بعد أكثر من ثلاث سنوات على مقتل الفنانة السودانية شادن محمد حسين، تعيد شهادة جديدة لشقيقتها فتح الأسئلة حول الساعات الأخيرة من حياتها، بينما يكشف تقرير حقوقي سابق رواية تختلف عن قصة «القذيفة» التي استقرت في التغطيات الأولى.

إعداد: سودان ستوري


بعد أكثر من ثلاث سنوات على مقتل الفنانة السودانية شادن محمد حسين، لا تزال هناك مسافة بين الرواية التي عرف بها السودانيون خبر موتها في الأيام الأولى للنزاع المسلح، وبين تفاصيل أخرى ظهرت لاحقاً ولم تحظ بالقدر نفسه من الاهتمام.

في 13 مايو 2023، انتشر خبر مقتل «الحكامة شادن» في أم درمان، بعد أقل من شهر على اندلاع النزاع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وفي الساعات والأيام التي تلت، استقرت رواية تقول إن مقذوفاً أو قذيفة أصابت منزلها.

لكن تقريراً حقوقياً صدر لاحقاً قدم رواية مختلفة: شادن كانت على سطح المنزل عندما أصابتها رصاصة بدت كأنها أطلقت من قناص قريب.

والآن تضيف شقيقتها زحل محمد حسين إبراهيم طبقة ثالثة إلى القصة، في شهادة أدلت بها لمنصة «أفق جديد» أعدّتها سمر سليمان ونشرتها المنصة مؤخراً. تقول إن الأسرة لم تقتنع منذ البداية بأن شادن ماتت نتيجة إصابة بشظية، وإن شكل الإصابة وما لاحظته الأسرة على جسدها أثارا أسئلة بقيت بلا إجابات.

بين «المقذوف» ورصاصة القناص وشكوك الأسرة، يبقى السؤال مفتوحاً:

ماذا حدث فعلاً في الهاشماب ليلة مقتل شادن؟

الرواية التي استقرت أولاً

كانت أم درمان في مايو 2023 واحدة من ساحات القتال الرئيسية بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وعاشت منطقة الهاشماب، حيث كانت تقيم شادن، على مقربة من محيط الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، إحدى أكثر النقاط سخونة في المعارك.

مباني سكنية تعرضت للدمار من الرصاص والمعارك بمنطقة – أمدرمان القديمة

في التغطيات الأولى، تحدثت وسائل إعلام ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عن مقتل شادن إثر سقوط مقذوف أو قذيفة في محيط منزلها. ونقلت الجزيرة آنذاك منشورات تحدثت عن قذيفة هاون، فيما وصفت تقارير أخرى موتها باعتباره نتيجة تبادل للنيران.

وبعد خمسة أيام فقط من مقتلها، نشر «السفير العربي» مادة عن شادن قال فيها إن «قذيفة طائشة» أودت بحياتها، وهو ما يعكس مدى سرعة ترسخ هذه الرواية في المجال العام بعد الحادثة.

لكن المصادر الإعلامية المبكرة التي راجعتها «سودان ستوري» لا تعرض تحقيقاً جنائياً أو فحصاً باليستياً يحدد طبيعة المقذوف.

كانت رواية خرجت من مدينة تحت القصف، ثم تحولت بالتكرار إلى القصة الأكثر شيوعاً عن موت شادن.

تقرير لاحق: رصاصة على سطح المنزل

في 2024، أجرى المركز الأفريقي لدراسات العدالة والسلام، بالتعاون مع مركز البحوث الموسيقية السوداني، بحثاً عن الانتهاكات التي تعرض لها الفنانون والموسيقيون خلال النزاع المسلح.

وقال التقرير إن منهجيته جمعت بين العمل الميداني، والمقابلات مع الضحايا وأسرهم والعاملين في المجال الثقافي، والمصادر المفتوحة وصور الأقمار الصناعية، مع مقارنة المعلومات بين مصادر متعددة.

وفي حالة شادن، جاءت الرواية مختلفة بصورة جوهرية.

بحسب التقرير، كانت شادن قرابة الواحدة صباح 13 مايو 2023 على سطح منزلها في الهاشماب، برفقة ابنها واثنين من أفراد الأسرة وجارين، عندما أصابتها رصاصة في الجانب الأيمن من البطن أسفل الأضلاع.

ووصف التقرير الرصاصة بأنها بدت صادرة من قناص قريب.

ويضيف أنه عندما حاول الموجودون إحضار سيارة أحد الجيران لنقلها إلى المستشفى، أطلقت ثلاث رصاصات أخرى في محيطهم، قبل أن تتأخر رحلة إسعافها عند نقطة تفتيش تابعة للقوات المسلحة.

وبحسب التقرير، علم أفراد أسرتها أنها توفيت قبل وصولهم إلى المستشفى.

تترك هذه الرواية هوية مطلق النار مجهولة، ولا تثبت أن شادن كانت هدفاً لعملية اغتيال بسبب نشاطها الفني أو السياسي. مع ذلك، فإنها تضع رواية «القذيفة التي أصابت المنزل» موضع سؤال.

الأسرة: لم نقتنع بالشظية

تقول زحل محمد حسين إنها لم تكن مع شادن لحظة الإصابة. كانت في شرق النيل، بينما كانت شقيقتها في أم درمان.

لكن ما نقل إليها من أفراد الأسرة، وما لاحظوه على جسد شادن، جعلهم غير مقتنعين برواية الشظية.

بحسب شهادتها لـ«أفق جديد»، كان مدخل الإصابة صغيراً، كما لاحظت الأسرة تغيراً سريعاً في لون جسد شادن أثناء نقلها.

ومن هذه التفاصيل نشأ اعتقاد داخل الأسرة بأنها أصيبت برصاصة، وتستخدم زحل تحديداً وصف «رصاصة مسمومة».

لكن هذا الجزء من الرواية لا يزال بحاجة إلى دليل طبي.

لم تعثر «سودان ستوري» على تقرير طبي أو فحص جنائي منشور يثبت وجود مادة سامة في المقذوف. كما أن تغير لون الجسد، بمفرده، لا يكفي لإثبات ذلك.

وفي المقابل، تقول زحل إن الأسرة تتذكر أن التقرير الطبي سجل الإصابة باعتبارها «شظية».

وجود نسخة أصلية من ذلك التقرير، ومعرفة طبيعة الفحص الذي أجري لشادن، يمكن أن يساعدا في تقليص الفجوة بين الروايات المختلفة.

وتسأل زحل:

شادن ماتت مقتولة.. قتلوها ليه؟ شادن عملت شنو؟

السؤال يعبر عن موقف الأسرة، لكنه لا يقدم حتى الآن فاعلاً محدداً.

امرأة كانت تكتب من داخل النزاع المسلح

قبل موتها، لم تكن شادن بعيدة عن النقاش العام حول النزاع المسلح.

كانت تنشر على فيسبوك عن الخوف والقصف وحياة المدنيين داخل الأحياء المحاصرة، وتدعو إلى إنهاء القتال.

ووثق التقرير الحقوقي نشاطها في اليوم السابق لمقتلها، بما في ذلك مشاركتها مواد مرتبطة بالنزاع المسلح والمساعدات الإنسانية، ودعوتها إلى توثيق ما يحدث باعتبار السودانيين شهوداً على تاريخ بلادهم.

كما سجل «السفير العربي»، بعد أيام قليلة من موتها، بعض ما كتبته خلال الأسابيع الأخيرة. ومن بين العبارات التي نقلها عنها:

الموت محاصرنا من كل الجهات

وفي آخر منشور نسبه إليها، بقي شيء من الأمل وسط النزاع المسلح:

مهما طال الليل لا بد من شمس باكر

لكن مواقف شادن العامة لا تكفي، في غياب أدلة أخرى، للقول إن نشاطها كان سبباً في إطلاق النار عليها.

ذلك سؤال مختلف، ولم تجب عنه الأدلة المتاحة حتى الآن.

«الحكامة» التي أرادت تغيير وظيفة الحكامة

لفهم أهمية شادن، لا يكفي النظر إلى الطريقة التي ماتت بها.

كانت تجربتها الفنية مرتبطة بمشروع أوسع حول التراث والسلام والتنوع السوداني.

درست الاقتصاد في جامعة أم درمان الأهلية، واهتمت بالتراث الغنائي في كردفان ومجتمعات البقارة، وعملت على إعادة تقديم الأغنيات والإيقاعات المحلية لجمهور أوسع.

واختارت لنفسها لقب «الحكامة».

والحكامات، في مجتمعات من كردفان ودارفور، لهن تقليد طويل في الشعر والغناء والتأثير الاجتماعي، بما في ذلك أدوار تاريخية في التعبئة أثناء النزاعات القبلية.

أما شادن فحاولت أن تدفع هذا الدور في اتجاه آخر.

من صوت يمكن أن يحشد للحرب، إلى صوت يدعو للسلام.

كتب «السفير العربي» أن شادن أرادت تبديل الدور التقليدي للحكامة بدور يقوم على الدعوة إلى السلام، وهو ما يتقاطع مع مشروعها الفني ومع حضورها في المجال العام.

شاركت في احتجاجات 2019، وردد متظاهرون أغنيتها «خيال الحكامة»، ثم اتخذت موقفاً ضد انقلاب 25 أكتوبر 2021، قبل أن يصبح النزاع المسلح نفسه محوراً لمواقفها في الأسابيع الأخيرة من حياتها.

نزاع مسلح دخل العائلة

لم تكن شادن الخسارة الوحيدة التي خلّفها النزاع المسلح داخل أسرتها.

بحسب شهادة زحل، كان والدهما ضابطاً بالقوات المسلحة، بينما كان شقيقهما عبد الرحمن رقيباً في الجيش، وتوفي في منطقة أب سردبة في اليوم الثالث والعشرين من النزاع المسلح.

أما الأسرة نفسها فتوزعت بين أم درمان والفتيحاب وشرق النيل.

وحين وصل إليها خبر شادن، تقول زحل إنها رفضت تصديقه في البداية.

خرجت من شرق النيل متجهة نحو الفتيحاب في رحلة استغرقت يوماً كاملاً.

تقول إنها شاهدت الجثث في الطريق.

وعندما وصلت سألت والدتها:

يا أمي، شفتيها؟

فأجابتها:

شفت الجثمان

هناك، تقول زحل، انتهى الإنكار.

أسئلة أخرى بلا إجابات

تضيف زحل أن زوج شادن تعرض للاعتقال بعد تسلمه جثمانها وتوليه تكفينها، ثم اعتقل مرة أخرى بعد نحو عامين.

لكن المعلومات المتاحة لـ«سودان ستوري» لا تكفي لتحديد الجهة التي نفذت الاعتقال، أو أسبابه، أو إثبات وجود علاقة بين الاعتقال ومقتل شادن.

ويظل هذا جانباً يحتاج إلى توثيق منفصل.

كما تبقى أسئلة أكثر مباشرة:

  • هل يمكن الوصول إلى أحد الأشخاص الذين كانوا على السطح لحظة الإصابة؟
  • هل توجد نسخة من التقرير الطبي؟
  • هل أجري فحص يمكنه تحديد نوع المقذوف؟
  • ومن أين حصل التقرير الحقوقي على التفاصيل الدقيقة المتعلقة بمكان الإصابة وإطلاق الرصاص؟

الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تنقل القصة من تعدد الروايات إلى إعادة بناء أكثر دقة للحادثة.

ثلاث روايات لموت واحد

بعد أكثر من ثلاث سنوات، يمكن ترتيب ما هو متاح عن مقتل شادن في ثلاث طبقات.

الطبقة الأولى ظهرت في مايو 2023، حين شاعت رواية القذيفة أو المقذوف وسط معارك أم درمان. جاءت طبقة مختلفة في التقرير الحقوقي الصادر عام 2024، إذ تحدث عن رصاصة بدت صادرة من قناص قريب بينما كانت شادن على سطح منزلها. أما الطبقة الثالثة، فتطرحها الأسرة اليوم: لم نقتنع برواية الشظية، مع اعتقاد بأن الرصاصة كانت «مسمومة» — وهو جزء لا يزال بلا دليل طبي منشور.

يعني هذا التسلسل أن قصة مقتل شادن لم تُغلق بعد، أكثر مما يعني استبدال رواية أولى بأخرى غير محسومة.

فالمرأة التي حاولت أن تجعل من «الحكامة» صوتاً للسلام انتهت حياتها في الأسابيع الأولى من نزاع مسلح أعاد إلى السودان أكثر أشكال العنف التي غنت ضدها.

وقبل موتها كانت تطلب من السودانيين أن يوثقوا ما يحدث.

أن يكونوا شهوداً.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات، لا تزال الساعات الأخيرة من حياتها نفسها تبحث عن رواية مكتملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *