سودان ستوري: متابعات
رئيس حركة تحرير السودان يرى أن إطلاق مسار سياسي من مناطق سيطرة الجيش قد يقود إلى مسار موازٍ في مناطق أخرى، بينما يقول عضو لجنة التهيئة إن مهمتها تسبق الحوار ولا تنازع القوى السياسية ملكيته
دخل الجدل حول لجنة تهيئة الحوار السوداني مرحلة أكثر تحديداً، بعد أن انتقل من الخلاف حول توقيت المبادرة واستقلالها إلى سؤال يتعلق بطبيعة مهمتها نفسها: هل تمثل اللجنة مدخلاً إلى حوار سياسي، أم أنها مجرد وسيط لتهيئة الظروف قبل أن تتولى القوى السياسية إدارة العملية؟
وأثار رئيس حركة تحرير السودان والقيادي في الكتلة الديمقراطية، مني أركو مناوي، هذا السؤال بصورة مباشرة، عندما قال إن الحوار السياسي ليس من اختصاص «الشخصيات المستقلة»، وإن التنظيمات السياسية هي صاحبة الاختصاص في طرحه وإدارته.
لكن عضو لجنة تهيئة الحوار، الواثق كمير، رد بأن هذا الاعتراض يقوم، في جانب منه، على تصور لمهمة اللجنة لا يتطابق مع ما أعلنته عن نفسها، مؤكداً أنها «ليست منبراً للحوار» ولا بديلاً عن القوى السياسية.
وقال مناوي، في مقابلة مع صحيفة «أفق جديد»، إن الحوارات السياسية الكبيرة تحتاج إلى تهيئة حقيقية للمناخ وبناء الثقة، إلى جانب عدم عزلها عن المحيطين الإقليمي والدولي، مشدداً على أهمية وجود دور خارجي، سواء في المراقبة أو التسهيل، لضمان تنفيذ ما تنتهي إليه العملية.
وفي الوقت نفسه، أبدى تحفظاً على الصفة المستقلة لأعضاء اللجنة، وقال إن الكتلة الديمقراطية ستقدم تقييماً لمبادرتها، رغم تأييدها من حيث المبدأ لأي خطوة تؤسس لحوار بين السودانيين.
وأضاف مناوي ساخراً: «مافي مستقل حكم بلد»، معتبراً أن القوى والتنظيمات السياسية ينبغي أن تكون صاحبة الدور الأساسي في أي عملية من هذا النوع.
أين يبدأ الحوار؟
لكن اعتراض مناوي الأكثر حساسية لم يتعلق بتكوين اللجنة وحده، وإنما بمكان انطلاق العملية نفسها.

ففي ظل استمرار النزاع المسلح وانقسام البلاد بين مناطق نفوذ عسكري مختلفة، حذر مناوي من أن إطلاق حوار سياسي في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش قد يشجع الطرف الآخر على إطلاق حوار مماثل في المناطق التي يسيطر عليها.
وقال إن النتيجة يمكن أن تكون «انقسام البلاد بوضع اليد».
ويضع هذا التحذير أحد أكثر الأسئلة تعقيداً أمام أي عملية سياسية يجري إطلاقها في السودان حالياً: هل يمكن لمسار يبدأ من إحدى مناطق السيطرة العسكرية أن يكتسب صفة وطنية تشمل الأطراف والقوى الموجودة خارجها؟
ويكتسب السؤال أهمية إضافية في ظل وجود مؤسسات وسلطات سياسية وعسكرية متنافسة أنتجها النزاع المسلح، وتحول خطوط السيطرة الميدانية تدريجياً إلى حدود لإدارة مختلفة للمؤسسات والخدمات والنشاط السياسي.
لكن مناوي لم يغلق الباب أمام المبادرة، وقال: «طالما هناك نوايا لإجراء حوار وطني، مبدئياً نحن نشجع هذه الخطوة»، قبل أن يطرح تساؤلات بشأن توجه اللجنة ورؤيتها لطبيعة الأزمة السودانية التي اعتبر أنها تتجاوز توصيفها باعتبارها مجرد «حرب بين جنرالين».
كمير: الخلط في تعريف المهمة
ولم يتأخر الرد من داخل لجنة التهيئة.
ففي مقال نشره الخميس بعنوان «إلى مني أركو مناوي: اللجنة ليست منبراً للحوار»، قال الواثق كمير إن جانباً مهماً من انتقادات مناوي يقوم على خلط بين لجنة تعمل على تهيئة الظروف للحوار وبين المنبر الذي يفترض أن تجلس فيه القوى السياسية للتفاوض.
وشدد كمير على أن ما يكتبه يمثل رأيه الشخصي، ولا يصدر باسم اللجنة.
وقال إن القوى السياسية والمدنية والمجتمعية هي بالفعل الأطراف التي ينبغي أن تخوض أي حوار وطني جاد، لكنها ليست بالضرورة الجهة التي تقوم وحدها بتهيئة الطريق المؤدي إليه.
وبحسب كمير، لم تقل اللجنة إنها حزب سياسي، أو إنها تمثل القوى السياسية، أو ستدير الحوار نيابة عنها، ولم تقدم نفسها باعتبارها منبر الحوار.
وحدد مهمتها في «تهيئة المناخ، وفتح قنوات التشاور، والاستماع إلى مختلف القوى حول شروط أي حوار جاد، وضماناته، ومعايير المشاركة فيه، والقضايا التي ينبغي حسمها قبل أن يصبح انعقاد الحوار ممكناً ومجدياً».
ورأى كمير أن مطالبة مناوي أعضاء اللجنة بتقديم أنفسهم «كجهات سياسية» تحمل تناقضاً؛ فإذا كانت القوى السياسية هي التي تملك حق خوض الحوار، فلا ضرورة لأن يتحول من يعمل على تهيئته إلى طرف سياسي آخر ينافسها على التمثيل.
كما رد على عبارة مناوي «مافي مستقل حكم بلد»، قائلاً إن اللجنة لا تطلب حكم البلاد أصلاً، ولا تطالب بحصة في السلطة أو بتفويض سياسي.
شروط مناوي أم مهمة اللجنة؟
وذهب كمير إلى أن الشروط التي وضعها مناوي للحوار لا تتعارض بالضرورة مع وجود اللجنة، بل تكاد تحدد طبيعة المهمة التي ينبغي أن تقوم بها.
فبناء الثقة، والبحث عن الضمانات، وفتح الاتصالات مع الأطراف الإقليمية والدولية، والاستماع إلى القوى المختلفة قبل بدء الحوار، كلها ـ وفق رؤيته ـ مهام تسبق العملية السياسية ولا تحل محلها.
ورفض في الوقت نفسه الاستنتاج بأن المبادرة تقود بالضرورة إلى تقسيم سياسي للبلاد، قائلاً إن اللجنة لم تدعُ إلى حوار خاص بمناطق سيطرة الجيش، ولم تعترف بسلطة سياسية موازية أو تقترح تقسيم المجال السياسي بين مناطق نفوذ الأطراف المسلحة.
ووضع الاختبار في الاتجاه المعاكس: هل تستطيع اللجنة فعلاً التواصل مع القوى داخل مناطق سيطرة الحكومة وخارجها، ومع مؤيدي السلطة وخصومها، ومع القوى المدنية والمسلحة، من دون أن تتحول إلى امتداد لأي طرف؟
أسئلة مشروعة
ورغم دفاعه عن طبيعة اللجنة، لم يرفض كمير الأسئلة التي طُرحت حول استقلالها.
وقال إن من حق مناوي والكتلة الديمقراطية وغيرهما السؤال عن استقلال اللجنة، وعلاقتها بالدولة، ومصادر تمويلها، ومنهج عملها، وكيفية تواصلها مع القوى المختلفة، والضمانات التي تحول دون تحولها إلى «واجهة سياسية».
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن جزءاً أساسياً من الاعتراضات التي واجهت المبادرة منذ الإعلان عنها انصب على علاقتها بالسلطة القائمة في بورتسودان، وإمكانية إدارة عملية سياسية شاملة من داخل جغرافيا يسيطر عليها أحد طرفي النزاع المسلح.
وبين تحذير مناوي ودفاع كمير، لا يبدو الخلاف متعلقاً بمبدأ الحوار في حد ذاته.
كلاهما يتحدث عن ضرورة تهيئة المناخ، وبناء الثقة، والحاجة إلى ضمانات، وعدم عزل العملية عن محيطها الإقليمي والدولي.
لكن الخلاف يبدأ عند السؤال عمن يقوم بهذه المهمة، ومن أين تنطلق، وما إذا كانت لجنة تتهيأ للعمل من الخرطوم قادرة على الوصول إلى القوى الموجودة خارج مناطق سيطرة الجيش بالقدر نفسه.
وهنا يصبح الاختبار الحقيقي للجنة أقل ارتباطاً بما تقوله عن نفسها، وأكثر بما ستفعله فعلاً: هل تستطيع أن تفتح طريقاً إلى حوار يشمل السودان كله، أم ستبقى حدود النزاع المسلح أقوى من حدود مهمتها؟

