في ربك بولاية النيل الأبيض، لم يعد عبدالرحمن عبدالله مضوي يحتاج إلى متابعة سعر الدولار كي يعرف أن الجنيه السوداني فقد جزءًا كبيرًا من قيمته. منذ مارس، يقول إن أسعار السلع التي تحتاجها أسرته يوميًا ارتفعت بصورة جعلت ميزانية اليوم مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل أشهر.
«أي حاجة ارتفعت، اضربها في ثلاثة»، يقول مضوي، الذي تحدث لـ«سودان ستوري».
لكن ما يراه في السوق ليس قصة أسعار منفصلة. خلفه سوق للعملة تغير بسرعة منذ مارس، واقتصاد نزاع مسلح فقد جزءًا من قدرته على الإنتاج والتصدير، بينما بقيت الحاجة إلى النقد الأجنبي لتمويل الواردات مرتفعة.
والأهم أن هذا السوق لم يعد يعمل بالطريقة نفسها في كل مكان.
في السودان، حيث أدى النزاع المسلح إلى انقسام جغرافي ومؤسسي بين مناطق سيطرة الجيش ومناطق سيطرة الدعم السريع، بدأت تتشكل أيضًا ترتيبات نقدية ومصرفية متباعدة. وفي نيالا، شهد عام 2026 بدء نشاط منظومة «المستقبل للخدمات المصرفية والمالية»، المعروفة محليًا باسم «بنك المستقبل»، كما ظهرت أوراق نقدية جديدة أثارت تساؤلات حول مصدرها، بينما يواصل بنك السودان المركزي إدارة العملة والسياسة النقدية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش.
هكذا أصبحت قصة الدولار أكبر من مجرد سعر صرف مرتفع: نزاع مسلح أضعف موارد النقد الأجنبي، وانقسام سياسي أعاد تشكيل القنوات المالية، وسوق تختلف فيها قيمة الدولار بحسب المكان وطريقة الحصول عليه، قبل أن تنتقل كلفة ذلك كله إلى الغذاء والوقود ودخل الأسر.
كيف صعد الدولار؟
في مارس 2026، بلغ متوسط سعر الدولار في السوق الموازية نحو 3,625 جنيهًا، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي، مقابل نحو 3,100 جنيه في المصارف.
بعد شهر ارتفع السعر الموازي إلى نحو 4,050 جنيهًا، ثم إلى 4,150 جنيهًا في مايو، قبل أن يصل متوسطه إلى نحو 4,750 جنيهًا في يونيو.
في المقابل، تحرك السعر المصرفي بوتيرة أبطأ: من 3,100 جنيه في مارس إلى 3,170 في أبريل، ثم 3,390 في مايو، وصولًا إلى نحو 3,550 جنيهًا في يونيو.
وتظهر بيانات برنامج الأغذية العالمي أن الدولار في السوق الموازية ارتفع بنحو 14% خلال يونيو وحده.
خلال هذه الفترة لم يتحرك السعران بالوتيرة نفسها. ارتفع الدولار في السوق الموازية من 3,625 جنيهًا في مارس إلى 4,750 جنيهًا في يونيو، بينما ارتفع السعر المصرفي من 3,100 إلى 3,550 جنيهًا فقط.
وفي يونيو بلغ الفرق بين السعرين نحو 1,200 جنيه للدولار، أي ما يقارب 34% من السعر المصرفي.
ويكشف هذا الفارق حجم تراجع الجنيه، ويكشف في الوقت نفسه مشكلة أخرى: من يستطيع الوصول إلى الدولار، ومن أي سوق، وبأي سعر؟
النزاع المسلح لا يطارد العملة وحدها
يرى الخبير الاقتصادي ووزير المالية السابق د. إبراهيم البدوي، الذي تحدث لـ«سودان ستوري»، أن سعر الصرف هو في النهاية نتيجة لتوازن العرض والطلب على النقد الأجنبي.
لكن النزاع المسلح، بحسب البدوي، كسر هذا التوازن من جهتين في الوقت نفسه: أضعف قدرة السودان على الحصول على الدولار، بينما أبقى الطلب عليه مرتفعًا.
هناك أولًا الطلب التجاري من المستوردين الذين يحتاجون النقد الأجنبي لشراء السلع والخدمات التي لا ينتجها الاقتصاد المحلي. وفي حالة السودان، يشير البدوي إلى أن الجزء الأكبر من الواردات سلع أساسية ومدخلات إنتاج يصعب الاستغناء عنها.
وفي الجهة الأخرى تقلصت مصادر النقد الأجنبي.
