قبل سبع سنوات، كان عبد الله حمدوك في أيامه الأولى رئيساً لوزراء السودان، وبعد أسابيع قليلة تحولت الخرطوم إلى عنوان لاجتماعات دولية حول السلام والاقتصاد وعودة البلاد إلى العالم. اليوم، وبعد أكثر من عام على تولي كامل إدريس المنصب، لا تبدو المقارنة سؤالاً عن الرجلين بقدر ما هي سؤال عن المنصب نفسه: ماذا بقي من سلطة رئيس الوزراء في السودان الذي أعاد النزاع المسلح والعسكر تشكيله؟
تقرير: سودان ستوري
في مثل هذه الأيام من أغسطس 2019، كان عبد الله حمدوك قد بدأ للتو عمله رئيساً لوزراء السودان.
أدى اليمين في 21 أغسطس، وفي 26 من الشهر نفسه لم يكن قد أكمل سوى خمسة أيام في المنصب. كان السودان خارجاً من ثلاثة عقود من حكم عمر البشير، مثقلاً بالعقوبات والديون والحروب والعزلة، فيما كانت الدولة نفسها موزعة بين سلطة مدنية وقيادة عسكرية لم تغادر المشهد.
لم يكن أمام حمدوك بلد طبيعي ليحكمه.
ومع ذلك، كان اتجاه الحركة واضحاً منذ البداية: محاولة إعادة السودان إلى العالم، ووضع الحكومة المدنية في مركز السياسة الخارجية والسلام والاقتصاد.
بعد سبع سنوات تقريباً، يوجد في السودان رئيس وزراء آخر.
كامل إدريس أدى اليمين في 31 مايو 2025. وحتى 26 أغسطس 2026 يكون قد أمضى 452 يوماً في المنصب.
لكن السؤال الذي تفرضه المقارنة ليس كم مرة سافر حمدوك وكم مرة سافر إدريس.
السؤال أكثر جوهرية:
هل ما زال رئيس الوزراء في السودان يشغل المنصب نفسه الذي عرفه السودانيون في 2019؟
ماذا فعل حمدوك في الأسابيع الأولى؟
الأرقام وحدها لا تحكم على الحكومات، لكنها تساعد أحياناً في رؤية اتجاهها.
في 7 سبتمبر 2019، بعد نحو أسبوعين من أداء حمدوك اليمين، كان يفتتح في الخرطوم اجتماعاً لتنسيق عمل منظومة الأمم المتحدة لدعم الحكومة الانتقالية في التنمية والاقتصاد وحقوق الإنسان والعمل الإنساني وبناء السلام.
وفي 8 سبتمبر أدت حكومته اليمين.
وبعد أربعة أيام فقط، في 12 سبتمبر، وصل إلى جوبا في أول زيارة خارجية له، والتقى الرئيس سلفاكير، كما التقى قيادات الحركات المسلحة السودانية، واضعاً السلام والعلاقة مع جنوب السودان في مقدمة أجندته.
وفي 18 سبتمبر، أي في اليوم الثامن والعشرين تقريباً من رئاسته، كان في القاهرة يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتبحث الحكومتان ملفات الكهرباء والسكك الحديدية والعلاقات الاقتصادية والسياسية.
ثم اتسعت الدائرة.
في 27 سبتمبر وقف حمدوك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، والتقى الأمين العام أنطونيو غوتيريش. وفي اليوم نفسه انعقد حدث دولي رفيع المستوى حول السودان شاركت فيه وفود من 57 دولة وست منظمات دولية إلى جانب مؤسسات الأمم المتحدة.
كان السودان يعرض أمامهم أولويات حكومته: السلام، إصلاح الاقتصاد، إصلاح مؤسسات الدولة، العدالة، مكافحة الفساد، رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستعادة الدعم المالي الدولي.
وبعد ثلاثة أيام، استقبله إيمانويل ماكرون في الإليزيه، وتعهدت فرنسا بدعم مالي، فيما استُخدمت الزيارة أيضاً لفتح قناة مع عبد الواحد محمد نور في ملف السلام.
لم يكن حمدوك قد أكمل أربعين يوماً في رئاسة الوزراء.
لم يكن الأمر عدد الرؤساء
من السهل تحويل هذه الوقائع إلى حنين سياسي: حمدوك كان يلتقي الرؤساء، وكامل إدريس لا يفعل.
وهذه مقارنة غير دقيقة.
القيمة في ما حدث عام 2019 لم تكن عدد الصور مع قادة الدول.
كانت في أن منصب رئيس الوزراء نفسه أصبح عنواناً لعودة السودان إلى النظام الدولي.
حين أرادت الأمم المتحدة معرفة أولويات السودان، كان حمدوك يقدمها.
وحين نوقشت الديون والعقوبات وإعادة الاندماج الاقتصادي والسلام، كان رئيس الوزراء وحكومته في قلب النقاش.
كان السودان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يحاول أن يقدم إلى الخارج وجهاً مدنياً للدولة.
ولم يكن ذلك مجرد مظهر دبلوماسي.
في خطابه أمام الأمم المتحدة قال حمدوك إن الثورة تستهدف إنهاء عزلة السودان الإقليمية والدولية، وربط السياسة الخارجية الجديدة بحقوق الإنسان والسلام والإصلاح الاقتصادي.
أي أن الدبلوماسية كانت جزءاً من مشروع سياسي لتعريف الدولة الجديدة.
ثم تغير الطريق
لم يكتمل ذلك المشروع.
واجهت الحكومة أزمة اقتصادية عميقة، وانقسامات سياسية، وصراعاً متزايداً حول السلطة بين المكونين المدني والعسكري.
وفي سبتمبر 2021، أغلق محتجون من شرق السودان الموانئ والطرق وخطوطاً حيوية لنقل الوقود، ضمن حركة احتجاج قادتها قيادات البجا، بينما كانت الأزمة السياسية في الخرطوم تقترب من ذروتها.
كان محمد الأمين ترك أحد أبرز وجوه تلك المواجهة مع الحكومة.
ثم جاء 25 أكتوبر.
قاد عبد الفتاح البرهان استيلاء الجيش على السلطة، وحُلّت مؤسسات الشراكة الانتقالية واعتُقل حمدوك وعدد من أعضاء حكومته. وكان محمد حمدان دقلو «حميدتي» شريكاً أساسياً للبرهان في بنية السلطة العسكرية آنذاك، ودافع لاحقاً عن خطوة 25 أكتوبر.
بعد ذلك لم يعد السودان إلى نقطة ما قبل حمدوك.
ذهب أبعد.
اندلع النزاع المسلح بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، وتفككت الدولة جغرافياً ومؤسسياً، ثم أعادت السلطة القائمة في بورتسودان ترتيب هياكل الحكم على أساس جديد.
ومن هنا يجب قراءة كامل إدريس.
452 يوماً لكامل إدريس
ليس صحيحاً أن كامل إدريس لم يلتقِ مسؤولين دوليين أو لم يتحرك خارجياً.
في 7 أغسطس 2025 وصل القاهرة في أول زيارة رسمية خارجية له منذ توليه المنصب، والتقى السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي. لكن تلك الزيارة جاءت بعد أكثر من شهرين من أدائه اليمين.
وعاد والتقى السيسي في فبراير 2026، وشارك في مؤتمر ميونخ للأمن، ثم استقبله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة في مايو، في مباحثات تناولت إعادة الإعمار والاستثمار والعلاقات الثنائية والنزاع المسلح.
إذن السؤال ليس: هل التقى كامل إدريس أحداً؟
فقد التقى. ![]()
السؤال هو: ما المساحة التي يتحرك داخلها رئيس الوزراء، وما الذي يستطيع تحويله إلى سياسة دولة؟
وهنا تصبح المقارنة مع 2019 مختلفة جذرياً.
رئيس وزراء يعيّنه رأس السلطة العسكرية
حمدوك وصل إلى رئاسة الوزراء بترتيب انتقالي ولد من الثورة واتفاق لتقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين، وكانت الحكومة التنفيذية المدنية إحدى ركيزتي ذلك الترتيب.
أما كامل إدريس، فجاء بقرار من عبد الفتاح البرهان.
في 19 مايو 2025 أصدر رئيس مجلس السيادة مرسوماً دستورياً بتعيينه رئيساً للوزراء، بعد تعديلات أُدخلت على الوثيقة الدستورية قبل ذلك بأشهر.
والفارق لا يتعلق بطريقة الاختيار فقط.
التعديلات الدستورية لعام 2025 وضعت رسم السياسة الخارجية وتنفيذها تحت إشراف مجلس السيادة، ومنحت المجلس سلطات واسعة، من بينها تعيين رئيس الوزراء وإعفاؤه وفق الترتيبات الجديدة.
وهذا يعيد تعريف المنصب نفسه.
لدينا رئيس وزراء.
ولدينا مجلس وزراء.
لكن مركز السيادة والسياسة الخارجية والأمن والقوة المسلحة يقع في بنية يرأسها قائد الجيش الذي عيّن رئيس الوزراء أصلاً.
لذلك لا تكفي مطالبة كامل إدريس بأن «يفعل ما فعله حمدوك».
فالرجلان لا يعملان داخل الدولة نفسها.
أين يوجد مركز القرار؟
وهنا تلتقي قصة كامل إدريس مع ما حدث في خشم القربة بين أبو عاقلة كيكل والمدير التنفيذي محمد طاهر شيبة.
هناك، استطاع قائد قوة مسلحة أن ينتقد مسؤولاً تنفيذياً علناً، ويربط غيابه عن مناسبة بالموقف من الجيش، ثم يطالب الوالي بمدير تنفيذي آخر.
وفي المركز توجد نسخة أكبر من السؤال نفسه:
ما موقع السلطة المدنية أمام القوة العسكرية؟
قد يحمل كامل إدريس لقب رئيس الوزراء.
لكن من يقود ملف النزاع المسلح، ومن يقرر موقع السودان من المبادرات الدولية؟ القرار العسكري ورسم السياسة الخارجية في القضايا السيادية الكبرى يبقيان في يد جهة أخرى. والسؤال الأخير هو: من يملك أصلاً صلاحية تعيين رئيس الوزراء أو إعفائه؟
هذه ليست أسئلة شخصية عن كامل إدريس.
إنها أسئلة عن تصميم الدولة التي نشأت بعد انقلاب 25 أكتوبر ثم النزاع المسلح.
سويسرا ليست القصة
لهذا يبدو السجال الذي اندلع حول ما كتبته الصحفية رشان أوشي عن وجود رئيس الوزراء في سويسرا وإجازاته الخارجية أصغر من القصة التي كشفها.
الادعاء بأنها خامس إجازة له خلال العام يحتاج إلى إثبات مستقل.
ومن حق رئيس الوزراء، مثل أي شخص، أن يرى أبناءه وأن تكون له حياة خاصة.
لكن السؤال العام مشروع: عندما يغيب رئيس الحكومة، من يبلغ المواطنين؟ هل هو في إجازة أم مهمة؟ ومن يدير عمل الحكومة أثناء غيابه؟
والأهم: لماذا يأتي جانب من الشرح عبر سجال صحفي وردود عائلية وشخصية، بدلاً من مؤسسة مجلس الوزراء؟
الدولة المؤسسية لا تلغي الحياة الخاصة للمسؤول.
إنها فقط تجعل المنصب العام مرئياً وقابلاً للمساءلة.
ماذا بقي من رئيس الوزراء؟
في أغسطس 2019، كان السودانيون يناقشون ما الذي يستطيع رئيس وزراء مدني أن يفعله لاستعادة الاقتصاد والسلام والعلاقات الخارجية.
في أغسطس 2026، يبدو السؤال أكثر تواضعاً وأكثر خطورة:
ما الذي يستطيع رئيس الوزراء أن يقرره أصلاً؟
ليست المسألة أن حمدوك كان أكثر نشاطاً وكامل إدريس أقل نشاطاً.
المسألة أن السودان انتقل، خلال سبع سنوات، من تجربة حاولت — بكل عيوبها وهشاشتها — وضع حكومة مدنية في مركز إدارة الدولة، إلى ترتيب أصبحت فيه المؤسسة العسكرية في مركز السلطة وتعمل الحكومة التنفيذية داخل الحدود التي يرسمها ذلك الترتيب.
وفي الدولة المدنية، لا يكون رئيس الوزراء واجهة لإدارة الخدمات بينما تبقى السيادة والنزاع المسلح والسلام والسياسة الخارجية في مكان آخر.
كما أن الجيش لا يكون هو الدولة.
الجيش مؤسسة داخل الدولة، تخضع لسلطة مدنية منتخبة ومساءلة قانونية، لا مؤسسة تمنح السلطة المدنية مجالها وحدودها.
لهذا لا تكمن أهمية المقارنة بين حمدوك وكامل إدريس في حساب الرحلات والاجتماعات.
إنها تكمن في سؤال أبسط:
قبل سبع سنوات، كان السودان يسأل ماذا سيفعل رئيس الوزراء.
اليوم، عليه أولاً أن يسأل: ماذا بقي لرئيس الوزراء أن يفعل؟

