الملف الإنساني

ليسوا ضيوفاً بلا أثر.. ماذا نعرف عن مساهمة السودانيين في اقتصاد مصر؟

من إيجارات الشقق والمحلات إلى التحويلات العائلية والبازارات والتجارة الفردية، ماذا تضيف حركة السودانيين إلى الأسواق المصرية، وما الذي لا تكشفه أرقام الاستثمار الرسمية؟

سوق في القاهرة عام 2008، صورة سياقية للأسواق المصرية ولا توثق منشآت تجارية سودانية.

سوق في القاهرة، صورة أرشيفية من عام 2008، ولا تمثل متاجر أو استثمارات سودانية بعينها. تصوير: Francisco Anzola / Wikimedia Commons، CC BY 2.0. المصدر.

«مصر فتحت أبوابها للسودانيين». تتكرر هذه العبارة في النقاش السياسي، وكأن العلاقة الاقتصادية بدأت من طرف واحد: دولة تستضيف ووافدون يتلقون. لكن الحياة اليومية تقدم صورة أشد تعقيداً؛ فالسودانيون يستأجرون العقارات، ويؤسسون الأسواق، ويشترون السلع والخدمات، وتدعم بعض أسرهم شبكات مالية وعائلية عابرة للحدود. وهذه الحركة تولد معاملات داخل الاقتصاد المصري، مثلما تكشف عن أعباء تفاوتت بين الأسر المصرية والسودانية.

باختصار

  • سجّلت المفوضية نحو 851,820 سودانياً في مصر حتى 31 يوليو 2026، والرقم لا يشمل كل المقيمين.
  • أعلن مسؤول مصري في يناير 2025 أن الاستثمارات السودانية القائمة بلغت 240 مليون دولار، بينما بلغ التدفق في 2023/2024 نحو 1.5 مليون دولار.
  • بلغ التبادل التجاري الرسمي نحو 1.2 مليار دولار في 2024، وهو تجارة بين دولتين.
  • لا توجد قاعدة بيانات تسمح بتقدير إجمالي التحويلات الواردة إلى الأسر السودانية في مصر.

لا يمكن قياس العلاقات بين الشعبين بمنطق الدين المستحق على اللاجئ مقابل النجاة، ولا بإنكار الأعباء التي تتحملها المجتمعات المضيفة. والمهمة الصحفية هي جمع الوقائع: كم عدد السودانيين؟ ماذا يستهلكون وينتجون؟ أين تعمل الشركات السودانية؟ وما الذي نعرفه عن كلفة الخدمات والتغير في الإيجارات وفرص العمل؟

أربعة أرقام تتردد في النقاش، وكل منها يقيس شيئاً مختلفاً

بالدولار الأمريكي، بحسب الجهة والتاريخ تحت كل رقم

  • ثابت رسمياً
  • منسوب إلى جهة
  • لم يثبت بعد
منسوب إلى جهة:

رصيد استثمارات قائمة

240 مليون دولار

كما أعلنها مسؤول بجهاز التمثيل التجاري المصري

الهيئة العامة للاستثمار، يناير 2025

ثابت رسمياً:

تدفق خلال سنة مالية

1.5 مليون دولار

تدفقات الاستثمار السوداني في 2023/2024

الهيئة العامة للاستعلامات المصرية

ثابت رسمياً:

تجارة بين دولتين

1.2 مليار دولار

التبادل التجاري الرسمي في 2024

الهيئة العامة للاستعلامات المصرية

ثابت رسمياً:

تحويلات عاملين

521 ألف دولار

تحويلات السودانيين العاملين بمصر في 2023/2024، وليست الأموال الواردة إلى الأسر

الرقم المصري المنشور

لا تُجمع هذه الأرقام: الرصيد والتدفق والتجارة الثنائية وتحويلات العاملين أربعة مقاييس بنطاقات وطرق إحصاء مختلفة.

كم سودانياً في مصر؟

يقدم الموقع الإحصائي للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين صورة محددة النطاق: حتى 31 يوليو 2026، كان في مصر نحو 851,820 سودانياً مسجلاً لديها، أي ما يقارب 77.6% من المسجلين من جميع الجنسيات. وهذا ليس تعداداً شاملاً لجميع السودانيين الموجودين في مصر، إذ لا يتطابق التسجيل لدى المفوضية مع الإقامة أو دخول البلاد أو طلب اللجوء.

وفي صفحة الاستجابة لطوارئ السودان نقلت المفوضية رقماً يبلغ نحو 1.5 مليون سوداني وصلوا حديثاً إلى مصر منذ اندلاع النزاع المسلح في أبريل 2023، وفق بيانات حكومية بتاريخ يناير 2025. وبذلك ينبغي ألا نجمع الرقمين، أو نخلط إجمالي الوافدين بتسجيل المفوضية، أو نستنتج منهما عدد العاملين ودافعي الضرائب.

رقمان من تعريفين مختلفين

عدد الأشخاص، كل رقم بتعريفه وتاريخه

ثابت رسمياً:

مسجلون لدى المفوضية

851,820

حتى 31 يوليو 2026، نحو 77.6% من المسجلين من جميع الجنسيات

منسوب إلى جهة:

وافدون منذ أبريل 2023

نحو 1.5 مليون

وفق بيانات حكومية مصرية بتاريخ يناير 2025 نقلتها المفوضية

عمداً بلا محور مشترك: الرقمان من جهتين وتاريخين وتعريفين، ولا يصلحان للطرح أو الجمع.

العقار: الإيجارات والأملاك السابقة للحرب

إذا كانت مساهمة السودانيين في مصر تظهر في سجلات الشركات، فإن جزءاً يومياً منها يمر عبر سوق العقار. فاستئجار الشقق المفروشة وغير المفروشة، وتأجير المحال والمخازن، ودفع التأمينات والعمولات وفواتير الخدمات، كلها معاملات تدخل إلى السوق المحلية. وتذهب الإيجارات في المقام الأول إلى ملاك الوحدات؛ لكن أثرها يطال كذلك الوسطاء وأعمال الصيانة والنقل والتجهيز.

وتكشف دراسة كارنيغي عن رجال الأعمال السودانيين في مصر أن بعض السودانيين كانوا يملكون شققاً في القاهرة والإسكندرية قبل حرب أبريل 2023، وأن آخرين اختاروا منطقة فيصل لوجود شبكات قرابة ومعرفة سابقة بالإيجارات. كما رصدت زيادة الطلب على السكن والمساحات التجارية بعد وصول الوافدين، وما صاحبها من ضغوط على الإيجارات.

وللزيادة مثال محلي موثق: أفاد تقرير لـمنظمة «Refugees International» نشر عام 2025 بأن إيجار وحدات في مدينة السادس من أكتوبر ارتفع خلال منتصف 2023 من نحو 7 إلى 8 آلاف جنيه شهرياً إلى 10 آلاف. يمثل هذا مثالاً محلياً، ولا يثبت أن الوافدين وحدهم سبب الارتفاع؛ فالتضخم وتقلب العملة ونقص المعروض وتفاوت الأحياء عوامل ينبغي فصلها.

مثال واحد موثق: إيجار وحدات في السادس من أكتوبر

جنيه مصري شهرياً، أسعار اسمية، منتصف 2023

  • قبل الارتفاع (الحد الأعلى للنطاق 7–8 آلاف)8,000
  • بعد الارتفاع10,000

القيود: مثال من مدينة واحدة، أسعار اسمية غير معدلة بالتضخم، ولا يثبت سبب الارتفاع. المصدر: Refugees International، 2025.

وفي دراسة ميدانية منشورة في دورية «Frontiers in Medicine» في ديسمبر 2025 وشملت مقابلات هاتفية مع 531 سودانياً من الوافدين بعد أبريل 2023، أفاد 54% من المشاركين بأنهم يسكنون في شقق مستأجرة، و42.4% بأنهم يقيمون مع أقارب أو أصدقاء. ولا يجوز تعميم هذه النسب على سكان مصر السودانيين جميعاً؛ لكنها تظهر تنوع الصلات بين السوق العقارية وشبكات الاستضافة الخاصة.

أين يسكن المشاركون في عينة من 531 وافداً؟

نسبة مئوية من المشاركين، مقابلات هاتفية، ديسمبر 2025

  • شقق مستأجرة54%
  • مع أقارب أو أصدقاء42.4%

عينة لا تُعمم: الأعمدة بإطار مفرغ لأنها نتائج عينة واحدة. المصدر: Frontiers in Medicine.

هذه الدورة المالية لا تعني استفادة متساوية: فما يعدّ إيراداً لمالك العقار قد يكون عبئاً يستهلك مدخرات أسرة سودانية، وربما يضغط أيضاً على مستأجرين مصريين. لذلك يحتاج القياس الحقيقي إلى عقود وإيجارات موثقة ومقارنة أسعار الوحدات المتماثلة قبل أبريل 2023 وبعده، لا إلى تحميل جنسية بعينها مسؤولية أزمة الإسكان.

240 مليون دولار: ماذا يقيس الرقم؟

أما الاستثمار، فتوجد له قاعدة رسمية أكثر تحديداً. ففي ملتقى رجال الأعمال السودانيين الذي استضافته الهيئة المصرية العامة للاستثمار والمناطق الحرة في يناير 2025، أعلن مسؤول بجهاز التمثيل التجاري المصري أن قيمة الاستثمارات السودانية في مصر بلغت 240 مليون دولار. وهذه قيمة أعلنها المسؤول للاستثمارات القائمة وفق تعريف الجهة، وهي تختلف عن الإيراد السنوي للخزانة المصرية وعن تقدير الثروة التي جلبها جميع النازحين.

وتشير بيانات الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، المنقولة عن الإحصاء الرسمي، إلى أن تدفقات الاستثمار السوداني إلى مصر خلال السنة المالية 2023/2024 بلغت نحو 1.5 مليون دولار، مقابل 5.8 ملايين في السنة السابقة. لا يوجد تناقض حسابي لازم بين رقم 240 مليوناً ورقم 1.5 مليون: الأول يعرض رصيداً أو استثمارات قائمة بحسب الإعلان، والثاني تدفقاً خلال سنة مالية محددة، لكن يلزم التأكد من منهجية كل جهة قبل جمعهما في سلسلة واحدة.

التدفق السنوي تراجع، والرصيد المعلن رقم من نوع آخر

مليون دولار، تدفقات الاستثمار السوداني إلى مصر

  • السنة المالية السابقة5.8
  • 2023/20241.5

خارج المحور عمداً: رصيد 240 مليون دولار لا يُرسم مع التدفقات لاختلاف التعريف والمصدر. المصدر: الهيئة العامة للاستعلامات المصرية نقلاً عن الإحصاء الرسمي.

تجارة البلدين ليست استثمار اللاجئين

تكتسب هذه المقارنة أهميتها لأن الأرقام الرسمية تجمع أنواعاً مختلفة من الحركة الاقتصادية، بينما لا تزال عائدات الإيجارات والمساعدات العائلية ومعاملات التجار الأفراد في حاجة إلى قياس مستقل.

وتتيح الهيئة العامة للاستعلامات المصرية قياساً إضافياً لنطاق العلاقات التجارية: فقد أوردت بيانات عن واردات مصر من السودان في عام 2024 شملت حيوانات حية بقيمة 129 مليون دولار، وحبوباً وثماراً زيتية بقيمة 87 مليون دولار، وقطناً بقيمة 52 مليون دولار. وهذه تجارة بين بلدين، لا يجوز نسبتها بالكامل إلى نشاط اللاجئين الذين وصلوا بعد أبريل 2023.

ماذا استوردت مصر من السودان في 2024؟

مليون دولار، من إجمالي واردات بلغ 292.4 مليون دولار

  • حيوانات حية129
  • حبوب وثمار زيتية87
  • قطن52
  • بنود أخرى (حساب سودان ستوري)24.4

تجارة دولتين، لا نشاط لاجئين. طول العمود نسبة من إجمالي الواردات. «بنود أخرى» حساب سودان ستوري بطرح البنود الثلاثة من الإجمالي. المصدر: الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

ولفهم معنى هذه الأرقام يلزم التمييز بين رصيد الاستثمارات المسجلة وتدفقاتها السنوية، والتبادل التجاري بين الدولتين، ومبيعات الأعمال الصغيرة، والإيجارات، والمساعدات والتحويلات التي تموّل إنفاق الأسر. لكل فئة نطاق وطريقة إحصاء مختلفان؛ وجمعها في رقم واحد بلا تدقيق سيعطي نتيجة مضللة.

كذلك لا تعطي أرقام تسجيل المفوضية دليلاً تلقائياً على وضع الشخص في سوق العمل: قد يكون المسجل طفلاً أو مسناً أو شخصاً لا يستطيع العمل، وقد يمتلك سوداني آخر شركة مسجلة خارج منظومة اللجوء. وأظهرت دراسة كارنيغي العربية الفارق بين استدامة الشركات المتوسطة والكبيرة وهشاشة المشروعات المنزلية والمتناهية الصغر. وتعكس السوق فرصاً اقتصادية حقيقية، لكنها لا توزعها بالتساوي.

شبكة الحماية السودانية: من يدفع إيجار الأسرة؟

لا تتوقف القدرة على البقاء عند الراتب الذي يتقاضاه رب الأسرة داخل مصر. فقد تتوزع نفقات المعيشة بين أقارب في دول الخليج وأوروبا وأمريكا، وأصدقاء مقيمين في مصر، ومدخرات من السودان، ومبادرات تكافل اجتماعي. بهذا المعنى تعمل الجالية شبكة دعم عبر الحدود، ويصل جزء من مواردها إلى الأسواق المصرية عبر الإيجارات والغذاء والدواء والتعليم والنقل.

وتدعم الشواهد المنشورة وجود هذه الشبكات، من دون أن تحدد إجمالي قيمتها. ففي الدراسة الهاتفية التي شملت 531 سودانياً، قال 21.6% من المشاركين إنهم تلقوا مساعدات من العائلة والأصدقاء؛ وأفاد 42.4% بأنهم يسكنون مع أقارب أو معارف. ولا يميز هذا الرقم بين دعم يأتي من الخارج وآخر يُقدَّم داخل مصر، كما لا يكشف انتظام التحويلات أو قيمتها الشهرية. ووثقت اليونيسف لجوء وافدين سودانيين إلى المدن التي توجد فيها عائلات ممتدة قادرة على مساعدتهم.

وتشير مقابلات كارنيغي إلى أن بعض أصحاب المشاريع الصغيرة يعتمدون على قروض وموارد مشتركة من الأقارب والأصدقاء، وأن بعض السودانيين يحوّلون المدخرات عبر حساباتهم السودانية وتطبيق «بنكك»، ثم يلجؤون أحياناً إلى وسطاء صرف خارج المؤسسات الرسمية. وتختلف القنوات في وضعها القانوني ومخاطرها، فلا ينبغي الخلط بين التحويل النظامي، والمساعدة الأهلية، وصرف العملات غير المرخص.

أما الرقم المصري المنشور عن تحويلات السودانيين العاملين بمصر، البالغ 521 ألف دولار في السنة المالية 2023/2024، فلا يقيس هذه التدفقات الواردة إلى الأسر في مصر. فهو مؤشر من إحصاءات تحويلات العاملين بحسب الجنسية وبلد العمل، وليس حصيلة الأموال التي يرسلها سودانيون من دول ثالثة لإعالة أسرهم بالقاهرة. كما أن تحويل المال من الخارج إلى مستفيد في مصر لا يثبت وحده دخوله في صورة عملة صعبة إلى الجهاز المصرفي المصري؛ فالأثر يتوقف على قناة التسوية.

ما نعرفه عن التحويلات، وما لا نعرفه

مؤشران منشوران، وفجوة لم يقسها أحد بعد

منسوب إلى جهة:

عينة 531 وافداً

21.6%

تلقوا مساعدات من العائلة والأصدقاء، دون تمييز بين دعم من الخارج ودعم داخل مصر

ثابت رسمياً:

تحويلات عاملين حسب الجنسية

521 ألف دولار

2023/2024، ولا يقيس الأموال الواردة من دول ثالثة إلى الأسر

لم يثبت بعد:

فجوة

؟

إجمالي التحويلات الواردة إلى الأسر ومتوسطها الشهري: لا قاعدة بيانات تسمح بتقديره

وهنا تبدأ قصة قابلة للرصد: مسح طوعي ومجهّل لعينة من الأسر في فيصل والسادس من أكتوبر ومدينة نصر والإسكندرية عن بلد المرسل، وتواتر الاستلام، والعملة، والقناة، وأوجه الإنفاق؛ إلى جانب مقابلات مع جهات التحويل المرخصة، وبنك مصر والبنك المركزي المصري، والجمعيات السودانية. لا تتوافر لدينا حتى الآن قاعدة بيانات تسمح بتقدير إجمالي التحويلات الواردة أو متوسطها الشهري. وسيكون نشر كشوف تحويل أو حسابات أشخاص دون موافقتهم انتهاكاً لخصوصيتهم ولا يلزم لإنجاز القياس.

كيف تعمل الشركات السودانية؟

بعيداً عن الشركات الكبيرة، رصدت دراسة لمؤسسة كارنيغي نشرت في سبتمبر 2025 أعمالاً يديرها سودانيون في منطقة فيصل بالقاهرة، تشمل المطاعم والمقاهي ومحال البقالة والتجميل، مع توظيف محدود في كثير من المشروعات العائلية. ولاحظت الدراسة أن تدفق الوافدين القادرين على الاستئجار رفع الطلب على السكن والمساحات التجارية، لكن ارتفاع الإيجارات أضر أيضاً بالوافدين الأقل دخلاً، بينما تآكلت مدخرات آخرين بفعل تراجع العملة السودانية.

التجارة الحرة والبازارات: سوق لا تحصيه سجلات الاستثمار

يشمل النشاط الاقتصادي السوداني كذلك التجارة الفردية والحرة: شراء السلع وبيعها في المتاجر والأكشاك والأسواق المؤقتة، والأطعمة المنزلية، ومستحضرات التجميل والعطور والملابس، وخدمات الطلب والتوصيل عبر الإنترنت. هذه الأنشطة تختلف عن الشركات الاستثمارية المسجلة، لكنها تُنتج حركة شراء من الموردين المصريين، وتستأجر أماكن عرض وتستخدم النقل والتعبئة والعمل اليومي.

ووفق دراسة كارنيغي، تنظم بعض الشركات السودانية الأكبر حجماً بازارات تجارية يبيع فيها موردون وبائعون سودانيون الأغذية ومستحضرات التجميل وغيرها. وتستهدف شركات أخرى زبائن مصريين وسودانيين، أو تتعاقد مع مصانع مصرية لتصنيع منتجات من مواد خام مستوردة من السودان وبيعها داخل مصر وخارجها. وهذه شبكة نشاط اقتصادي تتجاوز حدود المقهى أو المطعم المعروف.

وفي المقابل، توثق الدراسة اعتماد مؤسسات صغيرة في فيصل على قنوات توريد غير رسمية، مع صعوبات التسجيل والإقامة وفتح الحسابات. ويجب عدم الخلط بين «التجارة الحرة» باعتبارها مبادرات فردية مشروعة في أصلها، وبين تداول سلع عبر منافذ أو ترتيبات غير نظامية. لا نستطيع احتساب رقم تجارة غير مسجلة على أنه قيمة مثبتة أو تبرير مخالفة القانون.

أما الهيئة العامة للاستعلامات المصرية فتورد تبادلاً تجارياً رسمياً بين البلدين بلغ نحو 1.2 مليار دولار في 2024، منه 866.2 مليون دولار صادرات مصرية للسودان و292.4 مليون دولار واردات مصرية منه. هذا مقياس للتجارة الثنائية الرسمية بين دولتين، وليس رقماً لمبيعات التجار السودانيين المقيمين في مصر. قياس التجارة الحرة للجالية يتطلب عينة محال وبازارات وسجلات فواتير طوعية ومقابلات مورّدين مصريين، ثم مقارنة القطاعات قبل أبريل 2023 وبعده.

الميزان التجاري الرسمي يميل لصالح مصر

مليون دولار، 2024

  • صادرات مصرية إلى السودان866.2
  • واردات مصرية من السودان292.4

القيود: تجارة رسمية مسجلة بين دولتين، ولا تشمل التجارة الحرة للجالية داخل مصر. المصدر: الهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

الفوائد والأعباء بلا مبالغة

هذه الأسواق تستفيد منها فئات من المصريين كذلك: ملاك عقارات وموردون وتجار وعاملون في خدمات النقل والتسويق والتشغيل، بحسب طبيعة كل نشاط. لكن تحديد صافي قيمتها المالية وحصة المصريين من الوظائف والدخل يتطلب مسحاً ميدانياً وبيانات ضريبية وتجارية لا تتوافر لدينا بعد. لذلك لا يمكن القول على أساس هذه الشواهد إن مغادرة جميع السودانيين ستشل الاقتصاد المصري أو تدفع وزير ماليته إلى استجدائهم.

في المقابل، تسجل المفوضية ومنظمات التنمية ضغوطاً على الخدمات والموارد، كما تظل قطاعات من اللاجئين معرضة للاستغلال أو الفقر أو صعوبة الحصول على الإقامة والعمل. ويقف وجود مستثمرين ناجحين إلى جانب حاجة أسر سودانية كثيرة إلى المساعدة، كما أن احتياج هذه الأسر لا يبرر وصف ملايين البشر بأنهم مجرد عبء.

والأجدى في الجدل الراهن حول مقتل المعدّنين السودانيين ألا تُستخدم الاستضافة باعتبارها سبباً للتنازل عن المطالبة بالتحقيق. حماية الأرواح حق مستقل، وكذلك حماية المواطنين المصريين في السودان. والسؤال الاقتصادي المستحق للتحقيق هو: ما مساهمة السودانيين بالفعل في أسواق مصر، وما التكلفة التي تتحملها الدولة والمجتمع، وكيف توزع المنافع والأعباء بين السكان؟

وتحتاج هذه المادة لتطويرها إلى تحقيق ميداني متعدد المدن، يشمل سجلات إيجارات وتجارة طوعية، ومقابلات مع الأسر وأصحاب المشروعات وملاك العقارات من الجنسيتين، وبيانات المؤسسات المالية والهيئات الحكومية. فما نقدمه هنا قراءة مسندة لمؤشرات منشورة، تبقى دون القيمة النهائية لما يضخه السودانيون في الاقتصاد المصري، ودون التقدير الصافي لمنافع وجودهم وتكاليفه.

ما الذي لا تجيب عنه البيانات المتاحة بعد؟

فجوات بحثية ذكرها المتن، وكل منها تحتاج قياساً مستقلاً

  • إجمالي التحويلات الواردة إلى الأسر السودانية في مصر ومتوسطها الشهري.
  • قيمة التجارة الحرة للجالية ومبيعات المحال والبازارات.
  • صافي القيمة المالية لنشاط السودانيين وحصة المصريين من الوظائف والدخل.
  • أثر الوافدين في الإيجارات بعد فصل التضخم وتقلب العملة ونقص المعروض.
  • منهجية رقمي 240 مليوناً و1.5 مليون قبل وضعهما في سلسلة واحدة.

وفي جانب الحماية القانونية للسودانيين المقيمين في مصر، نشرت «سودان ستوري» سابقاً تحقيق «بطاقة لا تكفي»، الذي يعرض شهادات عن الاحتجاز والترحيل. ولا يصح فصل فرص الاستثمار والعمل عن الضمانات القانونية اللازمة للإقامة والتنقل.

تحليل: فريق سودان ستوري

المصادر: البوابة الإحصائية للمفوضية، وصفحة الاستجابة لطوارئ السودان، والهيئة العامة للاستعلامات المصرية، والهيئة العامة للاستثمار، ودراسة كارنيغي، وRefugees International، وFrontiers in Medicine، واليونيسف.

المنهجية: الأرقام منقولة كما وردت في مصادرها. لا تُجمع أرقام الرصيد والتدفق والتجارة الثنائية وتحويلات العاملين لاختلاف نطاقها وطريقة إحصائها، ونتائج العينات لا تُعمم على كل السودانيين في مصر. كل رقم مشتق في الرسوم معلّم «حساب سودان ستوري».

الصورة: أرشيفية لسوق في القاهرة عام 2008، ولا توثق منشأة سودانية أو أرقام الاستثمار الحالية. تصوير Francisco Anzola / Wikimedia Commons، CC BY 2.0.

آخر مراجعة: 13 أكتوبر 2026