السلاح أو القدرة على الحشد.
من يملك الدولة؟
قد يجلس كيكل وشيبة.
وقد تنتهي الأزمة بمصافحة.
وقد تختفي القضية من منصات شرق السودان كما ظهرت سريعاً.
لكن السؤال الذي كشفت عنه سيبقى.
إذا أخطأ مسؤول تنفيذي، من يحاسبه؟
وإذا رأى قائد قوة مسلحة أن مسؤولاً مدنياً لا يؤدي دوره، أين تنتهي حرية النقد وأين تبدأ سلطة المؤسسة؟
ومن يقرر إن كان المسؤول «يشبه» منطقته أم لا؟
الأخطر أن يتحول دعم الجيش من موقف سياسي أو وطني قابل للنقاش إلى معيار للشرعية داخل مؤسسات الدولة.
الجيش في الدولة المدنية يخضع لسلطة القانون مثل بقية المؤسسات. والمؤسسات المدنية تستمد شرعيتها من الدستور والقانون، وليس من موقف القوات المسلحة. وتحديد من يستحق موقعاً عاماً يبقى شأناً مؤسسياً وقانونياً، بعيداً عن الهتاف أو السلاح.
ما كشفته خشم القربة ليس فقط اتساع نفوذ السلاح أثناء النزاع المسلح.
إنه خطر تحوله إلى سلطة فوق المؤسسات.
والسودان الذي يريد الخروج من النزاع المسلح لا يحتاج إلى دولة تستمد شرعيتها من الجيش.
يحتاج إلى جيش يستمد سلطته من دولة مدنية، وإلى قانون يحكم المسؤول والجندي والقائد والمواطن معاً.
أما «الوطء بالجزمة»، فليس لغة دولة.
إنه نقيضها.

