سودان ستوري: اقتصاد
من نيالا والأبيض إلى الدبة والدمازين، يكشف رصد للأسواق أن ثمن السلعة يتحدد اليوم بعوامل تتجاوز قيمتها وحدها: الطريق الذي سلكته، وكلفة الوقود، والسيولة المتاحة، وطريقة الدفع، وموقع المدينة من خريطة النزاع المسلح.
في نيالا، يمكن لجوال السكر نفسه أن يحمل سعرين في اللحظة ذاتها.
في الخامس من سبتمبر، قال تجار في المدينة إن جوال السكر بلغ نحو 295 ألف جنيه عند الدفع نقداً، لكنه وصل إلى 385 ألفاً عند الدفع عبر تطبيق «بنكك». أما جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً فبلغ 117 ألف جنيه نقداً ونحو 150 ألفاً عبر التطبيق المصرفي.
هذا الفارق يعكس في جوهره سعر الوصول إلى المال نفسه، أكثر مما يعكس فرقاً في قيمة السكر أو الدقيق.
فشح الأوراق النقدية في المدينة رفع كلفة تحويل الأرصدة المصرفية إلى سيولة، وقال تجار إن عمولة الحصول على النقد وصلت إلى نحو 24–25%. وبحساب سعر السلعة نفسها، يصبح السكر أغلى بنحو 31% تقريباً عند الدفع إلكترونياً، والدقيق بنحو 28%.
هذه المفارقة تقدم مدخلاً إلى شيء أكبر من أزمة غلاء عادية.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع المسلح، لم يعد السودان يعمل كسوق وطنية واحدة تنتقل فيها السلع والنقود بالآليات نفسها. الجنيه واحد اسماً، لكن قدرته على شراء السلعة تختلف من مدينة إلى أخرى، بل قد تختلف داخل المدينة نفسها باختلاف ما إذا كان المال ورقاً في اليد أم رقماً في حساب مصرفي.
ومن هذه الزاوية، تتجاوز الأسعار كونها مقياساً لمستوى التضخم، لترسم خريطة أخرى للنزاع المسلح.
من 320 ألفاً للسكر إلى طريق السلعة
خلال الأيام الماضية، جمعت «سودان ستوري» مؤشرات أسعار من أسواق في الدبة والدمازين والأبيض، إلى جانب رصد الأسواق في دارفور.
ومن بين الأرقام المسجلة وصل جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً في إحدى نقاط الرصد إلى 320 ألف جنيه، ودقيق «سيقا» زنة 25 كيلوغراماً إلى 102 ألف جنيه، فيما ظهر للبنزين في أحد الأسواق سعر رسمي يبلغ 35 ألف جنيه مقابل 55 ألفاً في السوق الموازية.
هذه الأرقام لا تكفي بمفردها لبناء «متوسط قومي» دقيق للأسعار، بسبب اختلاف العلامات التجارية والأوزان وتوقيت الرصد بين نقطة وأخرى؛ وتكمن أهميتها الحقيقية في ما تعكسه من حجم التفاوت نفسه.
فالسؤال لم يعد: كم سعر السكر في السودان؟
الأدق هو: كم سعره في أي مدينة؟ وكيف وصل إليها؟ وبأي نوع من المال سيدفع المشتري؟
هذه الأسئلة الأربعة باتت جزءاً من تسعير السلعة.
في نيالا.. قد يكون المال أغلى من السلعة
تكشف نيالا بوضوح ما حدث للنظام النقدي.
هناك سلعة موجودة في المتجر، ومشترٍ يملك المال في حسابه، ومع ذلك لا تتم المعاملة بالسعر نفسه الذي يدفعه حامل الأوراق النقدية.
وتقول «دارفور24» إن أزمة السيولة تفاقمت مع تعطل مراكز التحويل وشكاوى من اضطراب عمل تطبيق «بنكك»، بينما أصبح بعض الوسطاء يطلبون الدولار مقابل توفير النقد المحلي.
بهذا المعنى، نشأت طبقة جديدة داخل سعر السلعة يمكن تسميتها «ضريبة السيولة».
وليس ذلك مجرد تفصيل مصرفي.
إذا احتاج تاجر إلى دفع ثمن الشاحنة نقداً، والعامل نقداً، والمورد نقداً، بينما أموال الزبائن موجودة في حسابات إلكترونية لا يستطيع تحويلها بسهولة إلى أوراق، فإن تكلفة هذه الفجوة ستدخل في السعر النهائي.
إنها حالة يصبح فيها الجنيه الواحد غير مساوٍ تماماً لجنيه آخر.
الأبيض.. الطريق يدخل إلى المتجر
في الأبيض، تختلف المشكلة.
المدينة تقع في قلب واحدة من أكثر جبهات النزاع المسلح حساسية، وتحولت طرق الإمداد المحيطة بها إلى جزء من الصراع العسكري نفسه.
وتقول شبكة FEWS NET إن الأبيض ومحيطها يشهدان أوضاعاً غذائية شديدة الخطورة، وإن تصاعد الهجمات وشح الوقود والمياه وتعطل الإمداد قلص عرض السلع ورفع أسعار الغذاء. كما أن الطرق في كردفان أصبحت أكثر خطورة بفعل القتال ونقاط التفتيش وضربات المسيّرات.
وهنا يدخل الطريق في ثمن كيلو السكر.
فالشاحنة التي تتحرك في زمن النزاع المسلح لا تدفع الوقود فقط. هناك زمن أطول، وطرق بديلة، واحتمال توقف، ومخاطر على المركبة والبضاعة والسائق، ونقاط عبور ومسارات يمكن أن تغلق فجأة.
وكلما ضعفت إمكانية انتقال السلعة بين منطقة الإنتاج والسوق، أصبح موقع المدينة على الخريطة عاملاً في السعر.
ولهذا يمكن أن يختلف سعر المادة نفسها بين مدينتين لأن الوصول إلى إحداهما أصبح أكثر كلفة، لا لأنها «أغلى» اقتصادياً بالمعنى التقليدي.
لماذا ترتفع الأسعار حتى قرب مناطق الإنتاج؟
قد يبدو منطقياً أن تكون الأغذية أرخص كلما اقترب السوق من مناطق الزراعة أو الثروة الحيوانية.
لكن النزاع المسلح كسر هذه المعادلة أيضاً.
في النيل الأزرق، على سبيل المثال، يأتي موسم 2026 الزراعي في ظروف غير طبيعية. وتقول FEWS NET إن الزراعة تأخرت نحو أسبوعين عن المعتاد في النيل الأزرق والقضارف وسنار وكسلا وأجزاء أخرى بسبب تأخر الأمطار وارتفاع تكلفة المدخلات وتأثير النزاع المسلح.
أي أن القرب من الأرض الزراعية لا يكفي.

المزارع يحتاج وقوداً، وبذوراً، ومدخلات، وتمويلاً، وآليات ونقلاً. فإذا ارتفعت هذه العناصر يمكن أن يخرج الغذاء من منطقة الإنتاج نفسه بسعر مرتفع.
الأمر ذاته ينطبق على اللحوم.
دارفور، وخصوصاً نطاقات واسعة من جنوبها، من أهم مناطق الثروة الحيوانية في السودان. ولهذا قد تكون أسعار اللحوم فيها أقل من أسواق بعيدة تحتاج إلى نقل الحيوان لمسافات طويلة.
لكن الوفرة الطبيعية لا تعني بالضرورة أن المستهلك المحلي قادر على الشراء.
وهنا تظهر أكثر مفارقات اقتصاد النزاع المسلح قسوة.
لماذا قد يكون الطعام أرخص حيث الجوع أشد؟
وجدت FEWS NET أن أسعار الذرة الرفيعة في أسواق مثل نيالا والجنينة وزالنجي كانت في فترات من هذا العام أقل نسبياً من أسعارها في أسواق شرق السودان.
للوهلة الأولى، يمكن أن يبدو ذلك خبراً جيداً.
لكن أحد تفسيرات الشبكة لهذا الانخفاض هو ضعف الطلب الفعلي إلى جانب ظروف الإمداد المحلي.
وبلغة أبسط: قد يكون السعر أقل لأن الناس لا تملك المال الكافي للشراء.
وفي المقابل، سجلت كادقلي أسعاراً لبعض الحبوب بلغت قرابة ثلاثة أمثال المتوسط القومي بسبب اضطراب الطرق التجارية والحصار والقتال.
لذلك فإن قراءة السعر وحده قد تكون مضللة.
السوق الذي يبيع جوال الحبوب بسعر أقل ليس بالضرورة السوق الذي يعيش سكانه بصورة أفضل.
وقد يوجد الغذاء في المتجر ويظل بعيداً عن المائدة، لأن المشكلة انتقلت من توافر الغذاء إلى القدرة على شرائه.
وهذه واحدة من الفجوات التي لا تظهر في نشرات الأسعار اليومية.
الوقود.. الضريبة التي تدخل في كل سلعة
خلف معظم الفروق بين الأسواق يقف عنصر واحد يتكرر باستمرار: الوقود.
في النصف الأول من 2026، قفزت قيمة واردات السودان من المنتجات البترولية من 272.6 مليون دولار إلى نحو 1.495 مليار دولار، أي إلى أكثر من خمسة أمثال مستواها في الفترة المقابلة من العام الماضي.
ومثلت الزيادة في الوقود وحدها نحو 65% من كامل الزيادة المسجلة في الواردات السودانية خلال تلك الفترة.
غير أن أثر هذا الرقم الأكبر لا يتوقف عند جداول بنك السودان، إذ ينتقل إلى الشاحنة، ثم إلى السوق، ثم إلى الأسرة.
وكان رصد برنامج الأغذية العالمي الذي تناولته «سودان ستوري» قد أظهر بحلول يونيو ارتفاع البنزين في السوق الموازية بنحو 140% خلال عام والديزل بنحو 138%. وفي الوقت نفسه ارتفعت تكلفة سلة الغذاء المحلية التي يرصدها البرنامج بنحو 52% مقارنة بالعام السابق.
وفي يوليو استمرت الضغوط.
وتقول FEWS NET إن أسعار الذرة الرفيعة والدخن ودقيق القمح ارتفعت بين يونيو ويوليو بنسبة تراوحت بين 5 و13% خلال شهر واحد، وأصبحت أعلى بنحو 45–60% من مستويات فبراير، بينما ظل الوقود في السوق الموازية بأكثر من ضعفي سعره في فبراير.
وهكذا تصبح السلسلة واضحة:
دولار أغلى → وقود أغلى → نقل أغلى → سلعة أغلى
لكن النزاع المسلح أضاف إليها حلقات أخرى:
طريق أطول → مخاطر أعلى → إمداد أقل → سعر أكثر تقلباً
التضخم يقول نصف القصة
بلغ معدل التضخم السنوي في السودان 51.28% في يونيو، مقابل 44.50% في مايو. وبلغ التضخم في المدن 51.81% وفي الريف 51.06%، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.
هذا الرقم يخبرنا أن المستوى العام للأسعار يرتفع بسرعة.
لكنه لا يخبر سكان الأبيض كم كلف إغلاق طريق معين سلعتهم، ولا يخبر مشترياً في نيالا لماذا يحتاج إلى 385 ألف جنيه في حسابه المصرفي لشراء سلعة يستطيع حامل النقد شراءها بـ295 ألفاً.
المتوسط القومي يمزج هذه الاقتصادات كلها في رقم واحد.
أما الحياة اليومية فتجري في أسواق مختلفة تماماً.
حين يتأخر الأجر عن الطعام
في يونيو، بلغ متوسط أجر العامل اليومي غير الماهر الذي رصده برنامج الأغذية العالمي نحو 17 ألف جنيه، بزيادة سنوية بلغت 43%.
لكن أسعار الغذاء ارتفعت خلال الفترة نفسها بنحو 52%، والوقود بأكثر من ذلك.
وهذه المقارنة تكشف المشكلة بصورة أوضح من التضخم.
فإذا ارتفع دخل العامل 43% وارتفعت حاجاته بأكثر من ذلك، فهو لم يصبح أغنى حتى لو أصبح يحمل أوراقاً نقدية أكثر.
وفي نيالا، مثلاً، يعادل سعر جوال السكر البالغ 295 ألف جنيه نقداً أكثر من 17 يوماً من ذلك الأجر اليومي النظري. وإذا اشتراه عبر التحويل المصرفي بسعر 385 ألفاً فإن القيمة تعادل أكثر من 22 يوماً.
ولا يعني ذلك أن كل عامل في نيالا يتقاضى هذا الأجر القومي أو أن الأسرة تشتري جوالاً كاملاً؛ المقارنة فقط توضح حجم المسافة بين الأسعار والدخول.
فوضع الأسرة يتحدد بما تستطيع جنيهاتها شراءه فعلياً، لا بعددها المجرد.
النزاع المسلح لم يقسّم الأرض وحدها
منذ أبريل 2023، ركز النقاش السياسي والعسكري على خرائط السيطرة: من يسيطر على الخرطوم، ومن يسيطر على دارفور، وأين تتحرك الجبهات في كردفان والنيل الأزرق.
لكن تحت هذه الخريطة نشأت خريطة أقل ظهوراً.
خريطة للمال والأسواق وطرق التجارة.
في مناطق تصل سلعها عبر بورتسودان، يرتبط السعر أكثر بالدولار والاستيراد والنقل الطويل.
وفي أجزاء من دارفور، تلعب التجارة الحدودية مع تشاد وأفريقيا الوسطى والإنتاج المحلي والسيولة النقدية دوراً أكبر.
وفي كردفان، يتحول أمن الطريق نفسه إلى محدد للسعر.
وفي مناطق الإنتاج الزراعي، تحدد تكلفة الوقود والمدخلات وحركة المحاصيل ما إذا كان القرب من المزرعة سيعني بالفعل غذاء أرخص.
ويضاف إلى ذلك انقسام المؤسسات المالية وقنوات تداول النقد.
وهكذا اتسع أثر النزاع المسلح ليتجاوز تقسيم السودان إلى مناطق نفوذ عسكري، ويدفعه أيضاً نحو اقتصادات محلية متباعدة داخل الدولة نفسها.
السعر خريطة سياسية أيضاً
هذه الفروق ليست مسألة معيشية عابرة ستختفي بمجرد استقرار سعر الدولار.
كلما طال أمد النزاع المسلح، أصبحت طرق التجارة البديلة أكثر رسوخاً، وارتبطت الأسواق المحلية بوجهات جديدة، ونشأت شبكات تمويل وسيولة ووسطاء مختلفون.
وهذا يعني أن أحد التحديات التي ستواجه أي سلام مستقبلي لن يكون فقط توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية.
سيكون هناك أيضاً سؤال اقتصادي ثقيل:
كيف يعاد توحيد السوق السودانية نفسها؟
إعادة فتح الطرق، واستعادة نظام مصرفي يعمل في كل البلاد، وإزالة الحواجز أمام انتقال السلع، وإصلاح الإنتاج والنقل، وتوفير النقد، وإعادة ربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك ستكون كلها جزءاً من إعادة بناء الدولة.
وحتى يحدث ذلك، ستظل عبارة «سعر السلعة في السودان» أقل دقة مما تبدو.
فالسعر اليوم لا يقتصر على حساب السكر والدقيق والوقود وحدها، إذ يحسب أيضاً المسافة إلى الجبهة، والطريق المفتوح أو المغلق، والدولار، والسيولة، وطريقة الدفع، ومقدار المخاطرة التي تحملها السلعة قبل وصولها إلى يد المشتري.
والسؤال الاقتصادي الأهم الآن هو كم اقتصاداً مختلفاً صنع النزاع المسلح داخل السودان الواحد، لا كم ارتفعت الأسعار فحسب.