فالنزاع المسلح عطّل الإنتاج والمصانع وطرق النقل وسلاسل الإمداد والتصدير، بينما أصبح الذهب تقريبًا المصدر الأهم للعملة الصعبة. لكن النزاع، بحسب البدوي، أضعف أيضًا قدرة الدولة على تحصيل عائدات الذهب عبر القنوات الرسمية.
ثم تظهر قناة أخرى للطلب: الخوف.
فعندما لا يثق المواطن أو الشركة في قدرة الاقتصاد على توفير الدولار مستقبلًا، يتحول الجنيه نفسه إلى أصل يريد صاحبه التخلص منه. ويشتري الأفراد والشركات الدولار أو العملات الأجنبية لحماية المدخرات من خسارة جديدة، أكثر مما يفعلون ذلك بدافع حاجة فورية للاستيراد.
يسمي البدوي ذلك «طلب المحفظة المالية»: طلب على الدولار ينبع من محاولة الاحتفاظ بالثروة في أصل يُعتقد أنه أكثر أمانًا، إلى جانب طلب التجارة نفسه.
وهذا يساعد في تفسير لماذا يمكن أن يظل الطلب على الدولار مرتفعًا حتى عندما تتدخل السلطات بضخ النقد الأجنبي.
فالمشكلة تكمن في حجم الدولارات التي تدخل السوق، وتكمن أيضًا في حجم الدولارات التي يريد الناس الاحتفاظ بها عندما تتراجع الثقة في العملة المحلية.
400 مليون درهم.. لماذا كان أثر التدخل مؤقتًا؟
قالت محافظ بنك السودان المركزي آمنة ميرغني إن البنك بدأ، في 23 يونيو، تزويد الجهاز المصرفي بالعملات الأجنبية، وإن ما وفره بلغ نحو 400 مليون درهم إماراتي لمقابلة طلبات الاستيراد.
وتزامن التدخل مع تراجع مؤقت في أسعار العملات الأجنبية.
لكن البدوي يرى أن السؤال الأساسي يتعلق بحجم التدخل مقارنة بحجم الطلب الفعلي على النقد الأجنبي.
فحتى إذا نجح البنك المركزي في توفير العملة الصعبة وخفض السعر لفترة، فإن ذلك لا يغير العوامل التي أنتجت الأزمة: إنتاج ضعيف، صادرات محدودة، واردات مرتفعة، وطلب كبير من المستوردين والأسر والشركات.
وبحسب بيانات بنك السودان المركزي للربع الأول من 2026، بلغت الواردات نحو 1.94 مليار دولار، مقابل صادرات بنحو 697.9 مليون دولار.
وكان الذهب أكبر مكونات الصادرات، بقيمة بلغت نحو 370.7 مليون دولار.
أي أن قيمة الواردات خلال ثلاثة أشهر تجاوزت الصادرات الرسمية بأكثر من 1.2 مليار دولار.
وتكشف هذه الفجوة التجارية حجم المهمة التي يواجهها أي تدخل نقدي: الطلب على النقد الأجنبي يفوق بدرجة كبيرة الموارد الرسمية المتاحة لتلبيته، وإن ظلت وحدها غير كافية لتفسير سعر الدولار.
وهنا يدخل الذهب في القصة بطريقة أكثر تعقيدًا.
ففي يونيو، اشترط البنك المركزي على شركات استيراد المنتجات البترولية إيداع 200 كيلوغرام من الذهب عيار 21 كضمان عيني لدى مصفاة السودان للذهب، قبل أن يعلن بدء الشركات في تنفيذ الإجراء وفق الضوابط الجديدة.
يعكس ذلك محاولة لتأمين أصل ذي قيمة في اقتصاد تعاني فيه الدولة من شح النقد الأجنبي، من دون أن يعني ذلك أن الذهب حل محل الدولار.
ويرى البدوي أن الإجراء يمكن أن يكون مفهومًا في ظروف النزاع المسلح، لأنه قد يساعد في إبقاء جزء من قيمة الذهب داخل الدورة الرسمية، بدل خروجه عبر قنوات غير رسمية، لكنه يظل محدود الأثر أمام حجم الاختلال الاقتصادي الأوسع.
عندما تصبح الجغرافيا جزءًا من سعر الدولار
إذا كان الدولار يملك سعرين بين السوق المصرفية والموازية، فإن النزاع المسلح أضاف طبقة أخرى إلى المعادلة: المكان نفسه أصبح عاملًا في تحديد السعر.
في منتصف يونيو، كان سعر شراء الدولار في نيالا يقارب 3,600 جنيه، مقابل نحو 4,700 جنيه في السوق الموازية في الخرطوم وبورتسودان، وفق رصد نشرته «دارفور24».
وفي نيالا نفسها ظهرت فجوة أخرى بين أشكال الدفع: نحو 3,600 جنيه للدولار النقدي، مقابل قرابة 4,250 جنيهًا عبر التحويلات المصرفية باستخدام «بنكك» في أحد عمليات الرصد خلال الفترة نفسها.
بالنسبة لعبدالشكور، وهو تاجر من نيالا تحدث لـ«سودان ستوري»، فإن هذه الفروق ترتبط بطبيعة اقتصاد المدينة.
فنيالا مرتبطة بتجارة الحدود مع تشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، بينما يأتي جزء من الطلب على الدولار من مستوردي الوقود والأدوية والمسافرين والتحويلات.
يقول عبدالشكور إن السعر يرتفع عندما تتجمع طلبات كبيرة على العملة الأجنبية، خصوصًا من تجار الوقود، ويمكن أن ينخفض عندما تدخل أموال أجنبية إلى السوق مقابل شراء السلع من نيالا.
بهذا المعنى، يصبح السعر في نيالا نتيجة لاقتصاد محلي مختلف في علاقاته التجارية وتدفقاته النقدية، لا مجرد نسخة أرخص من سعر الدولار في بورتسودان.
ويضيف البدوي عاملًا آخر: السودان لم يعد يعمل اقتصاديًا من خلال بيئة مالية ومصرفية موحدة كما كان قبل النزاع.
فاختلاف المؤسسات، والطلب المحلي، والسلع المتداولة، والعملات المستخدمة في التجارة الحدودية، يمكن أن يساعد في تفسير الفروق بين أسعار الدولار.
كما أن قرب نيالا من تشاد وإفريقيا الوسطى وطبيعة التجارة الإقليمية قد يجعلان الطلب على الدولار فيها مختلفًا عن مدن تعتمد بدرجة أكبر على الواردات القادمة عبر بورتسودان.
وهنا لا يعود السؤال «كم سعر الدولار؟» كافيًا.
السؤال الأدق أصبح: أين؟ وبأي قناة؟ ولأي غرض؟
نيالا وبورتسودان.. اقتصادان يتباعدان؟
منذ بداية 2026، بدأت تظهر في مناطق سيطرة الدعم السريع ترتيبات مالية ومصرفية موازية.
ففي يناير بدأت منظومة «المستقبل للخدمات المصرفية والمالية» نشاطها في نيالا، مع توجه معلن للتوسع في مناطق أخرى من دارفور.
ومنذ أواخر مايو، ظهرت في نيالا ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة الدعم السريع أوراق نقدية سودانية جديدة أثارت تساؤلات حول مصدرها.
وقال مصرفي في نيالا لوكالة رويترز إن الأوراق طُبعت حديثًا، بينما قالت الوكالة إنها لم تتمكن من تحديد مصدرها بصورة مستقلة.
وفي المقابل، واصل بنك السودان المركزي، الذي تعمل مؤسساته من المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش، تنظيم العملة وإجراءات استبدالها، وأعلن خلال العام طرح أوراق نقدية جديدة، من بينها فئة 500 جنيه.
تشير هذه التطورات إلى تجزؤ متزايد في البنية النقدية نفسها: اختلاف في المؤسسات وقنوات التحويل والسيولة وآليات إدارة المال، من دون أن تعني أن السودان أصبح رسميًا أمام نظامي عملة منفصلين ومتكاملين.
وتظهر إحدى نتائج هذا التجزؤ في الفارق بين النقد والتحويلات الرقمية.
يقول عبدالشكور إن ندرة الكاش في نيالا تجعل تحويل الأموال الرقمية إلى نقد عملية لها كلفة إضافية، ما يخلق فرقًا بين قيمة الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية وقيمتها عند تحويلها إلى سيولة فعلية.
وهكذا، أصبحت قيمة الوصول إلى المال تتغير بحسب المدينة، وبحسب شكله أيضًا: نقدًا أم تحويلًا مصرفيًا.
الدولار يدخل المطبخ من باب الوقود والنقل
في ربك، لا يحتاج عبدالرحمن مضوي إلى معرفة كل تفاصيل الأسواق النقدية كي يشعر بنتيجتها.
يكفي أن يذهب إلى السوق.
يقول إن تكلفة قضاء يوم عادي لأسرته ارتفعت من نحو 25 ألف جنيه إلى ما بين 40 و45 ألفًا، وإن بعض السلع الأساسية أصبحت تقترب من ثلاثة أضعاف أسعار مارس.
والبيانات القومية ترسم صورة مشابهة على نطاق أوسع.
في يونيو، ارتفعت تكلفة سلة الغذاء المحلية التي يرصدها برنامج الأغذية العالمي بنحو 13% خلال شهر واحد، و52% مقارنة بيونيو 2025.
وارتفع سعر كيلو الذرة الرفيعة 32% خلال عام، بينما زاد سعر كيلو دقيق القمح 47%.
وفي الوقت نفسه ارتفع متوسط أجر العامل اليومي غير الماهر إلى نحو 17,014 جنيهًا، بزيادة سنوية بلغت 43%.
لكن أسعار الوقود ارتفعت بوتيرة أعلى بكثير.
فقد زاد سعر البنزين في السوق الموازية خلال عام بنحو 140%، والديزل بنحو 138%.
وهنا تبدأ سلسلة انتقال الأزمة من سوق الصرف إلى حياة الأسرة.
فالدولار الأغلى يرفع تكلفة الواردات. وإذا كانت السلعة نفسها أو مدخلات إنتاجها مستوردة، ترتفع كلفتها. ثم تضاف إليها أسعار الوقود والنقل، في بلد غيّر النزاع المسلح فيه مسارات التجارة ورفع تكلفة نقل السلع بين المدن.
وفي النهاية يصل الأثر إلى رف المتجر ومائدة الأسرة.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن ارتفاع الأسعار يرتبط بمجموعة عوامل متداخلة: تراجع قيمة العملة، اضطراب سلاسل الإمداد، ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وتراجع الإمدادات.
كما يظهر الضغط في بيانات التضخم.
ففي يونيو بلغ التضخم السنوي 51.28%، مقابل 44.50% في مايو، بينما بلغ التضخم الشهري 7.08%. وسجلت مجموعة الأغذية والمشروبات وحدها ارتفاعًا شهريًا قدره 8.39%.
من سعر الدولار إلى قيمة اليوم الذي يعيشه الناس
بالنسبة لعبدالرحمن مضوي، تظهر الأزمة في عدد الأيام التي يستطيع فيها المال إطعام أسرته، أكثر مما تظهر في سعر الدولار نفسه.
يقول إن 300 دولار كانت، في مارس، تكفي أسرته لنحو شهر كامل.
وعند سعر يقارب 3,650 جنيهًا للدولار، كانت تلك الـ300 دولار تعادل نحو 1.095 مليون جنيه.
وبحلول أوائل يوليو، عندما وصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 5,400 جنيه، أصبحت قيمة 300 دولار نحو 1.62 مليون جنيه.
أي أن الأسرة التي تحصل على 300 دولار أصبحت تحصل على أكثر من نصف مليون جنيه إضافية مقارنة بمارس.
لكن مضوي يقول إن المبلغ نفسه لم يعد يكفي أسرته إلا لنحو 12 أو 13 يومًا.
وهنا يظهر الفارق بين قيمة العملة الاسمية وقوتها الشرائية.
فالأسرة لا تستهلك الجنيهات؛ تستهلك ما تستطيع هذه الجنيهات شراءه.
ومع ارتفاع الغذاء والوقود والنقل بوتيرة أسرع من دخول قطاعات واسعة من السكان، يمكن أن يزداد عدد الجنيهات التي تدخل إلى الأسرة، بينما تتراجع قدرتها الفعلية على الحياة.
وهذه هي النقطة التي تلتقي عندها قصة الدولار بقصة النزاع المسلح.
فالنزاع رفع كلفة العملة الأجنبية، وأضعف الإنتاج، وقلّص الصادرات، وغيّر طرق التجارة، ورفع كلفة النقل، وأعاد تشكيل النظام المصرفي نفسه.
وفي بلد تتباعد فيه الأسواق والمؤسسات المالية بين مناطق السيطرة، لم تعد قيمة الجنيه تتحدد بسعر واحد معلن على شاشة أو في بنك.
إنها تتشكل بحسب المدينة، والسيولة، وطريقة الدفع، وتدفقات التجارة، وحجم النقد الأجنبي المتاح، ومدى ثقة الناس في المستقبل.
ولهذا قد يبقى الجنيه عملة واحدة على الورق، بينما لم تعد قيمته الاقتصادية واحدة في كل السودان.
فالرقم الذي يهم المواطن في النهاية هو: كم يومًا يستطيع هذا الجنيه أن يطعم أسرتي؟
لا: كم بلغ سعر الدولار؟

