بقلم عباس محمد إبراهيم
من حق الزميلة الصحفية المصرية صباح موسى أن تنتقد اجتماعات القوى السودانية المناهضة للنزاع المسلح، وأن تسأل عن تمثيلها وشرعيتها وموقفها من الحوار الذي تدعو إليه السلطة القائمة في بورتسودان. بل إن جانباً من الأسئلة التي تطرحها مشروع ويستحق النقاش: من يمثل المدنيين؟ ومن يملك حق الحديث باسم السودانيين؟ وهل يجوز لأي تحالف سياسي أن يحتكر المجال المدني أو يمنح نفسه شرعية أكبر من حجمه الحقيقي؟
كل هذا قابل للنقاش.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي من نقد تجربة سودانية إلى درس مصري في التعددية وعدم الإقصاء.
وهنا يحضر المثل السوداني بلا استئذان: عريان ولابس صديري.
تقول صباح إن الحوار الحقيقي يجب أن يضم مختلف السودانيين، وإنه لا يجوز لفريق واحد أن يحتكر تمثيل القوى المدنية. كلام جميل. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل هذه قاعدة سياسية عامة، أم وصفة صالحة للسودان وحده؟
إذا كان إقصاء تيار سياسي بسبب موقفه من الدولة أو العنف أو النظام الدستوري أمراً مرفوضاً من حيث المبدأ، فكيف نفهم التجربة المصرية نفسها مع جماعة الإخوان المسلمين؟
منذ 2013 حُظرت الجماعة في مصر وصُنفت تنظيماً إرهابياً، وأُبعد حزبها السياسي من المجال العام، ودخلت الدولة المصرية في مواجهة شاملة معها. وبصرف النظر عن موقفنا من الإخوان، وعن أخطائهم ومسؤوليتهم وتجربتهم في الحكم، فإن الحقيقة البسيطة هي أن مصر لم تبنِ نظامها السياسي الحالي على قاعدة: دعوا الجميع يجلسون إلى الطاولة ولا تقصوا أحداً.
وهنا يصبح السؤال ضرورياً:
لماذا يصبح الإقصاء في القاهرة “حماية للدولة”، بينما يصبح استبعاد بعض القوى في الخرطوم جريمة ضد الحوار؟
هذا الموقف لا يدافع عن إقصاء الإسلاميين في السودان أو يسعى لتبرئة أي طرف من تاريخه. السودان يحتاج إلى نقاش جاد حول من يشارك في العملية السياسية، وعلى أي أساس، وما الحدود الفاصلة بين المشاركة المدنية والمساءلة عن الجرائم وتقويض النظام الديمقراطي.
لكن السودانيين هم الذين يقررون ذلك.
هذا التفويض الأخلاقي لتوزيع شهادات الاعتدال على السودانيين لا يملكه الصحفي المصري أو المسؤول الخليجي أو المبعوث الدولي أو مركز الأبحاث الغربي.
الدولة ليست مبرراً جاهزاً في مصر وتهمة في السودان
تذهب صباح أبعد من ذلك حين تربط بين السلام وبين هزيمة الدعم السريع وخروجه من المعادلة السياسية والعسكرية، معتبرة أن استعادة الدولة مدخل ضروري للسلام.
هذا أيضاً موقف سياسي مفهوم.
لكن إذا قبلنا بهذه القاعدة، فعلينا أن نقبل بحق السودانيين الآخرين في طرح السؤال المقابل: أي دولة نقصد؟
هل هي الدولة التي كانت قائمة قبل 15 أبريل 2023 بكل اختلالاتها؟
هل هي دولة ما بعد 25 أكتوبر 2021؟
هل هي دولة يحتكر الجيش فيها القرار السياسي والاقتصادي؟
أم دولة جديدة تخضع فيها القوات المسلحة، وكل التشكيلات العسكرية، لسلطة دستورية مدنية؟
لا يكفي أن تقول للسودانيين: “استعيدوا الدولة”.
السودانيون يتقاتلون منذ عقود، في جانب كبير من أزمتهم، حول تعريف هذه الدولة نفسها، ومن يملكها، ومن يحمل السلاح باسمها، ومن يقرر من هو المتمرد ومن هو المواطن الكامل.
هذه ليست تفاصيل يمكن حذفها بجملة تلفزيونية عن “استعادة الدولة”.
نعم، اسألوا حمدوك.. لكن اسألوا القاهرة أيضاً
ليس لدينا أي اعتراض على إخضاع عبد الله حمدوك أو خالد عمر يوسف أو محمد الفكي أو وجدي صالح أو مبارك الفاضل أو المؤتمر الشعبي أو عبد الواحد محمد نور أو أي قوة أخرى للأسئلة الصعبة.
من فوضكم؟
ما حجمكم الحقيقي؟
من يدفع كلفة اجتماعاتكم؟
لماذا تجتمعون خارج السودان؟
ما علاقتكم بالمجتمع الدولي؟
وهل ترفضون الحوار داخل السودان لأنه غير آمن فعلاً أم لأنه لا يناسب حساباتكم السياسية؟
هذه أسئلة صحفية مشروعة، ويفترض ألا يخشاها أحد.
لكن الصحافة لا تعمل بعين واحدة.
فعندما يأتي السؤال من مصر، يصبح من المشروع أيضاً أن نسأل:
ما تصور الدولة المصرية نفسها لمستقبل السياسة في السودان؟
هل تريد فعلاً مجالاً سياسياً مفتوحاً لكل السودانيين؟
هل يشمل ذلك الإسلاميين الذين تعتبرهم القاهرة امتداداً لخصمها الداخلي؟
هل تقبل مصر بعملية سياسية سودانية تأتي بنتائج لا تتفق مع تصوراتها الأمنية؟
وهل التعددية قيمة في ذاتها، أم تصبح مقبولة فقط عندما تنتج قوى تعتبرها القاهرة “مناسبة”؟
هذه الأسئلة ببساطة نهاية زمن الأسئلة من اتجاه واحد، لا عداء لمصر.
نحن جيل ما بعد ديسمبر
هناك شيء تغير في السودان بعد ثورة ديسمبر ربما لم تدركه بعد أجزاء من النخبة السياسية والإعلامية في دول الجوار.
نشأ جيل سوداني ينظر إلى مصر بطريقة مختلفة.
هذا الجيل لا يريد العداء مع مصر أو بناء جدار نفسي بين الشعبين. هو أكثر إدراكاً من أجيال سابقة لضرورة الحوار الحقيقي بين السودانيين والمصريين، ولعمق المصالح والتاريخ والجغرافيا التي تجعل العلاقة بين البلدين أكبر من أن تُختزل في سجالات الحكومات.
لكن هذا الجيل أيضاً أقل استعداداً لقبول الوصاية.
يريد علاقة بين دولتين، لا علاقة مركز بأطرافه.
يريد حوار شعبين، لا محاضرة من شعب لشعب.
ويريد من الصحافة المصرية أن تناقش السودان بوصفه بلداً مستقلاً يمتلك تعقيداته وصراعاته وتجربته، لا بوصفه ملفاً في الأمن القومي المصري يحتاج إلى من يشرح لأهله أين تقع مصلحتهم.
من صلاح سالم إلى اليوم
هذه الحساسية ليست بلا تاريخ.
في خمسينيات القرن الماضي، أُوكل ملف السودان في مجلس قيادة الثورة المصرية إلى الصاغ صلاح سالم، الذي تحرك بين الأحزاب والقيادات السودانية ضمن محاولة القاهرة الحفاظ على مشروع الوحدة والتأثير في ترتيبات السودان قبيل الاستقلال. وتروي مصادر تاريخية مصرية وسودانية كيف تحولت طريقة إدارة ذلك الملف نفسها إلى جزء من أزمة العلاقة، وانتهى السودان في النهاية إلى اختيار الاستقلال الكامل في الأول من يناير 1956.
ذلك الزمن انتهى.
والسودانيون اليوم ليسوا في حاجة إلى صلاح سالم جديد، سواء بزي عسكري أو بعمود صحفي.
يمكن لمصر أن تكون أهم شريك للسودان. ويمكن للصحافة المصرية أن تلعب دوراً بالغ الأهمية في بناء فهم متبادل بين الشعبين. لكن الشرط الأول لذلك هو مغادرة مقعد الوصي.
نعم، انتقدوا القوى المناهضة للنزاع المسلح.
انتقدوا حمدوك.
انتقدوا الإسلاميين.
انتقدوا الجيش والدعم السريع.
ناقشوا تناقضات السودانيين كما تشاؤون.
لكن لا تحدثونا عن فضائل عدم الإقصاء وكأن التجربة المصرية مختبر مفتوح للتعددية السياسية، أو تعلمونا كيف نختار من يجلس إلى مائدتنا بينما أبواب موائدكم السياسية مغلقة أمام خصومكم منذ سنوات.
الحوار قيمة لا تتجزأ.
ومن يريد أن يدعو السودانيين إلى قبول خصومهم، عليه أولاً أن يكون مستعداً للإجابة عن السؤال البسيط: هل تقبلون أنتم بخصومكم؟
هذا هو النقاش الذي يستحق أن يبدأ بين جيل جديد في السودان وجيل جديد في مصر: علاقة بلا عقد تاريخية، وبلا استعلاء، وبلا خوف، ولكن أيضاً بلا وصاية.
لقد انتهى زمن أن يأتي أحد من القاهرة ليشرح للسودانيين من يمثلهم، ومن ينبغي أن يحاوروه، وما هي الدولة التي يجب أن يقاتلوا من أجل استعادتها.
انتهى عهد الصاغ صلاح سالم.
ومن الأفضل للجميع أن يتعاملوا مع السودان على هذا الأساس.
كل حكاية تستحق أن تُروى — Sudan Story

