سودان ستوري: مع الناس
من داخل المؤسسة الشرطية خرج إبراهيم محمد مصطفى، ثم عاد إليها من باب مختلف: مقاطع يصورها المواطنون، وأسئلة عن التحصيل والتجاوزات والمساءلة
لم يحتج إبراهيم محمد مصطفى، المعروف في المنصات السودانية باسم «ود المصطفى»، إلى كاميرات مراقبة حكومية أو غرفة تحكم حتى يضع أداء الشرطة تحت المجهر.
الرجل الذي خدم سابقاً في الشرطة عاد إلى المؤسسة التي يعرفها، ولكن هذه المرة من خارجها، عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي.
في مشروعه «كاميرا تصحيح»، أصبحت الفكرة بسيطة: المواطن الذي يرى تجاوزاً يوثقه بدلاً من الاكتفاء بالشكوى.
هكذا تحولت الهواتف المحمولة إلى عيون منتشرة على الطرق، بينما أصبح ود المصطفى نقطة تجمع للمقاطع والأسئلة والشكاوى التي تصل من المواطنين.
لكن قصة «كاميرا تصحيح» أعمق من مقطع واحد، وأسبق من بيان شرطة المرور الصادر هذا الأسبوع.
فود المصطفى ظل لسنوات يقدم محتوى يتناول المؤسسة الشرطية من الداخل، مستفيداً من خبرته السابقة فيها. وفي يوليو 2025، ظهر في تسجيلات مطولة يتحدث فيها عن شرطة المرور وكواليس العمل داخلها، قبل أن يتوسع لاحقاً في تناول قضايا تتصل بالإدارة والفساد والتجاوزات داخل مؤسسات الدولة.
وبمرور الوقت، تغيرت طبيعة دوره: توسّع تدريجياً من شرطي سابق يتحدث عما يعرفه إلى جهة تستقبل ما يصوره آخرون.
المواطن يدخل دائرة الرقابة
الفارق الذي تصنعه «كاميرا تصحيح» هو أنها تنقل المراقبة من الشخص الذي يعرف المؤسسة إلى الجمهور نفسه.
السائق، الراكب أو المار في الطريق يمكنه اليوم أن يسجل ما يحدث أمامه خلال ثوانٍ، وأن يضع الواقعة أمام آلاف الأشخاص قبل أن تنتهي الإجراءات الرسمية المتعلقة بها.
وفي بلد أضعف النزاع المسلح مؤسسات الرقابة والخدمة العامة، منحت الهواتف المواطنين قدرة جديدة على إنتاج الدليل الأولي بأنفسهم.
وهنا تحديداً تكمن قوة المبادرة ومشكلتها في الوقت نفسه.
فالصورة قد تكشف سلوكاً يستحق التحقيق، لكنها لا تمثل في حد ذاتها حكماً قضائياً. وقد يبدأ التسجيل بعد بداية الواقعة أو ينتهي قبل اكتمالها، كما أن تبادل أموال أو حديث بين مواطن وشرطي لا يكفي وحده لإثبات جريمة ما لم تخضع الواقعة للتحقيق.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لـ«كاميرا تصحيح» ليست في أن تصبح محكمة على مواقع التواصل، وإنما في قدرتها على دفع المؤسسة المختصة إلى أن تسأل وتحقق وتعلن النتيجة.
من شرطي سابق إلى خصم مزعج
هذه العلاقة مع المؤسسة ليست بلا توتر.
ففي مايو الماضي، تداولت وسائل إعلام سودانية أنباء عن صدور أمر قبض في مواجهة ود المصطفى من نيابة أمن الدولة، على خلفية اتهامات متصلة بمحتوى ونشاط إعلامي نُسب إليه.
ولم تتطابق الروايات المنشورة بصورة كاملة حول تفاصيل البلاغ ومواده القانونية، لكن الواقعة كشفت شيئاً آخر: أن صوت الشرطي السابق لم يعد مجرد محتوى هامشي على المنصات.
لقد أصبح طرفاً في سجال أوسع حول من يملك الحق في الحديث عن المؤسسة الأمنية، وكيف يمكن التمييز بين النقد والكشف عن التجاوزات من جهة، والاتهامات التي تحتاج إلى إثبات من جهة أخرى.
ومن هذه المساحة جاءت «كاميرا تصحيح».
بدلاً من أن تكون القضية ما يقوله ود المصطفى وحده، أصبحت هناك صورة يلتقطها مواطن، ومؤسسة مطالبة بأن تقول ماذا حدث.
المرور يدخل على الخط
في الثاني من سبتمبر، قالت الإدارة العامة لشرطة المرور إنها لن تتهاون مع أي تجاوز أو مخالفة تثبت بحق أي شخص، وإن من يثبت ارتكابه مخالفة سيجد طريقه إلى المساءلة وفق القانون.
وأضافت أن «النزاهة وحماية المال العام وحقوق المواطن» قيم لا تهاون فيها، مؤكدة استمرار عمليات الرقابة.
جاء بيان الشرطة خالياً من أي إشارة إلى ود المصطفى أو «كاميرا تصحيح»، وهو ما يجعل ربطه مباشرة بالمبادرة أمراً غير مؤكد.

لكن التزامن يكشف عن السؤال الذي أصبحت المبادرة تضعه أمام الإدارة العامة للمرور: ماذا تفعل المؤسسة عندما تصبح مخالفاتها المحتملة قابلة للتصوير والنشر فوراً؟
لم يعد كافياً أن تقول المؤسسة إنها تحاسب المخالفين.
فالمرحلة التالية هي أن يعرف المواطن مصير المقطع الذي أرسله: هل جرى التحقق منه وفُتح تحقيق بشأنه، وهل ثبتت المخالفة أم لا، وما الإجراء الذي اتُخذ حيالها؟
هذا هو الفارق بين التفاعل مع ضجة على مواقع التواصل وبناء نظام للمساءلة.
الكاميرا ليست المؤسسة
يبقى دور ود المصطفى محصوراً في التوثيق والمتابعة، فيما تظل صلاحية الفصل في الوقائع للنيابة والشرطة والقضاء وحدها.
لكن «كاميرا تصحيح» تكشف فجوة واضحة: المواطن يريد قناة يستطيع عبرها مساءلة من يستخدم السلطة في مواجهته، ويريد أن يرى نتيجة تلك المساءلة.
ويمكن للمؤسسة نفسها أن تستفيد من هذا النوع من الرقابة إذا تعاملت معه بوصفه مصدراً للمعلومات، لا باعتباره خصومة معها.
فتح قناة رسمية لاستقبال المقاطع، ومنح كل شكوى رقماً يمكن متابعته، ثم إعلان نتائج التحقيقات، يمكن أن ينقل الظاهرة كلها من فضاء التشهير والاتهامات المتبادلة إلى نظام أكثر قابلية للتحقق.
وفي المقابل، تتحمل «كاميرا تصحيح» مسؤوليتها أيضاً: التحقق قبل النشر، وعدم تقديم الاشتباه بوصفه إدانة، وحماية حقوق الأشخاص الذين يظهرون في التسجيلات، وإتاحة حق الرد.
ما الذي صنعه ود المصطفى؟
ربما تكمن أهمية التجربة في التغيير الذي طرأ على موقع المواطن نفسه، أكثر مما تكمن في عدد المقاطع التي نشرها ود المصطفى.
قبل سنوات، كان الخلاف بين شرطي ومواطن في الطريق غالباً ينتهي حيث وقع. روايتان متعارضتان، وسلطة أكبر في يد أحد الطرفين.
اليوم يوجد طرف ثالث: الكاميرا.
وهذا هو جوهر قصة «كاميرا تصحيح»: شرطي سابق خرج من المؤسسة ثم عاد لمراقبتها من خارج أسوارها، في الوقت الذي اكتشف فيه مواطنون أن الهاتف الذي يحملونه يمكن أن يتحول إلى أداة مساءلة، بينما باتت شرطة المرور تعلن الآن أن حماية المال العام وحقوق المواطن لا تهاون فيها.
يبقى الاختبار الحقيقي أبعد من البيانات والمقاطع معاً:
هل تنتهي الكاميرا عند لحظة النشر، أم تبدأ منها المساءلة؟

