تقرير: عباس محمد إبراهيم
تتزامن تحركات لقيادات إسلامية سودانية في تركيا مع اتصالات بين مراكز نفوذ متنافسة، وضغوط أحدثها التصنيف الأميركي، واستعداد مبكر لمعركة ما بعد النزاع المسلح. وبينما يتحدث مصدر مطلع عن محاولات لتقريب الصفوف، يرى باحث في شؤون الحركة الإسلامية أن الصراع الحقيقي يدور على استعادة المؤتمر الوطني وقيادته، لا على إحياء الحركة القديمة.
أعاد ظهور الأمين العام للمؤتمر الشعبي علي الحاج في إسطنبول، بالتزامن مع وجود القيادي في المؤتمر الوطني ياسر يوسف إبراهيم، الأسئلة حول التحركات التي تجري وسط الإسلاميين السودانيين.
السبب المعلن لوجود الرجلين مرتبط بمعرض الكتاب، وهو ما يؤكده المؤتمر الشعبي، الذي ينفي أن يكون اللقاء الذي جمعهما جزءاً من اتصالات سياسية. لكن الظهور جاء في توقيت تتحدث فيه مصادر مطلعة عن اتصالات أوسع بين مجموعات تنتمي إلى النظام السابق والحركة الإسلامية.
يقول رئيس تحرير صحيفة «الجريدة» أشرف عبد العزيز لـ«سودان ستوري» إن اتصالات جرت بين مجموعة إبراهيم محمود ونافع علي نافع، ومجموعة أحمد هارون، والدائرة المرتبطة بعلي كرتي، بهدف تقريب الصفوف، لكنها لم تنتج حتى الآن اتفاقاً موحداً.

ويضع عبد العزيز التصنيف الأميركي في قلب هذه التحركات، معتبراً أنه أحدث قلقاً داخل الدوائر الإسلامية ودفع بعضها إلى التفكير في كيفية إعادة ترتيب وجودها السياسي.
وتحدث عن محاولات سابقة للعمل عبر أطر أوسع، بينها «التيار الإسلامي العريض» و«حركة بناء المستقبل»، لكنه يرى أنها لم تنجح حتى الآن في إنتاج مظلة جماهيرية تجمع التيارات المختلفة.
وفي يونيو انتخب «التيار الإسلامي العريض» علي كرتي رئيساً لدورة جديدة، في مؤشر على استمرار نشاط هذا الإطار التنظيمي ومحاولته تعزيز حضوره في المرحلة الراهنة.
من يوحّد من؟
يقدم الصحفي والباحث في شؤون الحركة الإسلامية أباذر علي الأمين قراءة مختلفة.
فهو يرى أن الحركة الإسلامية التي عُرفت بقيادة حسن الترابي انتهت عملياً كتنظيم جامع منذ المفاصلة، وأن ما بقي بعدها مجموعات وشخصيات ومراكز قوى تتنافس أساساً على السلطة.
وبحسب علي الأمين، فإن علي كرتي وأحمد هارون ونافع علي نافع يتنافسون، في تقديره، على استعادة المؤتمر الوطني وقيادته أكثر مما يتنافسون على قيادة حركة إسلامية موحدة.

كما لا يرى أن التصنيف الأميركي أطلق حراكاً تنظيمياً جامعاً، وينفي وجود مؤشرات كافية في الوقت الراهن على اتفاق لإنشاء حزب إسلامي جديد أو تغيير الاسم.
وهنا تلتقي روايتا عبد العزيز وعلي الأمين في وجود صراع بين مراكز النفوذ، وتختلفان في تفسير هدفه: هل يمهد لإعادة توحيد التيارات، أم أنه معركة على وراثة حزب السلطة السابق؟
الجيش في قلب الحسابات
العلاقة بالجيش تمثل عاملاً مشتركاً في معظم هذه الحسابات.
ويرى علي الأمين أن استعادة المؤتمر الوطني، في تصور بعض قياداته، يمكن أن تمنحهم ورقة سياسية للتعامل مع الجيش في مرحلة ما بعد النزاع المسلح، لكنه يستبعد أن يكون الجيش ملتزماً مسبقاً بإعادة الإسلاميين إلى السلطة.
وفي المقابل، يقول عبد العزيز إن تصريحات عبد الفتاح البرهان وياسر العطا الرافضة لعودة المؤتمر الوطني إلى الترتيبات السياسية أثارت قلقاً داخل الحزب، على الرغم من استمرار قطاعات منه في دعم الجيش.
وهذه المفارقة قد تصبح واحدة من عقد المرحلة المقبلة: الإسلاميون يساندون الجيش في النزاع المسلح، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن قيادة الجيش تريدهم شركاء في تسوية ما بعده.
الشعبي يرسم خطاً فاصلاً
المؤتمر الشعبي يرفض من جهته وضعه داخل مشروع واحد مع المؤتمر الوطني.
وقال أمينه السياسي كمال عمر لـ«سودان ستوري» إن زيارة علي الحاج إلى إسطنبول كانت للمشاركة في معرض الكتاب فقط، نافياً وجود اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع المؤتمر الوطني.
وأكد أن حزبه يرفض مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية المرتبطة به في أي عملية سياسية مقبلة، واعتبر أن «التيار الإسلامي» بصيغته الحالية يمثل محاولة من المؤتمر الوطني لإعادة تقديم نفسه.

كما رفض عمر بناء موقف الشعبي على التصنيف الأميركي، قائلاً إن الحزب يستند إلى تقييمه الخاص لتجربة المؤتمر الوطني في الحكم وإدارة النزاع المسلح.
وفي مراجعة أكثر صراحة لإرث الإسلاميين، أقر عمر بمشاركة الحركة الإسلامية في انقلاب 30 يونيو 1989، ووصفه بأنه «الأسوأ في الانقلابات بإفرازاته»، وقال إن الشعبي «تاب من الانقلابات» وأصبح موقفه قائماً على الحكم المدني ورفض عودة العسكريين إلى السلطة.
تركيا.. منصة أم راعٍ؟
تبقى تركيا الجزء الأكثر غموضاً في الصورة.
يقول عبد العزيز إن نقاشات وسط إسلاميين استحضرت التجربة السورية باعتبارها مثالاً على إمكانية تغير التعامل الدولي مع قوى إسلامية إذا أعادت تشكيل نفسها، وينسب إلى الجانب التركي إشارات مشجعة في هذا الاتجاه.
لكن «سودان ستوري» لم تحصل على تأكيد مستقل لموقف تركي رسمي بهذا المعنى.
ويعارض أباذر علي الأمين أصلاً تفسير التحرك التركي من زاوية الإسلاميين، ويرى أن أنقرة تتعامل مع السودان وفق مصالح دولة تتصل بالبحر الأحمر والتوازنات الإقليمية، وليست راعياً لمشروع لتوحيد الإسلاميين.
وبين الروايتين، يتحول السؤال المطروح من احتمال عودة الإسلاميين إلى شكلهم القديم، إلى من يملك القدرة على صياغة الشكل الذي سيظهرون به بعد النزاع المسلح: مؤتمر وطني مستعاد، أم واجهة جديدة، أم مزيد من الانقسام؟

