تحليل سياسي
ما وراء الخبر

تقرير: عباس محمد إبراهيم

من مجلس السيادة إلى لجنة إزالة التمكين، ثم انقلاب 25 أكتوبر والحرب.. أصوات سياسية وصحفية تعيد قراءة تجربة 2019 وتسأل: هل كان الصراع على السلطة أم على طبيعة الدولة نفسها؟

في 21 أغسطس 2019، شهد القصر الجمهوري في الخرطوم أداء رئيس وأعضاء مجلس السيادة الانتقالي القسم، في واحدة من أكثر لحظات ما بعد سقوط نظام عمر البشير كثافة بالرمزية. وبعد سبع سنوات، تبدو الصورة أبعد مما توحي به المسافة الزمنية وحدها: انقلاب في 25 أكتوبر 2021، ثم نزاع مسلح مفتوح منذ أبريل 2023، وانهيار مؤسسات الانتقال التي حملت آنذاك وعوداً بإعادة بناء الدولة.

لكن بعض رموز تلك المرحلة ما زالوا يتحركون داخل المشهد السياسي نفسه.

في 21 أغسطس الجاري، التقت «سودان ستوري» في مطار نيروبي محمد الفكي سليمان، العضو السابق في مجلس السيادة والرئيس المناوب للجنة إزالة التمكين، برفقة وجدي صالح، وهما في طريقهما إلى أديس أبابا.

المشهد العابر أعاد سؤالاً ظل ملازماً لتجربة الانتقال: ما الذي بقي فعلياً من مؤسسات 2019، وما الذي تحول منها إلى رصيد سياسي بعد سقوط الشراكة المدنية–العسكرية؟

في حديث سابق، طرح قيادي حزبي تقديراً لافتاً: أن القوى المدنية، لولا لجنة تفكيك التمكين، ربما لم تكن لتجد كثيراً مما تتكئ عليه سياسياً عقب انقلاب 25 أكتوبر.

تبدو العبارة، للوهلة الأولى، حكماً كبيراً على مؤسسة أثارت انقساماً واسعاً، لكنها تفتح باباً لفهم سبب استمرار اللجنة في قلب السجال السياسي حتى بعد توقفها.

«أنجح مؤسسات الانتقال»

الصحفي أشرف عبد العزيز يذهب أبعد من ذلك، إذ يعتبر لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة «أنجح مؤسسات الفترة الانتقالية»، ويرى أنها، رغم تأخرها، استطاعت في وقت وجيز كشف حجم واسع من الفساد وشبكات المصالح المرتبطة بالنظام السابق.

لكنه يضع إلى جانب هذا التقييم نقداً واضحاً. فاللجنة، بحسب رأيه، تمددت أحياناً إلى مجالات ليست من صميم اختصاصها، وانشغلت حتى ببعض التدابير الأمنية، بينما كان الأفضل أن تعمل ضمن إطار مؤسسي أكثر إحكاماً لمكافحة الفساد.

أشرف عبد العزيز رئيس تحرير صحيفة الجريدة

وبالنسبة لعبد العزيز، لم يكن ضعف الانتقال نتاج خصومه وحدهم.

فهو يصف مرحلة تصاعد الاحتجاجات والإغلاقات، ولا سيما أزمة الشرق وتعطيل حركة الوارد من ميناء بورتسودان، باعتبارها لحظة ضغط حادة على الحكومة والاقتصاد. كما يشير إلى خلافات داخل قوى الحرية والتغيير حول السياسات الاقتصادية والتمثيل الحكومي، وصراعات حزبية أضعفت الغطاء السياسي لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك.

وفي المقابل، يرى أن قوى داخل أجهزة الدولة وشبكات النظام السابق كانت تعمل على إرباك الانتقال، بينما ظل العسكريون راغبين في الاحتفاظ بمركز السلطة.

الشراكة التي تحولت إلى صراع

هذه القراءة تلتقي جزئياً مع خالد شاويش، الذي يرى أن الخطأ الأكبر لم يكن في مبدأ الشراكة المدنية–العسكرية وحده، بل في طريقة إدارتها وغياب مشروع سياسي واضح لإعادة بناء الدولة.

خالد شاويش

ويقول شاويش إن الشراكة كانت نتيجة ميزان قوى فرضته الثورة، لكنها «تحولت تدريجياً إلى صراع على السلطة بدلاً من أن تكون جسراً للانتقال الديمقراطي».

وبشأن لجنة التفكيك، يعتبر أن فكرتها كانت ضرورية من حيث المبدأ، لأن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يستقيم مع استمرار بنية النظام السابق داخل مؤسسات الدولة.

