سلسلة «ذهب الحرب» (1 من 3)
اعداد: محمد عبد الرحمن
تكشف بيانات النصف الأول من 2026 أن قيمة صادرات السودان ارتفعت 34%، لكن الواردات قفزت إلى 71%. وبينما رفعت الأسعار العالمية قيمة الذهب رغم تراجع الكمية المصدّرة، استحوذت المنتجات البترولية وحدها على نحو ثلثي الزيادة في فاتورة الاستيراد.
في النصف الأول من 2026، صدّر السودان ذهباً أقل مما صدّره في الفترة نفسها من العام السابق، لكنه سجّل في بيانات التجارة قيمة دولارية أعلى. تراجعت الكمية المسجلة من 8.835 أطنان إلى نحو 8.032 أطنان، بينما ارتفعت قيمتها من 839.9 مليون دولار إلى 1.135 مليار دولار.
كان ذلك كافياً لدفع إجمالي الصادرات إلى أعلى، لكنه لم يكن كافياً لكبح العجز التجاري. ففي الأشهر الستة نفسها، نمت فاتورة الواردات بأكثر من ضعف معدل نمو الصادرات، واتسعت الفجوة بين ما يبيعه السودان للخارج وما يشتريه منه إلى 2.701 مليار دولار، مقابل 1.287 مليار دولار في النصف الأول من 2025.
هذه هي مفارقة أحدث أرقام التجارة الخارجية: الذهب رفع قيمة الصادرات، لكن قفزة الواردات — وفي مقدمتها المنتجات البترولية — ابتلعت الزيادة وأكثر.
صادرات تنمو.. وعجز يتضاعف
بحسب الموجزين الإحصائيين للتجارة الخارجية الصادرين عن بنك السودان المركزي، ارتفعت الصادرات من 1.355 مليار دولار في النصف الأول من 2025 إلى 1.816 مليار دولار في الفترة نفسها من 2026، أي بنسبة 34%.
في المقابل، ارتفعت الواردات من 2.642 مليار دولار إلى 4.517 مليارات دولار، بنمو يقارب 71%. ونتيجة لذلك، زاد العجز التجاري بنحو 110%، أي إنه تجاوز ضعفي مستواه قبل عام.
تُظهر نسبة التغطية حجم الاختلال بصورة أوضح. ففي النصف الأول من 2025، كانت الصادرات تغطي 51.3% من قيمة الواردات. وبعد عام، انخفضت النسبة إلى 40.2%. وبعبارة أخرى، كان السودان يستورد سلعاً بقيمة 1.95 دولار مقابل كل دولار من الصادرات، ثم ارتفعت النسبة إلى 2.49 دولار في النصف الأول من 2026.
توضح المقارنة بين جانبي التجارة الخارجية حجم التغير الذي طرأ خلال عام واحد. فقد ارتفعت قيمة الصادرات، لكن الزيادة في الواردات كانت أكبر بكثير، وهو ما انعكس مباشرة على الفجوة بين ما يخرج من السودان وما يدخل إليه.
ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في أن الصادرات توقفت عن النمو، بل في أن هذا النمو لم يكن كافياً لمجاراة التوسع في الواردات. فقد أضافت الصادرات نحو 461.2 مليون دولار إلى قيمتها، بينما أضافت الواردات 1.875 مليار دولار إلى فاتورتها.
إذن، اتسع العجز لأن الواردات تسارعت بوتيرة أكبر بكثير من الصادرات.
ذهب أقل.. وقيمة أعلى
ظل الذهب في قلب هذه المعادلة. وعلى الرغم من انخفاض الكمية المصدّرة بنحو 9%، ارتفعت قيمتها الدولارية 35.2%. وصعد متوسط القيمة المسجلة للكيلوغرام — أي ناتج قسمة القيمة المعلنة على الكمية — من نحو 95 ألف دولار إلى 141 ألف دولار، بزيادة تقارب 49%.
ويتسق الاتجاه العام مع القفزة الكبيرة في السوق العالمية. فقد بلغ متوسط سعر الذهب وفق معيار رابطة سوق لندن للسبائك في الربع الثاني من 2026 نحو 4,506 دولارات للأوقية، بزيادة 37% عن الربع المقابل من 2025، وفق مجلس الذهب العالمي. ويساعد هذا الصعود في تفسير ارتفاع قيمة الصادرات السودانية رغم تراجع وزنها، لكنه لا يفسر وحده كل الفارق؛ إذ يمكن أن تتأثر القيمة المسجلة أيضاً بتوقيت الشحنات ودرجة النقاء وشروط التعاقد.
أسهم الذهب بنحو 295.3 مليون دولار من إجمالي الزيادة في الصادرات، أي بنحو 64%. ومع ذلك، لم تتغير درجة اعتماد السودان عليه بصورة جوهرية: مثّل الذهب قرابة 62% من الصادرات في النصف الأول من 2025، و62.5% في الفترة نفسها من 2026.
وهنا تظهر دلالة ثانية للأرقام: فالزيادة في الصادرات جاءت من السلعة نفسها التي كانت تتصدرها من قبل، من دون تنويع واسع لقاعدة الإنتاج. ارتفعت القيمة، لكن بنية الصادرات ظلت شديدة التركّز.
الوقود يبتلع معظم الزيادة
على جانب الواردات، تبرز المنتجات البترولية بوصفها المحرك الأكبر لاتساع الفجوة. قفزت قيمتها من 272.6 مليون دولار في النصف الأول من 2025 إلى 1.495 مليار دولار في النصف الأول من 2026. وبذلك أصبحت فاتورتها نحو خمسة أضعاف ونصف ما كانت عليه قبل عام.
بلغت الزيادة في هذا البند وحده 1.222 مليار دولار، بما يعادل 65.2% من كامل الزيادة في الواردات. كما ارتفعت حصة المنتجات البترولية من إجمالي الواردات من 10.3% إلى 33.1%، لتستحوذ وحدها على دولار من كل ثلاثة دولارات أنفقها السودان على السلع المستوردة المسجلة في الجداول.
زادت بنود أخرى أيضاً، لكن بفوارق أقل كثيراً. ارتفعت واردات المواد الغذائية من 789.5 مليون دولار إلى 992.1 مليوناً، والآلات والمعدات من 357.6 مليوناً إلى 517.3 مليوناً، والمصنوعات من 418.2 مليوناً إلى 537.2 مليوناً. كما صعدت واردات المواد الكيميائية ومعدات النقل والمنسوجات.
لكن الزيادة لم تتوزع بالتساوي بين بنود الواردات، إذ تركز الجزء الأكبر منها في عدد محدود من السلع، وفي مقدمتها المنتجات البترولية.
وتكشف المقارنة أن المنتجات البترولية لم تكن مجرد بند ارتفعت قيمته، بل كانت العامل الأكبر في الزيادة الإجمالية لفاتورة الواردات خلال الفترة.
تكتفي الجداول الإجمالية، بمفردها، بتسجيل حجم القفزة في قيمة المنتجات البترولية، من دون أن تفصل بصورة كافية بين أثر الكميات والأسعار وتوقيت تسجيل الشحنات أو تغير مسارات الاستيراد الرسمي. وما تثبته الأرقام بوضوح هو أن الوقود كان المحرك الحسابي الأكبر لنمو الواردات واتساع العجز في هذه الفترة.
قيمة الذهب لا تكفي حتى لمعادلة فاتورة الوقود
تكشف مقارنة الحجم بين البندين حدود ما يستطيع الذهب فعله. فقد بلغت قيمة صادراته 1.135 مليار دولار، بينما بلغت قيمة واردات المنتجات البترولية 1.495 مليار دولار. أي إن الذهب كله، وفق القيم الجمركية المسجلة، كان أقل بنحو 360 مليون دولار من فاتورة المنتجات البترولية وحدها.
هذه مقارنة حسابية لبيان الحجم فقط، وتوضح لماذا لا يؤدي صعود الذهب تلقائياً إلى تحسن الميزان التجاري: فحتى السلعة التي حملت قرابة ثلثي الصادرات لم تعادل قيمة بند استيراد واحد. وهذه المقارنة لا تعني أن حصيلة الذهب خُصصت مباشرة لاستيراد الوقود، إذ يبقى ذلك أمراً منفصلاً يتطلب بيانات مصرفية إضافية.
وعلى مستوى التجارة كلها، غطت الصادرات نحو 40% فقط من الواردات في النصف الأول من 2026. ولذلك، كان يمكن لقيمة الذهب أن ترتفع، ولإجمالي الصادرات أن ينمو، بينما يتدهور الميزان التجاري في الوقت نفسه.
انكماش الواردات ليس تعافياً
تمنح السنوات السابقة الأرقام نصف السنوية سياقاً مهماً. فوفق السلسلة الاسترجاعية الواردة في موجز النصف الأول من 2026، بلغ العجز التجاري 3.870 مليارات دولار في 2023، ثم انخفض إلى 1.777 مليار في 2024، قبل أن يقفز إلى 4.684 مليارات في 2025.
لكن مقارنة هذه السنوات تكشف أن مسار العجز لم يكن خطيًا، بل شهد تراجعًا حادًا قبل أن يعود إلى الارتفاع.
ويحتاج هذا التراجع إلى قراءة ما حدث للصادرات والواردات معًا، لا إلى النظر إلى العجز منفردًا.
لكن ضيق العجز في 2024 لم يكن نتيجة ازدهار الصادرات. فقد انخفضت الصادرات نفسها من 3.628 مليارات دولار في 2023 إلى 3.134 مليارات في 2024، إلا أن الواردات انكمشت بصورة أكبر، من 7.499 مليارات إلى 4.911 مليارات دولار.
وفي 2025، تراجعت الصادرات مرة أخرى إلى 2.639 مليار دولار، بينما عادت الواردات للارتفاع إلى 7.323 مليارات. لذلك، لا يكفي النظر إلى العجز منفرداً للحكم على تحسن الاقتصاد أو تراجعه؛ فقد يضيق بسبب انكماش القدرة على الاستيراد، لا بسبب توسع قاعدة الصادرات.
الصادر ليس هو الحصيلة
ثمة حد آخر لما تقوله هذه البيانات. فجداول التجارة الخارجية تقيس القيمة الجمركية للصادرات المسجلة، وتقتصر دلالتها على ذلك؛ إذ يتطلب تحديد مقدار النقد الأجنبي الذي عاد فعلياً إلى الجهاز المصرفي، وتوقيت عودته وكيفية استخدامه، بيانات مصرفية منفصلة لا تتيحها هذه الجداول.
لهذا يمكن الجزم، استناداً إلى الأرقام، بأن الذهب شكّل نحو 63% من الصادرات وأن قيمته ارتفعت بقوة. لكن لا يمكن تحويل ذلك آلياً إلى حكم مماثل بشأن حصيلة الصادر المتاحة للمصارف أو بنك السودان. تتطلب هذه المسألة بيانات مصرفية وقراءة منفصلة للسياسات المنظمة للذهب والنقد الأجنبي، وهي موضوع الجزء الثاني من هذه السلسلة.
ما الذي تقوله الأرقام؟
احتفظ الذهب بأهميته في تجارة السودان، بل ازدادت قيمته وساعد على رفع الصادرات رغم انخفاض الكمية. لكن هذا النجاح الجزئي كشف في الوقت نفسه حدود اقتصاد يعتمد على سلعة واحدة عالية القيمة، في مواجهة فاتورة استيراد تنمو بوتيرة أسرع.
في النصف الأول من 2026، لم يكن السؤال لماذا فشل الذهب في زيادة الصادرات، فقد زادها بالفعل. السؤال الأدق هو: كيف يمكن لزيادة قدرها 461 مليون دولار في الصادرات أن تعادل زيادة قدرها 1.875 مليار دولار في الواردات؟
الإجابة التي تقدمها الجداول مباشرة هي أن ذلك غير ممكن. سُجّل ذهب أقل بقيمة دولارية أعلى، لكن قفزة الوقود وسائر الواردات وسّعت الفجوة إلى أكثر من ضعف مستواها قبل عام. ارتفعت قيمة المورد الأهم، من دون أن يصبح الاقتصاد أكثر توازناً.
ملاحظة منهجية
أُجريت الحسابات اعتماداً على الموجزين الإحصائيين للتجارة الخارجية للنصف الأول من 2025 و2026 الصادرين عن بنك السودان المركزي. استُخدمت السلسلة الاسترجاعية الأحدث الواردة في موجز 2026 للمقارنات السنوية، تفادياً لخلط طبعات إحصائية تتضمن قيماً مراجعة مختلفة. بيانات 2026 أولية، والقيم مقومة بالدولار الأميركي.
استُخدمت بيانات مجلس الذهب العالمي للربع الثاني من 2026 للمقارنة مع اتجاه السعر العالمي، لا لاحتساب قيمة الصادرات السودانية.

