نيروبي: عباس محمد إبراهيم
علمت «سودان ستوري» أن المركز النمساوي للسلام يرعى اجتماعاً مغلقاً لقوى وشخصيات سياسية ومدنية سودانية في النمسا، ضمن مسار حوار مستمر منذ فترة، يعقد جولات متتابعة داخل وخارج القارة الأفريقية.
وأكدت معلومات حصلت عليها «سودان ستوري» وجود مبارك أردول وصديق الصادق المهدي ضمن المشاركين في الاجتماع الجاري، فيما تفرض الجهة المنظمة قيوداً مشددة على نشر أسماء بقية المشاركين أو تفاصيل الأجندة والمداولات.
وبحسب مصدر مشارك، يأتي اجتماع النمسا امتداداً لمسار حوار قديم يعمل على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين أطراف سودانية تنتمي إلى مواقع سياسية مختلفة، ويشكل جولة جديدة ضمن هذا المسار المستمر منذ سنوات.
من نيروبي وكمبالا إلى كيغالي والنمسا
وقال قيادي سوداني سبق أن شارك في هذا المسار لـ«سودان ستوري» إنه حضر أكثر من خمس جولات من الاجتماعات، مشيراً إلى أن غالبية اللقاءات السابقة كانت تعقد بين نيروبي وكمبالا، قبل أن تدخل كيغالي ضمن مواقع الاجتماعات في إحدى الجولات بسبب الظروف الصحية المرتبطة بتفشي إيبولا في المنطقة.
وأضاف أن اجتماع كيغالي الأخير تزامن مع الجولة الأخيرة من مسار نيون، ما أدى إلى اعتذار بعض الشخصيات التي كان يفترض أن تشارك بسبب تضارب المواعيد.
وتفيد معلومات «سودان ستوري» بأن اجتماع كيغالي ضم، من بين آخرين، موسى محمد أحمد، ومريم الصادق المهدي، والتجاني السيسي، بينما لم يشارك مستور أحمد وخالد شاويش. كما انسحب ممثل لحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور من الاجتماع عقب خلاف يتعلق بوجود موسى محمد أحمد.
ولا يقوم المسار، بحسب المعلومات التي جمعتها «سودان ستوري»، على محاولة بناء تحالف سياسي جديد بين المشاركين؛ إذ إن إحدى سماته الأساسية هي جمع شخصيات وقوى قادمة من مواقع سياسية وتنظيمية مختلفة، وبعضها على خلاف واضح في المواقف والتحالفات. وتتمثل قيمة هذه الاجتماعات في توفير مساحة مغلقة تسمح لهذه الأطراف بمناقشة القضايا المشتركة، واختبار حدود الاتفاق والاختلاف بينها، والحفاظ على قنوات تواصل يصعب أحياناً إدارتها داخل المنابر السياسية العلنية.
مسار تحيط به السرية
ويقدم الموقع الرسمي للمركز النمساوي للسلام مؤشراً على طبيعة هذا النوع من العمل، إذ يشير إلى أن المركز أدار بين 2019 ومارس 2025 «منصة الحوار السوداني» بهدف المساهمة في انتقال غير عنيف في السودان، لكنه يقول صراحة إنه لا يستطيع نشر مزيد من المعلومات عنها بسبب سرية العملية.
تكشف ورقة أصدرها المركز في 2026 أن نشاط الحوار السوداني بات يُقرأ في سياق أوسع، ضمن ما تصفه الورقة بـ«منظومة وساطة» تضم مبادرات متوازية ومتداخلة، وتقوم على استمرارية التواصل والمساحات المبنية على الثقة، بدلاً من حصر الأطراف في منصة سياسية واحدة.
ويتطابق ذلك مع إفادات المصادر التي تحدثت إليها «سودان ستوري»، والتي قالت إن الاجتماعات لا تستهدف عادة إصدار بيانات ختامية أو إعلان تحالفات، بقدر ما تعمل على تطوير المواقف واختبار الخيارات السياسية وبناء قنوات اتصال بين أطراف متباعدة.
صلة بالمركز الألماني
وبحسب أحد المشاركين السابقين، فإن المسار الذي يرعاه المركز النمساوي يتقاطع مع العمل الذي تقوم به مؤسسة برغهوف الألمانية، فيما يجري تبادل نتائج وقراءات هذه الاجتماعات مع جهات أوروبية ودولية منخرطة في الملف السوداني.
وتدعم المصادر المفتوحة وجود هذه الصلة المؤسسية. وتقول مؤسسة برغهوف إنها دعمت خلال 2025 وسطاء سودانيين من داخل المجتمع السياسي لفتح حوارات بين أطراف من مختلف جوانب الصراع والانقسام السياسي، بهدف الحفاظ على قنوات الاتصال وتطوير خيارات وتوصيات سودانية يمكن الاستفادة منها في أي مفاوضات سلام لاحقة.
وكان تقرير برغهوف للعام السابق أكثر وضوحاً بشأن التنسيق الدولي، إذ ذكر أن المؤسسة استضافت منتدى السودان لتسهيل بناء فهم مشترك وتبادل المعلومات والتخطيط بين منظمات الوساطة المختلفة والفاعلين السودانيين.
وفي يوليو 2026 ظهرت هذه الشبكة بصورة علنية أكبر، عندما جمعت إيغاد مبعوثي السودان وممثلي الخماسية، إلى جانب عدد من مؤسسات الوساطة غير الرسمية، بينها برغهوف، وبروميدياسيون، ومؤسسة مارتي أهتيساري للسلام، ومركز الحوار الإنساني ومعهد الدراسات الأمنية، لمناقشة كيفية تحسين التنسيق بين المبادرات المتعلقة بالسودان.
أين تذهب المخرجات؟
وقال مصدر سبق أن شارك في عدة جولات إن ما ينتج عن هذه الاجتماعات يتم نقله ومشاركته مع أطراف وجهات منخرطة في ملف السودان، مضيفاً أن المؤسسات الأوروبية العاملة في الوساطة تتبادل المعلومات والمخرجات فيما بينها بصورة مستمرة.

وبهذا المعنى، تتجاوز الاجتماعات كونها منتديات نقاش بين السياسيين السودانيين، لتشكل إحدى أدوات قراءة الخريطة السياسية السودانية من الداخل. فهي تكشف من يستطيع الحوار مع من، وتحدد مواضع الخلاف بين الأطراف، وتفتح الباب أمام تفاهمات أولية حول قضايا بعينها، تمهيداً لنقل بعض هذه الخيارات لاحقاً إلى مسارات الوساطة الأوسع.
ما بعد أديس
ويأتي اجتماع النمسا في توقيت يشهد تحركات متسارعة بين القوى المدنية والسياسية السودانية، عقب اجتماعات أديس أبابا الأخيرة، وفي ظل محاولات إقليمية ودولية لإيجاد قدر أكبر من التنسيق بين المسارات المتعددة المتعلقة بالنزاع المسلح والعملية السياسية.
إلا أن اجتماع النمسا، وفق المعلومات المتاحة لـ«سودان ستوري»، يمثل جولة جديدة ضمن مسار أقدم حافظ على نشاطه عبر سلسلة من الاجتماعات المغلقة، أكثر من كونه امتداداً تنظيمياً مباشراً لاجتماعات أديس أبابا.
ويجعل ذلك أهمية الجولة الحالية مرتبطة بدرجة أقل بمكان انعقادها، وبدرجة أكبر بتركيبة المشاركين والقضايا التي يناقشونها، وما ستنقله الجهة المنظمة من نتائجها إلى شبكة الوسطاء والفاعلين الدوليين.
ومع استمرار التكتم على بقية قائمة الحضور، يبقى المؤكد حتى الآن وجود مبارك أردول وصديق الصادق المهدي ضمن الاجتماع، فيما تواصل «سودان ستوري» التحقق من بقية المشاركين وأجندة الجولة الجارية.