غير أنه يرى أن طريقة التنفيذ دفعتها إلى قلب الاستقطاب السياسي، ومنحت خصومها فرصة لتصويرها كأداة إقصاء أكثر من كونها عملية إصلاح مؤسسي.

«إسقاط النظام أسهل من بناء الدولة»

كمال عمر: نحتاج إلى لجنة جديدة

ومن موقع مختلف، يقدم القيادي بالمؤتمر الشعبي كمال عمر نقداً أكثر تركيزاً على الجانب القانوني.

فهو لا يرفض فكرة التفكيك، لكنه يرى أن اللجنة لم تتمكن من إزالة التمكين بصورة كاملة، وأنها كان يمكن أن تصل إلى نتائج أفضل لو التزمت، في تقديره، بأساليب قانونية أكثر صرامة.

الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي كمال عمر

وينتقد بصورة خاصة اتخاذ الانتماء السياسي أساساً لإبعاد بعض الأشخاص من الوظيفة العامة، وما جرى داخل بعض المؤسسات العدلية.

لكن كمال عمر لا ينتهي من هذه الانتقادات إلى رفض التفكيك نفسه، بل يقول إن السودان «يحتاج إلى لجنة تفكيك جديدة برؤية قانونية جديدة»، تعمل عبر القضاء والإجراءات القانونية بما يوفر لقراراتها قبولاً أوسع.

شريف محمد عثمان: الصراع كان على طبيعة الدولة

أما شريف محمد عثمان فيضع المسألة داخل إطار أوسع.

فهو يرى أن القول بأن لجنة إزالة التمكين منحت القوى المدنية رصيداً سياسياً مهماً بعد انقلاب 25 أكتوبر ليس مبالغة كبيرة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من اختزال تجربة الانتقال كلها في اللجنة.

شريف محمد عثمان الأمين السياسي للمؤتمر السوداني

فالحكومة المدنية، والوثيقة الدستورية، والإصلاحات الاقتصادية، والانفتاح على المجتمع الدولي، واستعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، كانت جميعها، بحسب شريف، أجزاء من مشروع الانتقال.

شريف محمد عثمان الأمين السياسي للمؤتمر السوداني

لكن ما ميّز لجنة التفكيك أنها انتقلت، في تقديره، «من مجرد إدارة الدولة إلى محاولة تغيير بنية الدولة نفسها» عبر الاقتراب من شبكات المال والتنظيم والنفوذ التي صنعت دولة الثلاثين من يونيو.

ولذلك يرى أنها أصبحت هدفاً مركزياً للقوى المتضررة من عملية التفكيك.

«لم يكن فقط حول من يحكم السودان، وإنما حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة تسيطر عليها شبكة حزبية وأمنية، أم تتحول إلى دولة لجميع السودانيين؟»

واللافت في هذه القراءات أن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ التفكيك وحده بقدر ما يدور حول أدواته وحدوده. حتى بعض أكثر الأصوات انتقاداً للجنة لا تدعو إلى العودة إلى ما قبلها، بل إلى صيغة أكثر قانونية ومؤسسية.

وهذا التحول مهم في قراءة التجربة: فالسؤال، بعد الانقلاب والنزاع المسلح، أصبح أقل ارتباطاً بمصير اللجنة نفسها وأكثر اتصالاً بكيفية منع إعادة إنتاج شبكات النفوذ داخل أي انتقال مدني مقبل.

وفي المقابل، تظل تجربة اللجنة تحذيراً من أن امتلاك التفويض السياسي لا يعفي مؤسسات الانتقال من بناء ضمانات العدالة والشفافية والمراجعة القضائية؛ فكلما اتسعت سلطة الاستثناء، اتسعت معها مساحة الطعن في شرعية العملية نفسها.

بعد سبع سنوات، يصعب اختزال تجربة 2019 في حكم واحد بالنجاح أو الفشل. فقد حملت داخلها تناقضات التسوية، وضعف الحاضنة المدنية، ومقاومة شبكات النظام السابق، وطموح العسكريين، وأزمة اقتصادية خانقة.

لكن بقاء لجنة التفكيك في الذاكرة السياسية أكثر من كثير من مؤسسات الانتقال يشير إلى شيء أعمق: أنها لامست، بصواب أو بخطأ، السؤال الذي ظل مؤجلاً منذ سقوط البشير: كيف تُفكك دولة الحزب دون أن تتحول عملية التفكيك نفسها إلى خصومة سياسية جديدة؟

وقد يكون هذا هو الدرس الأكثر بقاءً من 21 أغسطس 2019: أن الانتقال لا يُحسم فقط بتغيير من يجلس في القصر، بل بإعادة تعريف الدولة، وقواعد ملكيتها، وحدود السلطة داخلها.

وهي معركة لم تُحسم في ذلك الوقت، ولا تزال مفتوحة حتى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *