إعداد: سودان ستوري
أعلن محمد نقد ميرغني المشروع في مارس، واكتملت أعماله بعد نحو أربعة أشهر. لكن قصة القاعة بدأت قبل عقود، حين دفع شرطي جنيهاً واحداً حتى لا يُحرم طفل ريفي متفوق من مواصلة تعليمه.
في 30 مارس 2026، أعلن استشاري جراحة الأوعية الدموية في الولايات المتحدة، محمد نقد ميرغني، تمويل مشروع إعادة تأهيل قاعة البغدادي بكلية الطب في جامعة الخرطوم.
قال حينها إنه دفع قيمة المشروع كاملة إلى منظمة صدقات، التي تولت التنفيذ تحت إشراف الإدارة الهندسية للجامعة، متوقعاً بدء الأعمال خلال أسابيع واكتمالها في غضون أشهر قليلة.
وفي مطلع أغسطس، عاد ليعلن اكتمال المشروع، بعد نحو أربعة أشهر من إطلاقه، ووهب القاعة صدقة جارية لوالديه، الحاج نقد والحاجة أم الخير، وللشرطي محمد خير، الرجل الذي أسهم قبل عقود في إبقاء والده داخل مسار التعليم.
بين الإعلان واكتمال التأهيل أشهر قليلة، لكن الحكاية التي تقف خلف المشروع تمتد إلى قرية صغيرة جنوبي دنقلا، وإلى جنيه واحد غيّر مسار أسرة كاملة.
طفل وصل وحده
وُلد والد محمد نقد في قرية إرتدي، لأسرة بسيطة تعتمد على الزراعة. ونشأ في رعاية جدته لأبيه، التي لاحظت تفوقه وأصرت على أن يواصل تعليمه بدلاً من أن ينتقل مبكراً إلى العمل في الساقية.
كادت مسيرته الدراسية تتوقف بعدما تعرض للدغة ثعبان في ساقه، وأمضى شهوراً بعيداً عن المدرسة حتى تعافى. وفي أحد الأيام، وبينما كان يساعد والده في الساقية، ابتعد عن المكان بعد أن هاجمه سرب من النحل، ووصل إلى الطريق العام.
هناك وجد زملاءه يستعدون لركوب حافلة متجهة إلى القولد، للجلوس لامتحان القبول في المدرسة الوسطى الأهلية، التي كانت من المؤسسات التعليمية القليلة المتاحة لأبناء المنطقة.
قرر مرافقتهم من دون إبلاغ أسرته، واتفق مع سائق الحافلة على مساعدته أثناء الرحلة. جلس للامتحان، ونجح ضمن أوائل المتقدمين.
لكن النجاح لم يكن كافياً.
عندما وقف أمام لجنة القبول، سألوه عن ولي أمره وعن الجنيه المطلوب رسماً للالتحاق، وهو مبلغ كان يُستخدم، وفق رواية الأسرة، لتجهيز سرير الطالب في الداخلية.
لم يكن الصبي يحمل مالاً، ولم يكن يرافقه أحد. فأبلغته اللجنة بأنها لن تتمكن من قبوله.
جنيه الشرطي محمد خير
كان بين الحاضرين شرطي يدعى محمد خير، جاء برفقة ابنه، وكان يعرف أسرة الصبي بحكم عمله مع أحد أقاربه.
تدخل الرجل وتعهد بدفع الجنيه، فاحتفظ الطفل بمقعده في المدرسة.
عندما عاد إلى إرتدي، كانت أسرته تبحث عنه بعد اختفائه المفاجئ. وكاد والده أن يعاقبه، قبل أن يتدخل الشرطي قائلاً:
«مفروض تفرح، أولاد التجار رسبوا وولدك ولد التربال نجح»
في اليوم التالي، باع الأب ثور الساقية الوحيد بستة جنيهات. أعاد منها الجنيه إلى الشرطي، واشترى لابنه حقيبة حديدية وأقمشة لملابس المدرسة، ثم اشترى بما تبقى عجلاً صغيراً.
واصل الصبي تعليمه، وانتقل لاحقاً إلى مدرسة وادي سيدنا الثانوية، ثم إلى الجامعة والحياة العملية.
وظلت قصة الجنيه حاضرة داخل الأسرة. كان الأب يرويها لابنه محمد كلما لاحظ منه فتوراً في الدراسة، مذكّراً إياه بأن وصوله إلى التعليم لم يكن أمراً مضموناً، وأن مستقبله بدأ بمعروف قدمه رجل لم يكن ملزماً بتقديمه.
سمع محمد نقد القصة عشرات المرات، حتى تحولت في وعيه من ذكرى عائلية إلى دين أخلاقي ينبغي ألا يتوقف أثره عند أسرته.
الجنيه يعود إلى كلية الطب
درس محمد نقد في مؤسسات التعليم الحكومية، ثم تخرج في كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 2001، قبل أن يعمل استشارياً لجراحة الأوعية الدموية في الولايات المتحدة.
ومع ما تعرضت له كلية الطب من أضرار خلال النزاع المسلح، تواصل مع عميدها، البروفيسور علاء الدين حسن أحمد، مقترحاً تمويل إعادة تأهيل إحدى قاعاتها الرئيسية.
وقع الاختيار على قاعة البغدادي، وتولت منظمة صدقات تنفيذ المشروع، بالتنسيق مع إدارة الكلية وتحت إشراف الإدارة الهندسية للجامعة.
شملت الأعمال إعادة تأهيل البنية الأساسية وتجهيز القاعة بوسائل تعليمية حديثة تساعد على التدريس والتعلم عن بُعد، في وقت تفرقت فيه أعداد كبيرة من أساتذة الجامعات وطلابها داخل السودان وخارجه.
عاد الجنيه إلى التعليم بأثر امتد من طفل في ريف دنقلا إلى طلاب يجلسون اليوم داخل قاعة بكلية الطب.
قاعة تحمل ذاكرة العطاء
يضيف اسم القاعة طبقة أخرى إلى الحكاية.
تحمل قاعة البغدادي اسم أحمد هاشم بك البغدادي، أحد أبرز المحسنين المرتبطين بالبدايات الأولى لمدرسة كتشنر الطبية، التي أصبحت لاحقاً كلية الطب بجامعة الخرطوم.
ارتبط البغدادي بالدفعات الأولى من طلاب الطب، وقدم لهم دعماً مالياً واجتماعياً، ثم خصص جانباً من أمواله وممتلكاته لخدمة المدرسة وطلابها.
بهذا المعنى، لم يذهب تمويل محمد نقد إلى قاعة تحمل اسماً عابراً. فقد أعاد متبرع جديد تأهيل مكان يحمل اسم محسن قديم، آمن بدوره بأن المال الذي يوضع في التعليم يمكن أن يستمر أثره بعد رحيل صاحبه.
جمعت القاعة عبر عقود عطاء شرطي دفع جنيهاً لطفل لم يكن ابنه، وعطاء محسن قديم دعم أجيالاً من طلاب الطب، وعطاء طبيب مهاجر عاد ليموّل مكاناً يدرس فيه طلاب لم يلتق بهم من قبل.
هل تصبح القاعة نموذجاً؟
لا تمثل قاعة البغدادي نهاية جهود الإعمار داخل كلية الطب. ففي مايو 2026، دشنت الجامعة مبادرة عالمية لخريجي الكلية لتنظيم مساهماتهم في تأهيل المرافق ودعم الطلاب.
وحمل الفيلم التعريفي للمبادرة عنوان «قاعة البغدادي.. أول الغيث»، في إشارة إلى أن المشروع يراد له أن يكون بداية لجهد يشمل المعامل والمكتبات والمكاتب والقاعات الأخرى.
تكشف التجربة عن قدرة شبكات الخريجين في الداخل والمهجر على توفير المال والخبرات والعلاقات التي تحتاج إليها الجامعات السودانية. لكنها تكشف أيضاً حدود المبادرات الفردية.
فإعادة بناء الجامعة لا تقتصر على طلاء الجدران وتركيب المقاعد والشاشات. إنها تحتاج إلى المعامل والمكتبات والكهرباء والإنترنت، وعودة الأساتذة، ودعم الطلاب، وخطط واضحة للصيانة والإدارة.
كما تحتاج إلى شفافية في تحديد الأولويات والتكاليف، حتى تنتقل مساهمات الخريجين من مبادرات منفردة إلى نموذج مؤسسي قابل للتكرار والمراجعة.
ولا تعفي هذه المبادرات الدولة من مسؤوليتها عن التعليم العام، لكنها تستطيع فتح الطريق وإعادة بعض المرافق إلى الخدمة، إلى أن تتوافر عملية إعمار أوسع.
دين التعليم
تضاعف الجنيه الذي دفعه الشرطي محمد خير داخل حياة أسرة كاملة.
دفع رجل رسوم طفل ليس ابنه، فباع والده ثور الساقية حتى يواصل ابنه الدراسة، وأتاح التعليم الحكومي للجيل التالي الوصول إلى كلية الطب، حتى عاد أحد أبناء ذلك المسار ليموّل قاعة يستفيد منها طلاب لم يلتق بهم من قبل.
قبل عقود، كان المطلوب جنيهاً واحداً حتى لا يخرج طفل متفوق من باب المدرسة.
واليوم، يحتاج التعليم السوداني إلى أكثر من جنيه وأكثر من قاعة، لكنه يحتاج أيضاً إلى الفكرة التي حملها ذلك الشرطي: ألا يُترك طالب خارج الباب لأن المال لم يكن في جيبه.

