في أمسية تدشين سبعة كتب لد. هشام عمر النور، تحولت أسئلة النظرية النقدية والشعر إلى نافذة على النزاع المسلح والمنفى والتعليم ومستقبل الثقافة السودانية
تقرير: محمد عبدالرحمن ومقام آدم
في كمبالا، حيث يلتقي المطر الاستوائي بطرقات مدينة لا تهدأ، وحيث تبدو الخضرة كأنها جزء من الذاكرة لا من الطبيعة وحدها، جلس سودانيون مساء الاثنين 24 أغسطس 2026، في مقر منظمة «ديفلوبمنت هاب» في بوكوتو، حول منصة لم تكن تشبه كثيرًا منصات الفعاليات الثقافية المعتادة.
كمبالا ليست مجرد مكان مؤقت للسودانيين الذين حملهم النزاع المسلح بعيدًا عن بلادهم. مثل كثير من مدن المنفى، صارت مكانًا يمكن فيه للسوداني أن يرى بلده من مسافة مختلفة؛ لا بوصفه بيتًا فقط، بل فكرة تحتاج إلى أن تُفهم.
في تلك الأمسية، بدت المدينة أقل كعاصمة تستضيف سودانيين، وأكثر كمساحة مؤقتة يستطيع فيها السودان أن يجلس بعيدًا قليلًا عن نفسه، كي يفكر فيها.
على طاولة تقابل المدخل، كانت سبعة كتب لد. هشام عمر النور.
ستة منها تتحرك في فضاء الفلسفة والنظرية النقدية: «الضرورة النظرية لتجاوز الماركسية إلى النظرية النقدية»، و«النظرية النقدية في الممارسة: رؤية مغايرة لبعض قضايانا المعاصرة»، و«النظرية النقدية كنظرية للتحرر»، و«اليسار الديمقراطي وإعادة بناء الحداثة»، و«حوارات النظرية النقدية: الفلسفة، النسوية، وقضايا معاصرة»، و«فلسفة التكنولوجيا والحداثة البديلة».
وإلى جوارها، كان ديوان الشعر «حقيقة العالم وظلالها».
تكشف العناوين وحدها اتساع المساحة التي يتحرك فيها مشروع هشام: من الماركسية والنظرية النقدية إلى التحرر والممارسة، ومن الحداثة واليسار الديمقراطي إلى النسوية والتكنولوجيا، ثم الشعر.
تتعدد الموضوعات وتختلف الأسئلة التي تطرحها الكتب. جمعها على طاولة واحدة يفتح مع ذلك سؤالًا أوسع: كيف نفهم العالم؟ وكيف نفهم الإنسان داخله؟ وماذا يحدث عندما تصبح الأدوات التي اعتدنا استخدامها لفهم الواقع أقل قدرة على تفسير واقع يتغير أمامنا؟
هنا يبدو وجود ديوان الشعر أقل غرابة مما قد يبدو للوهلة الأولى. يحمل الديوان لغة مختلفة عن الكتب الستة، مستقلة عنها في الشكل والوظيفة. يضع على الطاولة صوتًا آخر، يترك السؤال مفتوحًا في المنطقة التي تقصر فيها المفاهيم وحدها، أكثر مما يسعى إلى حسمه.
الظلال أولًا
ربما يكون من المناسب البدء من عنوان الديوان، لا من الكتب الفلسفية.
«حقيقة العالم وظلالها»
يوقظ العنوان، ولو من بعيد، أحد أقدم مشاهد الفلسفة: كهف أفلاطون، حيث يرى المقيدون الظلال على الجدار ويحسبونها العالم كله.
لكن عنوان هشام لا يضع الحقيقة في جهة والظلال في الجهة المقابلة. إنه يجمعهما بحرف عطف واحد: «و».
كأن الظل يشكل إحدى الطرق التي تظهر بها الحقيقة، أكثر من كونه نقيضها الدائم. وكأن فهم عالم — عالم كالسودان مثلًا — يقتضي النظر إلى ما يقع تحت الضوء، وإلى ما يحجبه أيضًا، وما يشوه صورته، وما يبقى خارجه.
وفي كمبالا، بعيدًا عن بلد يمزقه النزاع المسلح، يصعب أن يظل العنوان أدبيًا خالصًا.
يصعب الجزم من العنوان وحده بأن القصائد كُتبت عن النزاع المسلح أو تحت تأثيره. الكلمات، رغم ذلك، تُقرأ في سياقات جديدة. والسودان الذي يحمله كثير من الحاضرين معهم لم يعد جغرافيا فقط؛ إنه بلد كما عاشوه، وكما يتذكرونه، وكما تغير أمامهم، وكما يحاولون رؤيته الآن من مسافة المنفى.
حقيقة لها ظلالها.
ويصبح هذا الاحتمال أكثر وضوحًا حين يوضع الديوان إلى جوار الكتب الأخرى التي تتحرك بين النقد والتحرر والحداثة والممارسة والتكنولوجيا. الأسئلة التي طرحها هشام في حديثه خلال الأمسية كانت قريبة من ذلك كله: كيف نفكر؟ وبأي أدوات؟ وهل يمكن تغيير الواقع بالأدوات الفكرية نفسها التي ساهمت، بطريقة أو أخرى، في إنتاج أزماته؟
فرانكفورت تطل من النافذة
لفهم الطريق الذي جاءت منه هذه الأسئلة، يلزم «فلاش باك» قصير إلى ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي.
تأسس معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت عام 1923، ثم انتقل، مع تولي ماكس هوركهايمر إدارته، إلى مشروع فكري صار يُعرف لاحقًا بمدرسة فرانكفورت والنظرية النقدية.
كان السؤال يتجاوز تفسير المجتمع إلى نقد الآليات التي تنتج السلطة والهيمنة داخله، والعلاقة بين العقل والتحرر، وبين التقدم وقدرة المجتمعات الحديثة على إنتاج أشكال جديدة من السيطرة.
ومع صعود النازية، اضطر المعهد إلى المنفى.
في تلك السنوات كتب هوركهايمر وثيودور أدورنو «جدل التنوير»، في محاولة لفهم مفارقة قاسية: كيف يمكن للعقل الذي وُعد الإنسان بأنه سيحرره من الخوف والجهل أن يصبح، في صورته الأداتية، جزءًا من منظومة السيطرة؟
ثم نظر هربرت ماركيوز إلى الإنسان داخل مجتمع تضيق فيه قدرته على تخيل بديل، بينما حاول يورغن هابرماس لاحقًا استعادة إمكانات العقل من خلال التواصل والمجال العام؛ المساحة التي يستطيع فيها الناس أن يتكلموا ويتجادلوا ويختلفوا.
حضر هذا الأرشيف الأوروبي في كمبالا بوصفه سؤالًا حيًا يمكن نقله من فرانكفورت إلى السودان، أكثر من حضوره درسًا في تاريخ الأفكار:
ماذا يحدث حين تتحول المؤسسات والأفكار والأدوات التي يفترض أن تخدم الإنسان إلى أدوات لإخضاعه؟
في بلد تحولت فيه الدولة والقبيلة والسلاح والخطاب السياسي، في أوقات مختلفة، إلى أدوات للصراع، لا يعود السؤال بعيدًا تمامًا.
هكذا، لم تكن الفلسفة تنظر إلى السودان من الخارج. كان السودان نفسه يختبر، بتجربة أكثر خشونة، أسئلة السلطة والعقل والعنف والتحرر التي شغلت النظرية النقدية منذ نشأتها.
التفكير بوصفه فطرة مصادَرة
لم يكن د. هشام عمر النور يعرض كتبه كما يعرض المؤلفون عادة مؤلفاتهم. كان يعود باستمرار إلى سؤال أقدم من الكتب نفسها: كيف يتعلم الإنسان أن يفكر؟
في حديثه لـ«سودان ستوري»، وضع التفكير النقدي خارج حدود الفلسفة الأكاديمية.
بالنسبة إليه، التفكير النقدي حاجة مرتبطة بالناس كلهم، تتجاوز حدود الترف الفكري أو الاختصاص بالنخب، وينبغي أن تبدأ منذ رياض الأطفال والمدرسة الابتدائية؛ أن يتعلم الطفل كيف يفكر، لا ماذا يحفظ فقط.
ويقارن هشام بين نموذجين للتعليم: نموذج يراكم المعلومات، في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بضغطة زر، ونموذج يعلم الإنسان كيف يستخدم المعرفة في البحث، وكتابة الخطط، وحل المشكلات.
لكن المسألة، في رؤيته، لا تقف عند المدرسة.
فهو يربط جزءًا من أزمات المجتمع بطرق التفكير نفسها، ويرى أن القوى المسيطرة صممت، عبر مراحل مختلفة، أنماطًا من التعليم تساعد على إخضاع الناس. وفي الوقت نفسه، لا يعفي القوى التي تسعى إلى التغيير من مسؤوليتها؛ كان عليها، كما يقول، أن تؤهل نفسها وأن تساعد الناس على امتلاك أدوات التغيير.
