تقرير : عباس محمد إبراهيم

تبدو قرارات الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي في دورتها الرابعة أقل ارتباطاً بإعادة ترتيب التحالف نفسه، وأكثر اتصالاً بمحاولة بناء مركز للقرار العسكري والسياسي والإداري. وبين مشروع «الجيش الوطني الجديد» ومرجعية التفاوض واستكمال مؤسسات حكومة السلام، يدخل «تأسيس» مرحلة أكثر تعقيداً: تحويل ائتلاف متعدد القوى إلى بنية حكم قابلة للعمل.

لم يحتج البيان الختامي للدورة الرابعة للهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي «تأسيس» إلى كثير من التفاصيل حتى يطرح أسئلة كبيرة.

ففي ثماني نقاط فقط، أعلن التحالف إجازة رؤية للسلام، وتأسيس «الجيش الوطني الجديد»، وإنشاء آلية سياسية مرجعية للتفاوض، واستكمال هياكل حكومة السلام وتحريك نشاطه السياسي داخلياً وخارجياً.

وعقدت الهيئة دورتها في نيالا بين 26 و30 أغسطس، برئاسة محمد حمدان دقلو، وبمشاركة نائبه عبد العزيز الحلو، في وقت يتسع فيه النشاط العسكري والسياسي للتحالف وتتزامن تحركاته الداخلية مع مساعٍ إقليمية ودولية لإعادة إطلاق العملية السياسية.

لكن أكثر ما يلفت النظر في المقررات ليس كل قرار على حدة، وإنما اتجاهها العام: محاولة بناء مؤسسات مشتركة فوق الهياكل السياسية والعسكرية المختلفة التي اجتمعت داخل التحالف.

جيش جديد أم قيادة موحدة أولاً؟

كان القرار الأكثر لفتاً للانتباه هو إعلان «تأسيس الجيش الوطني الجديد».

يمكن أن يوحي نص القرار بأن التحالف انتقل مباشرة إلى إنشاء جيش بديل، لكن شرح الناطق باسم الهيئة القيادية أحمد تقد لسان لـ«سودان ستوري» يقدم صورة أكثر تدريجية.

يقول تقد إن الخطوة الحالية تبدأ بتشكيل هيئة عسكرية للقيادة المشتركة بين القوات المنضوية تحت التحالف، وإن الهدف في المرحلة الأولى هو بناء «قيادة وسيطرة موحدة وهيكل عسكري موحد».

وبحسبه، أُعدت بالفعل اللائحة الداخلية المنظمة لهذا الهيكل، كما جرى الاتفاق على الأطر الهيكلية لهيئة الأركان، على أن يتم لاحقاً تسكين عناصر القوات المختلفة داخله.

لكن ذلك لا يعني حل الهياكل العسكرية القائمة فوراً.

يقول تقد إن هياكل الدعم السريع والجيش الشعبي والقوات الأخرى ستستمر مرحلياً، بينما يعمل الهيكل الأعلى الجديد على التخطيط ورسم السياسات واتخاذ القرارات، ثم يجري «تذويب» القوات تدريجياً داخله.

هذه التفاصيل تضع القرار في سياق مختلف: المشروع في مرحلته الحالية أقرب إلى توحيد القيادة العسكرية منه إلى اكتمال تأسيس جيش واحد.

وهو فارق جوهري.

فتوحيد قوات ذات هياكل ورتب وتجارب تنظيمية مختلفة يحتاج إلى أكثر من إنشاء هيئة أركان. وستظهر لاحقاً قضايا تتعلق بتوحيد الرتب وسلسلة القيادة والعقيدة العسكرية والتدريب والإمداد والعلاقة بين القيادة السياسية والقوة المسلحة.

ولم يُحسم حتى الآن، وفق تقد، من سيكون القائد الأعلى أو القائد العام للهيكل الجديد.

ما تم إنجازه إذاً هو وضع بداية مؤسسية للمشروع، بينما تبقى عملية الدمج نفسها طويلة ومفتوحة.

لماذا يبدأ الدمج من الأعلى؟

تكشف الطريقة التي شرح بها تقد المشروع عن اختيار واضح: بدلاً من حل القوات الحالية ثم إعادة بنائها، يبدأ التحالف بإنشاء هيكل قيادة فوقها.

هذا النموذج يسمح للقوات بالاحتفاظ بتنظيماتها في المرحلة الأولى، لكنه يسعى إلى نقل القرارات الاستراتيجية تدريجياً إلى مركز واحد.

ويمكن لهذا الترتيب أن يمنح التحالف قدرة أكبر على تنسيق عملياته، لكنه في الوقت نفسه يجعل نجاح المشروع معتمداً على مدى قبول المكونات العسكرية فعلياً بإخضاع قراراتها لقيادة مشتركة.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية لأن «تأسيس» ليس تنظيماً عسكرياً واحداً، وإنما تحالف يضم قوى ذات تاريخ سياسي وعسكري مستقل.

ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون إعلان هيئة الأركان، بل ما إذا كانت هذه الهيئة ستمتلك سلطة قيادة فعلية على القوات الموجودة في الميدان.

مركز سياسي للتفاوض

المسار نفسه يظهر في ملف التفاوض.

قرر البيان تشكيل «آلية سياسية مرجعية للتفاوض وعملية السلام».

وأوضح تقد أن هذه الآلية تمثل الجسم السياسي الذي يعود إليه الوفد المفاوض عند الحاجة إلى اتخاذ قرارات تتجاوز صلاحياته. أما الوفد المفاوض نفسه فيبقى جسماً منفصلاً عنها.

وبحسبه، لم تُحسم عضوية الآلية حتى الآن، وسيجري التشاور بين مكونات التحالف لتحديد أعضائها، بينما سيُشكل وفد تفاوضي منفصل من ممثلي المكونات وأصحاب الخبرة.

القرار هنا يعالج مشكلة شبيهة بمشكلة القوات المسلحة: تعدد مراكز القرار.

فالتحالف يضم أطرافاً لها تجارب تفاوضية ومواقف سياسية مختلفة، بينما تحتاج أي مفاوضات باسم «تأسيس» إلى مرجعية واحدة تستطيع إعطاء التفويض أو رفض التسويات.

وقد سبق للتحالف أن اعتذر عن المشاركة في مشاورات للآلية الخماسية، مطالباً بمراجعة طريقة تصميم العملية السياسية وتحديد المشاركين، قبل أن يعلن لاحقاً استعداده للقاء الخماسية لمناقشة هذه الاختلالات.

وبذلك يبدو تشكيل المرجعية السياسية استعداداً مؤسسياً لاحتمال الدخول في تفاوض لاحق، حتى وإن لم يعلن التحالف حتى الآن دخوله في عملية محددة.

بناء جهاز حكم

أما المسار الثالث فيتصل بحكومة السلام نفسها.

طالب البيان باستكمال هياكل ومؤسسات الحكومة، ومعالجة الملفات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، ومحاربة الفساد وتوفير التعليم والصحة ومياه الشرب. كما أشاد بإجراء امتحانات الشهادة، والاستعداد لفتح الجامعات، وإجازة إطار استراتيجي للحكومة وموجهات موازنة تشغيلية مؤقتة لعام 2026 ومشروع الهياكل الوزارية.

هذه البنود مهمة لأنها توضح أن «تأسيس» لم يعد يقدم حكومته باعتبارها إعلاناً سياسياً فقط.

هناك محاولة لتكوين جهاز إداري يقدم الخدمات، ويملك موازنة، وقواعد بيانات ومنصات إلكترونية، ومؤسسات تعليمية وأمنية.

ومع إعلان نتيجة الشهادة الثانوية وإطلاق منصة إلكترونية للاستعلام عنها، يظهر التعليم كأحد أول المجالات التي يحاول التحالف من خلالها إثبات قدرة مؤسساته على العمل.

لكن هذا المسار يفتح بدوره سؤال الشرعية والفاعلية.

فالقدرة على إنشاء وزارة أو منصة أو إصدار شهادة لا تعني وحدها القدرة على ضمان الاعتراف بها خارج مناطق السلطة التي أصدرتها. كما أن بناء إدارة مستقرة في مناطق النزاع المسلح يحتاج إلى موارد وأمن وكوادر واستمرارية مؤسسية.

ثلاثة مراكز يجري توحيدها

عند قراءة قرارات الدورة مجتمعة، يمكن اختصار اتجاهها في محاولة متزامنة على ثلاث جبهات: إنشاء قيادة عسكرية أعلى تمهد لدمج القوات تدريجياً، وتشكيل مرجعية سياسية واحدة تتولى القرارات المرتبطة بالتفاوض، إلى جانب استكمال حكومة تسعى إلى تقديم الخدمات وإدارة مؤسساتها.

بهذا المعنى، تبدو الدورة الرابعة محاولة لنقل «تأسيس» من مرحلة تجميع القوى حول ميثاق ومشروع سياسي إلى مرحلة مأسسة السلطة التي يقول إنه يريد بناءها.

لكن كل مستوى يحمل اختباراً خاصاً به.

فالجيش الجديد سيُختبر بقدرته على تحويل القيادة المشتركة إلى سلسلة قيادة حقيقية.

والمرجعية السياسية ستُختبر عندما تأتي أول تسوية تحتاج إلى قرار صعب بين مكونات التحالف.

أما حكومة السلام فستُختبر في حياة السكان اليومية: الأمن، والمدرسة، والمستشفى، والجامعة، والمياه، وقدرة وثائقها ومؤسساتها على تجاوز حدود المناطق التي تديرها.

لذلك ربما تكمن المسألة الأهم في الدورة الرابعة في قدرة «تأسيس» على الانتقال من إعلان المؤسسات إلى تشغيلها، أكثر مما تكمن في القرارات التي أُعلنت نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *