رئيس دولة الإمارات خلال لقائه كبير مستشاري ترامب

نيروبي — عباس محمد إبراهيم

لم تعد الولايات المتحدة تقول فقط إن النزاع المسلح في السودان يتغذى من الخارج. الجديد أن أحد أبرز المسؤولين عن ملف السودان في إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأ يقدم تفسيراً أكثر تعقيداً، وربما أكثر حذراً، للطريقة التي يصل بها السلاح إلى طرفي النزاع المسلح.

مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، قال في مقابلة مع برنامج «فوكس أون أفريكا» في هيئة الإذاعة البريطانية إن واشنطن تتواصل بصورة منتظمة مع الإمارات بشأن السودان، وإن أبوظبي تنفي أي تورط مباشر في إمداد قوات الدعم السريع بالسلاح.

ثم أضاف عبارة تستحق التوقف عندها: قد يكون هناك «تجار» يقومون بهذه الإمدادات.

التصريح يترك المسؤولية عن التسليح مفتوحة، إذ يطرح بولس — بلا أدلة معلنة — تفسيراً يفصل نظرياً بين الدولة وبين شبكات تجارية تعمل من أراضيها أو عبرها، في سابقة تكاد تكون الأولى من مسؤول أميركي بهذا المستوى.

وهنا تبدأ المشكلة.

اثنتا عشرة دولة.. بلا أسماء

في المقابلة نفسها، قال بولس إن ما لا يقل عن 12 دولة تقدم، بصورة أو أخرى، دعماً عسكرياً لطرفي النزاع المسلح في السودان.

وعدد أشكال هذا الدعم: أسلحة وذخائر ومسيّرات ووقود وقطع غيار وخدمات لوجستية وتدريب.

لكنه رفض تسمية الدول.

وبذلك تقدم واشنطن للرأي العام السوداني معادلة غريبة: تعرف أن اثنتي عشرة دولة على الأقل تساعد في استمرار النزاع المسلح، وتقول إن حجم الدعم الخارجي ازداد خلال الأشهر الأخيرة، لكنها لا تريد تحديد المسؤولين عنه.

بدلاً من ذلك، تدفع الإدارة الأميركية بمشروع داخل مجلس الأمن لتوسيع حظر السلاح المفروض على دارفور منذ عام 2005 ليشمل السودان كله، بما في ذلك المسيّرات ومكوناتها والتقنيات المرتبطة بها.

مسعد بولس

المقاربة الأميركية تقول، في جوهرها، إن قطع التدفقات أهم الآن من الدخول في معركة تسمية الدول التي تقف خلفها.

لكن هذه المقاربة تواجه سؤالاً أصعب: هل يمكن وقف شبكة تسليح دولية من دون تحديد من يديرها؟

مشكلة «التجار»

من الناحية العملية، ليس غريباً أن تمر تجارة السلاح غير المشروعة عبر شركات واجهة ووسطاء وشركات شحن وأفراد يحملون جنسيات متعددة.

هذه هي الطريقة التي تعمل بها شبكات الالتفاف على العقوبات في كثير من النزاعات المسلحة.

لكن المشكلة في الحالة السودانية أن الأدلة المنشورة حتى الآن لا تصف مجرد تجار يشترون بنادق من السوق السوداء ثم يعبرون بها الحدود.

بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق قالت الأسبوع الماضي إنها وجدت شبكات عابرة للحدود مرتبطة بأفراد وكيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال تقدم السلاح والخدمات اللوجستية والتدريب والمقاتلين الأجانب إلى الدعم السريع.

كما تحدثت عن متعاقدين كولومبيين شاركوا في تشغيل وصيانة أسلحة متطورة ومسيّرات.

وفي الجانب الآخر، قالت البعثة إن التحقيق في الدعم الخارجي للجيش ما يزال أقل تقدماً، لكنها عثرت على مؤشرات إلى استخدام الجيش مسيّرات وذخائر جوالة أجنبية المصدر.

هذه الصورة تُبقي وجود «التجار» قائماً، لكنها تُعيد صياغة السؤال: هل هؤلاء تجار مستقلون حقاً، أم أنهم الطبقة التجارية لشبكات أكبر توفر لها الدول البيئة والتمويل والمطارات والحدود والحماية السياسية؟

لماذا تتجنب واشنطن الأسماء؟

هناك تفسير دبلوماسي مباشر.