وهنا ينتقل السؤال من التعليم إلى السلطة.
ماذا يحدث عندما لا يُعلَّم الإنسان كيف يفكر، وإنما يُدرَّب على استدعاء ما أُعطي له جاهزًا؟
ومن يكتب المناهج؟ وأي معرفة تتحول إلى حقيقة مستقرة؟ ومن يملك حق مساءلتها؟
يتعلق التفكير النقدي، بالنسبة إلى هشام، بالنظر إلى الأفكار التي تبدو طبيعية وبديهية، ومساءلة الشروط التي جعلتها تبدو كذلك، أكثر من تعلقه باكتشاف الخطأ وحده.
وفي السودان يصبح السؤال أكثر خشونة.
فالنزاع المسلح لم يبدأ من فراغ. خلفه تاريخ من اختلال بناء الدولة، وأزمات السلطة، والحروب الأهلية، والتهميش، وفشل الانتقال السياسي، وتراكم طويل من العجز عن تحويل الاختلاف إلى منافسة سياسية قابلة للحياة.
والنظر إلى النزاع المسلح باعتباره مواجهة عسكرية فقط قد يعني فقدان طبقة كاملة من القصة.
لذلك ربما لا يكون السؤال بعد النزاع المسلح هو: من سيعيد بناء ما تهدم؟
بل أيضًا: هل سنعيد بناء الشروط الفكرية والسياسية نفسها التي جعلت الخراب ممكنًا؟
عند هذه النقطة، تخرج الفلسفة من قاعة المحاضرات.
فالسؤال عن طريقة التفكير لا يعود مجردًا حين يتعلق بمجتمع يحاول أن يفهم لماذا وصل إلى النزاع المسلح، ولماذا عجز عن منعه، وكيف يمكنه الخروج منه.
وحين يدعو هشام القوى البديلة إلى أن «تؤهل» نفسها متجاوزة الاكتفاء بالاعتراض، فإنه ينقل النقاش من الشعار السياسي إلى التربية، ومن تغيير السلطة إلى تغيير الأدوات التي يفهم بها الإنسان السلطة والمجتمع ونفسه.
بهذا المعنى، يصبح التفكير النقدي عادة يومية؛ نوعًا من المناعة أمام الخطابات التي تطلب من الإنسان أن يسلم وعيه، قبل أن تطلب منه أن يسلم موقفه.
الثقافة حين تتحول إلى ذخيرة
لم تكن أمسية كمبالا تجري خارج ظل النزاع المسلح. كانت تقام فوق أزمة أعمق من مسألة النشر أو قدرة الكتاب والفنانين على الإنتاج: أزمة موقع الثقافة نفسها في بلد تحول فيه النزاع المسلح إلى لغة عامة.
في حديثه لـ«سودان ستوري»، يبدأ فيصل محمد صالح، وزير الثقافة والإعلام السابق، تشخيصه من قبل النزاع المسلح.
فالثقافة السودانية، كما يقول، كانت تعاني أصلًا من ضعف الإنتاج وضغوط الاقتصاد؛ حركة نشر محدودة، وإنتاج موسيقي ومسرحي ودرامي تصطدم باستمرار بنقص الإمكانات.
ثم جاء النزاع المسلح ودمر جانبًا كبيرًا مما تبقى، بما في ذلك البنية المادية التي يحتاجها الإنتاج الثقافي.
لكن الخسارة، في نظره، ليست مادية فقط.
فأجواء النزاع المسلح المشبعة بالكراهية والتعبئة تعطل الثقافة، وتعيد في الوقت نفسه تعريف وظيفتها. يتحول الفن إلى حشد، والكلمة إلى ذخيرة، ويُطلب من الثقافة أن تؤدي وظيفة داخل المعركة، بدل أن توسّع الوعي.
وهنا ترتد الأزمة من الإنتاج الثقافي إلى معنى الثقافة نفسه.
تتقاطع إفادة فيصل مع حديث هشام من دون أن تتعمد ذلك. فما يصفه فيصل بخطاب الكراهية والتعبئة يشبه، في لغة النظرية النقدية، لحظة تتحول فيها الأشياء من غايات لها قيمتها الذاتية إلى مجرد وسائل، حين يتحول الإنسان إلى وظيفة، وتتحول الثقافة إلى أداة، ويضيق المجال العام حتى يصبح ساحة حشد.
وحين يصبح المجال العام صدى للسلاح، لا تعود الفلسفة نشاطًا بعيدًا عن الواقع. تصبح محاولة لاسترداد اللغة من الاستخدام الوحيد الذي يريد النزاع المسلح أن يفرضه عليها.
يرى فيصل أن دور المثقفين في هذه اللحظة أساسي، لأن التفكير يسبق المعالجة.
وهي فكرة تبدو للوهلة الأولى صعبة في زمن تتقدم فيه حاجات أكثر إلحاحًا: الطعام، والأمن، والنزوح، والعلاج، والمأوى.
لكن السؤال الذي يضعه حديثه هو: هل يمكن معالجة آثار الكارثة من دون التفكير في الشروط التي صنعتها؟
بالنسبة إليه، يقع على المثقفين والكتاب والمفكرين دور في تحليل الواقع ومناقشته وإنتاج تصورات تساعد المجتمع على الانتقال إلى الأمام.
وهنا يلتقي مجددًا مع هشام: لا يمكن إعادة بناء الواقع من دون إعادة التفكير فيه.
وتتضح هنا مفارقة النزاع المسلح. فالفكر النقدي يحتاج إلى الاختلاف، لكن النزاع المسلح يضيق مساحة هذا الاختلاف. الأدب من جهته يقوم على تعدد الأصوات، في حين تميل التعبئة الحربية إلى تقسيم العالم بين معسكرين. أما الفلسفة فتبدأ بالسؤال، بينما تحتاج الدعاية غالبًا إلى يقين جاهز.
لذلك تصبح المحافظة على القدرة على السؤال، في حد ذاتها، شيئًا يستحق الدفاع عنه.
ثقافة تعيش خارج جغرافيتها
لا يتوقف حديث فيصل محمد صالح عند الداخل.
فالمنفى، رغم ما يحمله من خسارة وتكاليف نفسية واجتماعية، قد يوفر للمثقف بعض شروط الإنتاج التي أصبحت أكثر صعوبة داخل السودان.
وهجرة الإنتاج الثقافي السوداني إلى الخارج لم تبدأ مع هذا النزاع المسلح. فعلى مدى عقود، عمل كتاب وفنانون سودانيون خارج البلاد بحثًا عن دور نشر واستوديوهات وتقنيات وأسواق وبيئات إنتاج لم تكن متاحة بالقدر نفسه في الداخل.
لكن النزاع المسلح وسّع هذه الجغرافيا بصورة غير مسبوقة.
وأمسية كمبالا كانت واحدة من صورها: كتب وأفكار وثقافة سودانية تتحرك خارج السودان، لكنها لا تكف عن التفكير فيه.
كان الجمهور نفسه جزءًا من المشهد؛ أشخاص من الكتابة والسياسة والأكاديميا والعمل العام، وآخرون من ذلك الحيز الواسع الذي يمكن تسميته بالوسط الثقافي السوداني.
اجتمعوا في مدينة ليست مدينتهم الأصلية، ليستمعوا إلى أسئلة تبدو عالمية في صياغتها: العقل، والحداثة، والتحرر، والتكنولوجيا، والنقد.
لكن في سياق كهذا، كان من الصعب فصل هذه الكلمات عن البلد الذي جاء منه معظم الحاضرين.
أن يفكّر
كان سؤال «سودان ستوري» الأخير لد. هشام عمر النور بسيطًا:
إذا أردت أن يخرج القارئ من هذه الكتب كلها بسؤال واحد، لا بإجابة، فما هو؟
جاءت إجابته أقرب إلى تلخيص مشروع كامل: أن يغيّر القارئ طريقته في التفكير.
أن يمارس التفكير فعلًا حيًا في الحاضر، لا أن يستدعي إجابات جاهزة من الماضي.
فالفكرة، كما يراها، أن تغيير الأوضاع يبدأ بتغيير الطريقة التي ننظر بها إليها.
وفي نهاية أمسية طويلة، عادت القصة إلى النقطة التي بدأت منها.
إلى سبعة كتب على طاولة في كمبالا.
إلى بلد بعيد جغرافيًا، لكنه حاضر في معظم الأسئلة.
وإلى سودانيين دفعهم النزاع المسلح إلى مدن كثيرة، وأجبرهم على إعادة التفكير في أشياء كانوا يظنون أنها محسومة: الدولة، والسلطة، والهوية، والتعليم، والثقافة، وحتى معنى أن يكون للإنسان وطن.
لم تقدم الأمسية إجابة عن السودان.
وربما لم يكن مطلوبًا منها ذلك.
كان يكفي، في مدينة بعيدة عن الخرطوم، أن يجلس السودان قليلًا أمام أسئلته.
وأن يفكّر.

