النزاع المسلح لم يُخرج محطات التوليد وحدها من الخدمة، بل ضرب خطوط النقل والمحولات والصيانة، وحوّل الشبكة القومية إلى أجزاء شبه معزولة، فيما توفر البارجة والاستيراد والطاقة الشمسية متنفساً محدوداً لا يعيد الكهرباء إلى الجميع
سودان ستوري
يختبر السودانيون عودة الحياة إلى مدنهم بقدرتهم على الحصول على الماء، وحفظ الدواء، وتشغيل المروحة أو الثلاجة، واستئناف الأعمال الصغيرة، أكثر مما يختبرونها بعدد المباني التي أعيد فتحها. وفي هذا الاختبار، تظل الكهرباء أكثر الخدمات كشفاً للفجوة بين إعلان عودة المدن وقدرتها الفعلية على استقبال السكان.
في جنوب الخرطوم، تقول الصحفية أسماء ميكائيل إن الكهرباء عادت في الاسم أكثر مما عادت في الواقع. فالتيار يصل بصورة متقطعة، وقد ينقطع لساعات أو أيام، بينما تعتمد عليه خدمات أساسية تشمل ضخ المياه، وتشغيل المراكز الصحية، وحفظ الأدوية والأغذية، وعودة الورش والمتاجر.
لم تبدأ أزمة الكهرباء مع النزاع المسلح. قبل أبريل 2023، كان القطاع يعاني ضعف الاستثمار والصيانة، وفجوة بين القدرة المركبة على الورق والطاقة التي يمكن تشغيلها فعلياً. لكن القتال نقل الأزمة من عجز مزمن إلى انهيار أصاب التوليد والنقل والتوزيع في وقت واحد.

وتضررت محطات وخطوط نقل ومحطات تحويل وشبكات داخل الأحياء، فيما تعطلت الصيانة وإمدادات الوقود وقطع الغيار، وغادر فنيون مناطق القتال. كما أدى تضرر خطوط رئيسية إلى فقدان أجزاء من الشبكة القدرة على تبادل الكهرباء وموازنة الأعطال.
المشكلة ليست في التوليد وحده
يُختزل النقاش العام عادة في سؤال: كم تنتج مروي أو الروصيرص أو قري؟ لكن الكهرباء لا تصل إلى المستهلك بمجرد دوران التوربينات.
هناك فرق بين القدرة التي صُممت المحطة لإنتاجها، وما يمكن تشغيله منها في الظروف الحالية، والإنتاج الذي يُضخ فعلياً، ثم الكهرباء التي تصل إلى المنازل بعد مرورها بخطوط النقل والمحطات التحويلية وشبكات التوزيع.
قد تُنتج محطة مئات الميغاواط، لكن الكهرباء لا تصل إلى مدينة تضرر خطها أو محولاتها. وقد تُعاد محطة تحويلية إلى الخدمة، بينما يظل التوليد أقل من الطلب أو تتعطل الشبكات الداخلية في الأحياء.
لذلك لا تعني إعادة تشغيل محطة أو ماكينة واحدة انتهاء القطوعات. فالقطاع يعمل كسلسلة؛ إذا انكسرت إحدى حلقاتها بين التوليد والنقل والتوزيع، فلن يصل التيار مستقراً إلى المستهلك.
شبكة قومية تحولت إلى أجزاء معزولة
بحسب إفادات فنية جمعتها «سودان ستوري»، فقدت الشبكة القومية جانباً مهماً من ترابطها، وتحولت إلى أجزاء تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلال.
توجد مناطق مرتبطة جزئياً في الشمال والشرق والوسط، بينما تعتمد مناطق في كردفان ودارفور على محطات محلية محدودة أو مولدات وأنظمة شمسية. وهذا الوضع يجعل تحسن الكهرباء في مدينة لا ينعكس بالضرورة على المدن الأخرى.
كما تظل المعلومات المتاحة عن الكهرباء في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع أو الحركة الشعبية محدودة ومجزأة، ما يجعل بيانات السلطة القائمة في بورتسودان غير كافية وحدها لرسم صورة قومية دقيقة.
مروي: أكبر المصادر وأبرز نقاط الهشاشة
منحت محطة مروي السودان مصدراً كبيراً للكهرباء المائية، لكنها جعلت استقرار أجزاء واسعة من الشبكة مرتبطاً بمحطة واحدة وخطوط نقل طويلة.

عندما تتوقف وحدات في مروي، أو تتضرر الخطوط الخارجة منها، يمتد الأثر إلى ولايات بعيدة. وأعادت الحرائق والأعطال التي أُعلن عنها في مروي والمحطة الحرارية ببورتسودان النقاش حول ظروف التشغيل والصيانة.
تكشف هذه الوقائع خطورة تشغيل منظومة بلا احتياطي كافٍ، في ظل نقص قطع الغيار وصعوبة الصيانة، من دون أن تثبت وجود تخريب أو سبب واحد مشترك. فالمشكلة ليست فقط في منع العطل التالي، بل في بناء شبكة لا ينهار جزء كبير منها عند خروج محطة أو خط واحد.
استعادة جزئية لا تعني انتهاء الأزمة
أعادت السلطة القائمة في بورتسودان تشغيل محطتي سوبا وبانت التحويليتين في الخرطوم، وأعلنت خططاً لإصلاح وتركيب محولات داخل العاصمة. كما تحدثت وزارة الطاقة عن تحسن الإمداد من قري، وصيانة وحدات في أم دباكر، وارتفاع محتمل في التوليد المائي مع تحسن مناسيب المياه.
هذه الخطوات مهمة، لكنها تمثل استعادة تدريجية وليست عودة كاملة للخدمة. فدخول وحدة إلى العمل لا يجيب وحده عن ساعات تشغيلها، وتوفر الوقود، واستقرار خطوط النقل، وقدرة شبكات الأحياء على توزيع الكهرباء.
وتواجه الخرطوم، إلى جانب نقص التوليد، حاجة واسعة إلى المحولات والكوابل والأعمدة والعدادات، بينما يزداد الطلب مع عودة السكان وفتح الأسواق والمرافق.
البارجة: حل سريع بكلفة غير واضحة
طرحت الحكومة بارجة توليد عائمة بقدرة 100 ميغاواط، إلى جانب محطة أرضية بقدرة 50 ميغاواط، لتخفيف أزمة بورتسودان.
يمكن للبارجة إدخال كهرباء جديدة خلال فترة أقصر من بناء محطة برية، ما يجعلها حلاً إسعافياً لمدينة تواجه طلباً متزايداً ودرجات حرارة مرتفعة. لكنها لا تعيد بناء الشبكة القومية، ولا تعالج انقطاع الكهرباء في الولايات غير المرتبطة بإنتاجها.
ويضع وزير الطاقة والتعدين الأسبق عادل علي إبراهيم البارجة داخل مفاضلة بين الإسعاف العاجل والحل الدائم.
وبحسب تقديراته المنشورة، تبلغ تعرفة شراء الكهرباء نحو 4.9 سنتات للكيلوواط/ساعة، قبل إضافة الوقود وبعض تكاليف التشغيل. كما قدّر أن تشغيل البارجة الجديدة بالتزامن مع البارجة القديمة يمكن أن يرفع الالتزامات الشهرية إلى أكثر من سبعة ملايين دولار.

وتظل هذه الأرقام تقديرات منسوبة إلى الوزير السابق، لأن نص العقد لم يُنشر، كما لم تُوضح بصورة قاطعة الكلفة الكاملة التي تشمل الوقود ورسوم الميناء والتشغيل والربط.
ويقبل عادل علي إبراهيم البارجة باعتبارها حلاً طارئاً، ويحذر في الوقت نفسه من تحول العقود المؤقتة إلى بديل عن استكمال أصول ثابتة تظل مملوكة للقطاع.
ويقترح إكمال وحدات «سيمنس» في كلانييب وقري، وتأهيل المحطات الحرارية، وإصلاح خطوط النقل، واستعادة الربط مع إثيوبيا، باعتبارها استثمارات تبني قدرة دائمة بدلاً من شراء الكهرباء شهرياً.
الاستيراد يدعم الشبكة ولا يعوضها
يمكن للربط مع مصر وإثيوبيا توفير إمداد أسرع من بناء محطات جديدة، لكنه يظل مقيداً بقدرة خطوط الربط، والاتفاقات المالية، وقدرة الشبكة السودانية على استقبال الكهرباء ونقلها.
بدأ الربط المصري بقدرة محدودة، فيما تستهدف الخطط رفعها إلى 300 ميغاواط. لكن القدرة المستهدفة ليست متاحة بالكامل حالياً، وحتى بعد زيادتها لن تصل الكهرباء إلى جميع المناطق ما لم تُصلح الخطوط والمحطات التحويلية داخل السودان.
وينطبق الأمر نفسه على الربط مع إثيوبيا: يمكن للاستيراد أن يقلل العجز، لكنه لا يصلح شبكة داخلية مكسورة.
الطاقة الشمسية: البديل الذي فرضه النزاع
مع تراجع الشبكة وارتفاع كلفة الوقود، تحولت الطاقة الشمسية من خيار إضافي إلى مصدر أساسي للأسر والمزارع والعيادات والأعمال الصغيرة.

وأعلنت السلطات إعفاء منظومات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية، في خطوة يمكن أن تخفض كلفة الألواح والبطاريات والمحولات. لكن أثر القرار يظل مرتبطاً بتطبيقه الفعلي، وبالرسوم الأخرى، وتوفر العملات الأجنبية وخدمات النقل والتركيب.
كما تحتاج السوق إلى مواصفات ورقابة وضمانات للمستهلكين، حتى لا تتحول إلى منفذ لمعدات قصيرة العمر أو منخفضة الجودة.
وتستطيع الطاقة الشمسية تشغيل بئر أو مركز صحي أو منزل أو ورشة، كما يمكن استخدامها في شبكات مصغرة للمناطق المعزولة. لكنها لا تمثل، بصيغتها المنزلية المعتادة، بديلاً عن شبكة قادرة على تشغيل المدن والمصانع والمنشآت الكبرى.
ثلاثة مسارات للإصلاح
في المدى العاجل، ينبغي إعطاء الأولوية لإصلاح خطوط النقل والمحطات التحويلية، وتوفير المحولات وقطع الغيار، وتأمين فرق الصيانة والمواقع الحيوية. هذه الأعمال قد تعيد كهرباء منتجة فعلياً لكنها لا تصل إلى المستهلك.
وفي المدى المتوسط، يمكن زيادة الربط مع مصر وإثيوبيا، وإعادة وحدات قري وأم دباكر إلى الخدمة بصورة مستقرة، وتوسيع الطاقة الشمسية والبطاريات لمحطات المياه والمستشفيات والمناطق المعزولة.
أما في المدى الطويل، فلا بد من استكمال كلانييب والمشروعات الحرارية المتعثرة، وتأهيل المحطات القديمة، وتنويع مصادر التوليد، وإعادة تصميم الشبكة بحيث لا يعتمد استقرارها على محطة واحدة أو مسار نقل واحد.
وتحتاج هذه المسارات إلى إدارة مالية وفنية شفافة. فالتمويل ضروري، لكنه لا يعالج وحده غياب الصيانة أو سوء ترتيب الأولويات أو شراء معدات بلا قطع غيار وخدمات لاحقة.
المعيار هو الاستقرار
يمكن افتتاح محطة تحويلية، أو إدخال ماكينة، أو استقبال بارجة، أو تدشين منظومة شمسية. لكن نجاح استعادة الكهرباء لا يُقاس بعدد مراسم الافتتاح.
المعيار الحقيقي هو عدد الساعات المستقرة التي يصل فيها التيار إلى الأحياء، وقدرة محطات المياه والمستشفيات على العمل، وتراجع خسائر التجار، وعودة الورش والمصانع، وانخفاض اعتماد الأسر على المولدات والبدائل الباهظة.
لقد حوّل النزاع المسلح شبكة الكهرباء من مرفق ضعيف إلى بنية مجزأة. وإعادتها لن تحدث بمحطة أو عقد واحد؛ بل بعملية تبدأ بإصلاح الخطوط والمحولات، وتنتهي بإعادة بناء الثقة في أن الضغط على المفتاح سيعني، فعلاً، وصول التيار.
عدد الكلمات: نحو 1,250 كلمة. | التصنيف: اقتصاد | خدمات وبنية تحتية.