الدول التي تتهمها أطراف مختلفة بالتدخل في السودان ليست دولاً هامشية بالنسبة إلى واشنطن. بعضها حليف أمني واقتصادي مهم للولايات المتحدة، وبعضها شريك في ملفات تمتد من البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى الخليج وليبيا.

وتحتاج واشنطن، في الوقت نفسه، إلى عدد من هذه الدول لإنجاح أي محاولة لوقف النزاع المسلح.

لذلك يبدو أن الإدارة تحاول بناء مقاربة تقوم على إدانة الظاهرة من دون تفجير علاقاتها مع الأطراف المتهمة بها.

بولس نفسه قال إنه التقى المسؤولين الإماراتيين الأسبوع الماضي، وإن موقفهم هو نفي أي تدخل مباشر. وعندما سئل عن الدول المتورطة، امتنع عن تسميتها رغم تأكيده أن هوياتها معروفة.

هذا ليس تفصيلاً لغوياً. فإذا كانت الهويات معروفة فعلاً كما يقول بولس، يصبح السؤال المُلِح: لماذا لم تُترجَم هذه المعرفة إلى عقوبات فردية أو إحالات محددة، بدل الاكتفاء بإطار جماعي يشمل الجميع ولا يخص أحداً؟

إنه يكشف المعضلة الأساسية في السياسة الأميركية تجاه السودان: واشنطن تريد وقف التدخل الخارجي، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الدول التي تتهمها التقارير الدولية بأنها جزء من منظومته.

الحظر بدلاً من المواجهة

لهذا يصبح مشروع حظر السلاح الشامل مفهوماً من زاوية السياسة الأميركية.

فبدلاً من اتهام الإمارات أو مصر أو تركيا أو إيران أو أي دولة أخرى بصورة منفردة، تستطيع واشنطن إنشاء قاعدة واحدة تقول ببساطة: لا سلاح لأي طرف في السودان.

ويقول بولس والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز إن الحظر المقترح سيمتد إلى ما هو أبعد من الجيش والدعم السريع، ليشمل الشبكات التي تزودهما بالسلاح أيضاً.

لكن حتى هذه المقاربة تواجه مشكلة التنفيذ.

حظر السلاح المفروض على دارفور قائم منذ أكثر من عشرين عاماً، ومع ذلك أصبح النزاع المسلح الحالي واحداً من أكثر النزاعات الأفريقية استخداماً للمسيّرات والأسلحة المتطورة والمقاتلين الأجانب.

بذلك يتجاوز السؤال مسألة حاجة السودان إلى حظر أوسع، ليصل إلى سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا فشل الحظر الموجود أصلاً؟

وإذا كانت الدول أو الشبكات التي خرقت النظام السابق معروفة لدى الحكومات وأجهزة الاستخبارات، فما الذي سيجعلها تلتزم بنظام جديد ما لم تتغير تكلفة الخرق؟

الاختبار الحقيقي

يتركز الاختبار الحقيقي، خلال الأيام المقبلة، في تفاصيل التنفيذ أكثر منه في صياغة مجلس الأمن لعبارة «كل السودان» بدلاً من «دارفور».

تشمل هذه التفاصيل نشر أسماء الشركات والوسطاء وشركات الطيران والممولين، وتجميد أصولهم، ومنع الطائرات والسفن المستخدمة في الإمداد من الوصول إلى الموانئ والمطارات الدولية، إضافة إلى فرض عواقب فعلية على الدول التي تسمح باستخدام أراضيها لهذه الشبكات.

غياب أي من هذه الخطوات يترك الحظر الجديد طبقة قانونية أخرى فوق نزاع مسلح تعلّمت شبكاته منذ سنوات كيف تتجاوز الطبقات القانونية.

جبريل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة

وتبقى عبارة مسعد بولس عن «التجار» مهمة لهذا السبب تحديداً: فإذا كانت واشنطن تمتلك أدلة على أن شبكات تجارية خاصة هي التي تمد طرفي النزاع المسلح، فإن الخطوة التالية المنطقية تتمثل في كشفها وتعطيلها.

أما إذا كان هؤلاء التجار يعملون داخل منظومات تدعمها أو تحميها دول، فإن الفصل بين «الدولة» و«الوسيط» قد يصبح وصفاً دبلوماسياً مريحاً أكثر منه تفسيراً لكيفية وصول السلاح إلى السودان.

بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع المسلح، يبقى السؤال الأصعب: لماذا تمتنع واشنطن عن تسمية دول تصفها هي نفسها بأنها معروفة الهوية، طالما ظل الحظر الجماعي لا يُحرج أحداً بالاسم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *