بقلم: عباس محمد إبراهيم – صحفي سوداني

في كتابه الخالد “المقدمة“، يضع ابن خلدون قانوناً أساسياً لحركة التاريخ مفاده أن أحوال الدول والمجتمعات لا تستقر على حال، وإنما تنتقل باستمرار من طور إلى آخر. وهذه الفكرة ليست مجرد تأمل فلسفي، بل تمثل أحد الأسس التي تقوم عليها الواقعية السياسية؛ فصانع القرار لا يتعامل مع الوقائع كما كانت، بل كما أصبحت.
غير أن إحدى المعضلات المتكررة في الفضاء السياسي السوداني تتمثل في وقوع بعض النخب الأكاديمية في أسر القراءة الأيديولوجية الجامدة، حيث تُحاكم التحولات التاريخية بمعايير ثابتة وتتجاهل المتغيرات البنيوية التي تعيد تشكيل الواقع.
وقد تجسد هذا الإشكال مؤخراً في حديث البروفيسور حسن حاج علي، أستاذ العلوم السياسية، الذي انتقد السياسي السوداني ياسر عرمان، في برنامج السودان بودكاست، معتبراً أن ثمة تناقضاً بين تحذيره المبكر عام 2010 من نشوء قوات الدعم السريع، وبين دعوته عام 2021 للتعامل معها كأمر واقع والعمل على دمجها ضمن مشروع إصلاح المؤسسة العسكرية.
غير أن هذه المقارنة تتجاهل متغيراً أساسياً في العلوم السياسية هو “سياق التحول المؤسسي”. فالمسألة لا تتعلق بموقفين معزولين في الزمن، بل بواقعين مختلفين جذرياً من حيث موازين القوة والبنية القانونية والعلاقات الإقليمية والدولية.
في عام 2010 كانت فكرة إنشاء قوة موازية للجيش لا تزال مشروعاً قيد التشكل داخل مؤسسات نظام البشير. وكان التحذير آنذاك محاولة لمنع ولادة أزمة قبل أن تتحول إلى حقيقة مادية يصعب التعامل معها.
أما بحلول عام 2021، فقد أصبح المشهد مختلفاً بصورة جذرية. لم تعد قوات الدعم السريع مجرد تشكيل مسلح محلي، بل تحولت إلى مؤسسة عسكرية واقتصادية واسعة النفوذ، تشكلت عبر مجموعة من التحولات الإقليمية والدولية المهمة.
أول هذه التحولات تمثل في المشاركة العسكرية في حرب اليمن ضمن التحالف العربي منذ عام 2015، وهي المشاركة التي وفرت للقوات خبرات قتالية متقدمة، ومصادر تمويل ضخمة، وشبكات علاقات إقليمية عززت من استقلاليتها وقدراتها العسكرية.
أما التحول الثاني فتمثل في الدور الذي لعبته القوات في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية ضمن ما عُرف بـ”عملية الخرطوم”، الأمر الذي منحها اعترافاً وظيفياً ودولياً متزايداً، وساهم في تعزيز حضورها المؤسسي داخل الدولة السودانية.
وبالتوازي مع ذلك، تمكنت القوات من بناء شبكات اقتصادية مستقلة، خاصة في قطاع التعدين، كما حصلت على وضع قانوني رسمي عبر قانون قوات الدعم السريع لعام 2017، لتصبح جزءاً من بنية السلطة نفسها، وليس مجرد قوة تعمل على هامشها.
لكن التحول الأكثر خطورة تمثل في التعديلات القانونية التي أضعفت العلاقة التنظيمية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وعلى رأسها إسقاط المادة (5) من القانون المنظم للقوات.
فمن الناحية القانونية، كانت هذه المادة تمثل الإطار الذي يربط قوات الدعم السريع بالقوات المسلحة ويخضعها لسلطتها الإدارية والتراتبية. ومع إلغائها توسعت مساحة الاستقلال المؤسسي للقوات بصورة غير مسبوقة، ما جعلها تمتلك هامشاً واسعاً في التجنيد والتسليح وإدارة الموارد بعيداً عن الرقابة العسكرية التقليدية.
