إعداد: سودان ستوري
حظر سويسري جديد يستهدف شراء واستيراد وعبور الذهب السوداني، ويشمل – بحسب تأكيد السلطات لمنظمة «سويس إيد» – الذهب الذي يصل عبر دولة ثالثة. وفي الخرطوم، يقول وزير المالية جبريل إبراهيم إن أكثر من 80% من إنتاج الذهب يأتي من التعدين الأهلي البعيد عن السيطرة الكاملة للدولة. بين النقطتين يظهر التحدي الحقيقي: كيف يمكن تتبع منشأ الذهب بعد خروجه من السودان ومروره بأحد أكبر مراكز تجارته في العالم؟
منذ 10 سبتمبر، أصبح شراء الذهب السوداني واستيراده وعبوره محظوراً في سويسرا.
القرار الذي اتخذه المجلس الفيدرالي جاء لمواءمة العقوبات السويسرية مع إجراءات الاتحاد الأوروبي، الذي كان قد فرض في يوليو قيوداً جديدة تستهدف الذهب بوصفه أحد الموارد المرتبطة باقتصاد النزاع المسلح في السودان. كما تشمل الإجراءات السويسرية الخدمات والتمويل المرتبطين بالذهب، وحظر توريد بعض المواد المستخدمة في استخراجه إلى السودان.
غير أن قيمة القرار الحقيقية تتجاوز وقف طريق مباشر بين السودان والمصافي السويسرية، إذ لم يكن هذا الطريق يمثل مصدر القلق الأكبر أصلاً.
الاختبار يبدأ عندما يغادر الذهب السودان، ويدخل سوقاً ثالثة، ثم يعاد تصديره من هناك.
الحظر يتبع المنشأ
تنص قواعد الاتحاد الأوروبي، التي حاذتها سويسرا، على حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إذا كان منشؤه السودان وخرج منه إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى دولة ثالثة بعد دخول الإجراءات حيز التنفيذ.
وفي سويسرا، أكدت أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية لمنظمة «سويس إيد» أن الحظر يشمل كذلك واردات الذهب السوداني القادمة عبر بلدان ثالثة.
هذه النقطة تنقل المسألة من سؤال بسيط – هل تستورد سويسرا ذهباً من السودان؟ – إلى سؤال أصعب بكثير: هل تستطيع سويسرا معرفة الذهب السوداني إذا وصل إليها باسم دولة أخرى؟
ثمانية أطنان.. وما وراء الرقم
توضح بيانات بنك السودان لماذا يكتسب السؤال أهمية.
ففي النصف الأول من 2026 صدّر السودان رسمياً نحو 8.032 أطنان من الذهب بقيمة 1.135 مليار دولار، وأصبح المعدن أحد أهم مصادر حصائل الصادر والنقد الأجنبي في البلاد.
لكن الأرقام الرسمية للصادرات لا تكشف وحدها حجم الذهب المنتج أو كل الطرق التي يغادر بها البلاد.
وجاء إقرار لافت بهذه المشكلة من داخل الحكومة نفسها.
ففي حديثه أمام «ملتقى الإعلاميين السودانيين» بالخرطوم هذا الأسبوع، قال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم إن الذهب أدى خلال الفترة الماضية دوراً أساسياً في توفير احتياجات البلاد من الصادرات والنقد الأجنبي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن أكثر من 80% من الإنتاج يأتي من قطاع التعدين الأهلي التقليدي البعيد عن السيطرة الكاملة للدولة.
وقال الوزير إن الحكومة تتدرج في تطبيق سياسات لدمج هذا القطاع وضبط حركته المالية.
ويمنح هذا التصريح القصة بعداً يتجاوز مشكلة التهريب التقليدية.
فعندما يكون أكثر من أربعة أخماس الإنتاج في قطاع يصعب على الدولة إخضاعه للرقابة الكاملة، تصبح معرفة كمية الذهب المنتجة، ومَن يشتريها، وكيف تتحرك داخلياً وعبر الحدود، جزءاً أساسياً من المشكلة التي ستواجه العقوبات الجديدة.
فالسلطات السويسرية تستطيع مراقبة ما يصل إلى حدودها، لكنها تعتمد في النهاية على قدرة سلسلة التوريد كلها على إثبات المكان الذي بدأ منه الذهب رحلته.
فجوة بين الإنتاج والصادرات
وتقدر «سويس إيد» إنتاج السودان من الذهب بنحو 80 إلى 90 طناً سنوياً، بينما أُعلن رسمياً عن إنتاج أكثر من 70 طناً في 2025، في مقابل صادرات رسمية بلغت نحو 14.7 طناً فقط.
ولا يجوز اعتبار الفارق كله ذهباً مهرباً.
فالمقارنة بين الإنتاج والصادرات تتأثر بالمخزونات والاستهلاك المحلي والفترات الزمنية وطرق احتساب البيانات. لكن الفجوة الكبيرة، إلى جانب حديث وزير المالية عن وقوع أكثر من 80% من الإنتاج خارج السيطرة الكاملة للدولة، تكشف لماذا لا تستطيع سجلات الصادر الرسمية وحدها تفسير حركة الذهب السوداني.
والسؤال الذي يهم العقوبات يبدأ تحديداً من الجزء الذي لا يظهر بوضوح في هذه السجلات: إلى أين يذهب؟
دبي في المنتصف
في 2024 استوردت الإمارات، وفق بيانات التجارة التي حللتها «سويس إيد»، 29 طناً من الذهب مباشرة من السودان، مقابل 17 طناً في 2023.
وفي العام نفسه سجلت الإمارات واردات كبيرة من دول مجاورة للسودان، بينها 27 طناً من مصر و18 طناً من تشاد وتسعة أطنان من ليبيا.
ولا يجوز افتراض أن الذهب القادم من تلك الدول سوداني المنشأ لمجرد أنها تجاور السودان. لكن هذه التدفقات توضح حجم التحدي الذي تواجهه أي منظومة تحاول إثبات بلد المنشأ الحقيقي للمعدن.
ثم يأتي الطرف الآخر من الطريق.
ففي 2025 استوردت سويسرا 420 طناً من الذهب من الإمارات بقيمة 38.9 مليار فرنك سويسري، أي قرابة ثلاثة أضعاف الكمية المسجلة في العام السابق.
وخلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، استوردت بالفعل 233 طناً إضافياً من الإمارات بقيمة 27.8 مليار فرنك.
وهذه الأرقام لا تعني أن هذه الكميات ذهب سوداني، إذ لا تسمح البيانات المتاحة بحساب نسبة الذهب السوداني داخل صادرات الإمارات إلى سويسرا. لكنها تكشف الحجم الهائل للممر التجاري الذي ينبغي مراقبته إذا كان الهدف منع وصول ذهب ذي منشأ سوداني عبر دولة ثالثة.
عندما تتغير هوية الذهب
تكمن المشكلة في طبيعة المعدن نفسه.
فالذهب يمكن أن ينتقل من تاجر إلى آخر، ويُصهر أو يكرر ويخلط بكميات أخرى قبل إعادة تصديره. وعندما يدخل مركزاً دولياً ضخماً للتجارة والتكرير مثل دبي، يصبح إثبات مساره السابق معتمداً على وثائق سلسلة التوريد والعناية الواجبة، لا على شكل السبيكة أو اسم الدولة المصدرة الأخيرة وحدهما.
وقد حذرت «سويس إيد» مراراً من هذه الفجوة، معتبرة أن الذهب الأفريقي الذي يصل إلى دبي ثم يعاد تصديره إلى سويسرا يمكن أن يصعب تتبع منشئه الحقيقي إذا لم تكن سلسلة الموردين موثقة بصورة كافية.
ولهذا رحبت المنظمة بالحظر الجديد، لكنها قالت إن فعاليته ستعتمد على قوة الرقابة، وطالبت بمزيد من الشفافية حول الموردين وسلاسل التوريد.
اعترافان بمشكلة واحدة
من الخرطوم إلى برن، تبدو المشكلة من زاويتين مختلفتين.

وزير المالية السوداني يقول إن أكثر من 80% من الإنتاج يأتي من تعدين أهلي لا تسيطر عليه الدولة بصورة كاملة، وإن الحكومة تحاول إدماجه وضبط حركته المالية.
وفي سويسرا، تقول الجهات الداعمة للحظر إن نجاح القرار يتطلب معرفة المنشأ الحقيقي للذهب الذي يصل عبر مراكز إعادة التصدير.
غير أن هذا لا يعني أن كل الذهب الخارج عن السيطرة الحكومية يصل إلى الإمارات أو سويسرا، إذ لا تتوفر بيانات تسمح بهذا الاستنتاج.
لكن النقطتين تلتقيان عند فجوة واحدة: ضعف القدرة على تتبع المعدن منذ لحظة إنتاجه وحتى دخوله السوق الدولية.
العقوبة سهلة.. والتتبع أصعب
تقول الحكومة السويسرية إن متطلبات للعناية الواجبة مطبقة بالفعل على مستوردي الذهب والمعادن النفيسة، وتهدف، ضمن أمور أخرى، إلى منع الاتجار بموارد النزاعات.
لكن القرار الجديد يضع هذه الآليات أمام اختبار عملي.
فمنع شحنة تأتي بوثائق تشير مباشرة إلى السودان مسألة واضحة نسبياً.
أما إثبات أن سبيكة وصلت من دبي تحتوي على ذهب خرج قبل ذلك من السودان، فمسألة مختلفة.
ولهذا فإن 10 سبتمبر ليس نهاية الطريق أمام الذهب السوداني، بل بداية اختبار على جانبي السلسلة معاً: هل تستطيع السودان ضبط الذهب قبل خروجه، وهل تستطيع الأسواق التي تستقبله معرفة مصدره بعد خروجه؟
فإذا كان أكثر من 80% من الإنتاج، وفق وزير المالية نفسه، يأتي من قطاع لا يزال بعيداً عن السيطرة الكاملة للدولة، ثم يستطيع الذهب أن يعبر الحدود ويُباع ويُصهر ويعاد تصديره، فإن نجاح العقوبات سيُقاس بقدرتها على معرفة الذهب السوداني حتى بعد أن يتوقف عن حمل اسم “السودان” في وثائقه، أكثر مما سيُقاس بقدرتها على مجرد منع الكلمة من الظهور في وثائق الاستيراد.