كما أن تجربة الفترة الانتقالية نفسها تقدم دليلاً إضافياً على حجم التحول الذي طرأ على موازين القوة داخل الدولة السودانية. فعلى مدى نحو ثمانية وعشرين شهراً من حكم الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك، ورغم الشرعية الثورية والدعم الدولي الواسع الذي حظيت به السلطة المدنية، لم تتمكن من وقف تمدد قوات الدعم السريع أو تفكيك بنيتها العسكرية والاقتصادية.
بل إن النقاش طوال تلك الفترة انصب على كيفية معالجة الاختلالات البنيوية داخل القطاع الأمني والعسكري عبر الإصلاح والتوحيد وإعادة الهيكلة، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن القضية تجاوزت مرحلة الحلول الإدارية البسيطة. غير أن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 أطاح بالحكومة الانتقالية وأخرج المكون المدني من السلطة قبل أن تبلغ تلك العملية مداها، لينتقل السودان من مسار الإصلاح المتعثر إلى مسار الانهيار الشامل.
وهنا تكمن النقطة المركزية التي يغفلها التحليل الأيديولوجي. ففي عام 2021 لم يعد الحديث يدور حول منع نشوء قوة موازية، لأن هذه القوة كانت قد أصبحت بالفعل واقعاً عسكرياً وسياسياً وقانونياً قائماً.
ومن ثم، فإن الخيارات المتاحة أمام الفاعلين السياسيين لم تعد هي ذاتها الخيارات المتاحة قبل عقد من الزمن. فحين تصبح الأزمة جزءاً من بنية الدولة نفسها، ينتقل النقاش من سؤال المنع إلى سؤال الإدارة والاحتواء والإصلاح.
أمام هذا الواقع المؤسسي المعقد، تبدو دعوة ياسر عرمان إلى الدمج وإعادة الصياغة المؤسسية باعتبارها محاولة لتفكيك الأزمة بأدوات سياسية وقانونية، لا باعتبارها تراجعاً عن موقفه الأصلي. فالتحذير من نشوء الخطر في مرحلة مبكرة لا يتناقض مع البحث عن آليات واقعية للتعامل معه بعد أن أصبح حقيقة قائمة.
ولعل اللافت أن هذه الفكرة التقطها بعض المعلقين العاديين على وسائل التواصل الاجتماعي بصورة أكثر قرباً من منطق الواقعية السياسية، حين أشار أحدهم إلى أن التحذير عام 2010 كان يهدف إلى منع تكوين القوة الموازية، بينما أصبح المطلوب في عام 2021 هو إيجاد صيغة لدمجها وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية لتجنب الحرب.
هذه الملاحظة البسيطة تلخص جوهر المسألة: عندما تفشل في منع الأزمة أثناء طورها الجنيني، تصبح مهمتك كصانع سياسة هي إدارة الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، لا التصرف وكأن الزمن لم يتحرك والوقائع لم تتغير.
اليوم، وبعد اندلاع الحرب وما ترتب عليها من كوارث إنسانية وسياسية غير مسبوقة، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الأزمة قد نشأت، بل لماذا فشلت النخب السياسية والعسكرية في التعامل مع التحولات التي سبقت انفجارها.
وبالطبع يظل من حق أي باحث أو أكاديمي نقد مواقف ياسر عرمان أو غيره من السياسيين، فالنقد جزء أساسي من المجال العام. غير أن قيمة التحليل الأكاديمي تكمن في قدرته على تفسير الواقع كما هو، لا كما ترغب الأيديولوجيا أن يكون.
ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بالدفاع عن عرمان أو غيره، بقدر ما تتعلق بالدفاع عن منهج التحليل نفسه. فالسياسة ليست اختباراً للثبات العقائدي، بل هي فن التعامل مع الوقائع المتغيرة. وعندما تتحول الأيديولوجيا إلى عدسة وحيدة لفهم الأحداث، يصبح خطرها الأكبر أنها تمنع أصحابها من رؤية التحولات التي تجري أمام أعينهم، حتى تفرض نفسها عليهم كحقائق لا يمكن تجاهلها.
إن الدرس الأهم من التجربة السودانية هو أن التاريخ لا يعاقب من يغيرون أدواتهم لمواجهة واقع جديد، بل يعاقب أولئك الذين يصرون على قراءة واقع جديد بعقول قديمة.
