تصريحات بابكر فيصل وشهاب إبراهيم وبيانات حزب الأمة تعيد فتح ملف دور ممثل الاتحاد الأفريقي داخل الخماسية، وحدود انتقاله من التيسير إلى التأثير في أطراف العملية السياسية
سودان ستوري
لم يعد الجدل حول الآلية الخماسية في السودان مقتصراً على قوائم المشاركين أو معايير الدعوة إلى الاجتماعات. فقد انتقل، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى شخص محمد بلعيش، الممثل الخاص لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي في السودان، وسط اتهامات من قوى مدنية بأنه تجاوز موقع الميسّر، وأصبح مؤثراً في تحديد من يدخل العملية السياسية وبأي صفة.
هذه الاتهامات لا تستند إلى واقعة واحدة. فهي تجمع بين خلافات حول اللجنة التحضيرية، واعتراضات على قوائم المشاركين، وتضارب في التفويض داخل بعض الأحزاب، واتصالات مكثفة أجراها بلعيش مع السلطة القائمة في بورتسودان. كما تستند إلى شهادات سياسية علنية وخاصة ترى أن ممثل الاتحاد الأفريقي يستفيد من ضعف التنسيق داخل الخماسية ومن الانقسامات داخل القوى السودانية لإعادة تشكيل الطاولة.
الوقائع المتاحة لا تثبت وجود اتفاق مباشر بين بلعيش وقيادة الجيش، كما لا تثبت أنه صاحب القرار المنفرد داخل الآلية. ما تثبته هذه الوقائع هو وجود أزمة ثقة واسعة، وأسئلة لم تُجب عنها الخماسية بشأن من يختار المشاركين، وكيف تتحقق من تفويضهم، وما حدود السلطة التي يمارسها بلعيش فعلياً.
من هو بلعيش؟
محمد بلعيش دبلوماسي مغربي مخضرم، يشغل منصب الممثل الخاص لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ورئيس مكتب اتصال الاتحاد في السودان. وبحكم هذا الموقع، أصبح واحداً من أكثر المسؤولين حضوراً في الاتصالات المتعلقة بالمسار السياسي السوداني.

خلال يوليو 2026، التقى بلعيش قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في الخرطوم، وبحث معه الوضعين السياسي والأمني، وجهود الوساطة، وإعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي. كما التقى رئيس الوزراء كامل إدريس ضمن اتصالات الاتحاد مع السلطة القائمة في بورتسودان، وأعلن التزام المفوضية بخفض التصعيد والدفع نحو وقف إطلاق النار وعملية سياسية شاملة.
هذه اللقاءات، في ذاتها، لا تمثل دليلاً على الانحياز، فالتواصل مع السلطة القائمة ومع قيادة الجيش جزء طبيعي من مهمة أي مبعوث يسعى إلى وقف النزاع المسلح متعدد الأبعاد أو فتح مسار سياسي. لكن منتقدي بلعيش ينظرون إلى هذه الاتصالات إلى جانب الخلافات بشأن المشاركين، ويرون أن تكرارها منح السلطة القائمة في بورتسودان حضوراً متقدماً في تصميم العملية، في وقت ظلت فيه قوى مدنية رئيسية تعترض على المنهج نفسه.
بابكر فيصل: الخماسية فقدت حيادها
أطلق بابكر فيصل، رئيس المكتب التنفيذي لحزب التجمع الاتحادي ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في تحالف «صمود»، الاتهام العلني الأوضح.
قال فيصل إن الخماسية لم تعد مظلة محايدة لرعاية العملية السياسية، وإنها انحرفت عن المهمة التي أوكلتها إليها خارطة الطريق التي طرحتها الرباعية الدولية، والمتمثلة في تسهيل عملية سياسية شاملة يقودها المدنيون، ولا يهيمن عليها أي من طرفي النزاع المسلح متعدد الأبعاد.
وبحسب فيصل، توصلت القوى السياسية خلال اجتماعات سابقة إلى توافق على لجنة تحضيرية تضم التحالفات والأحزاب الرئيسية، وتتولى بحث تصميم العملية ومعايير المشاركة وجدول الأعمال. لكنه اتهم الخماسية بالتراجع عن هذا التوافق والانتقال إلى اجتماعات ضمت تحالفات وأفراداً قال إن بعضهم لا يمثلون قوى سياسية فاعلة، وإن اختياراتهم تصب في مصلحة المعسكر السياسي الداعم للجيش.

ورأى فيصل أن النهج الحالي يمنح قيادة الجيش فرصة لكسب الوقت واستعادة الشرعية السياسية والدبلوماسية عبر عملية وصفها بأنها «مزيفة وقاصرة»، تمهد لترتيبات سياسية وتشريعية تكرس سلطة قائد الجيش.
هذه الاتهامات لا تثبت تنسيقاً مباشراً بين الخماسية والجيش، لكنها تضع طريقة إدارة المشاورات تحت اختبار سياسي واضح، وتمنح الاعتراض على بلعيش بعداً علنياً ومؤسسياً.
شهاب إبراهيم: «اختطاف» قرار الاتحاد الأفريقي
يذهب شهاب إبراهيم، القيادي في قوى إعلان المبادئ، إلى اتهام أكثر مباشرة. وقال في تصريحات خاصة لـ«سودان ستوري»:
«بلعيش يختطف قرار الاتحاد الأفريقي، ويحاول شرعنة طرف على حساب آخر»
ويرى شهاب أن المشكلة لا تكمن فقط في توسيع قوائم الدعوات، بل في الجهة التي تملك حق تحديد الأطراف وصناعة التوازن داخل العملية السياسية. ووفق إفادته، يتحرك بلعيش بهامش واسع داخل الخماسية، مستفيداً من ضعف التنسيق بين مؤسساتها، ما يسمح له بالتأثير في اختيار المشاركين وفي الصفة التي يدخلون بها إلى الاجتماعات.
كما أثار شهاب مسألة التفويض، وقال إن محمد منعم منصور لم يكن مفوضاً من تحالف «صمود»، في سياق الجدل حول تمثيل بعض المشاركين. وفي المقابل، نُشرت تصريحات لمنصور ضمن النقاش نفسه، من دون ظهور وثيقة علنية تحسم الصفة التي شارك بها أو الجهة التي فوضته.
أهمية إفادة شهاب أنها تركز على النتائج السياسية لطريقة إدارة المشاورات، لا على وجود أوامر مباشرة من السلطة القائمة في بورتسودان. فهو لا يقدم دليلاً على أن الجيش أصدر تعليمات إلى بلعيش، لكنه يرى أن القرارات التي اتخذت داخل الخماسية انتهت عملياً إلى منح طرف وزناً أكبر على حساب آخر.
حزب الأمة: واقعة تكشف أزمة التفويض
قدمت مشاركة وفد باسم حزب الأمة القومي في اجتماع أديس أبابا يوم 2 أغسطس مثالاً عملياً على أزمة التفويض.
كانت الأمانة العامة للحزب قد أعلنت، في 31 يوليو، عدم المشاركة في المشاورات بصيغتها الحالية، بسبب ما وصفته باختلالات بنيوية وإجرائية، وطالبت بلجنة تحضيرية سودانية تتولى تحديد الأطراف ومعايير المشاركة وجدول الأعمال.

لكن وفداً برئاسة مريم الصادق المهدي شارك لاحقاً باسم الحزب. ثم قال رئيس المكتب السياسي، محمد المهدي حسن، إن رؤساء أجهزة الحزب كانوا قد قرروا عدم المشاركة، وإن مكتبه لم يمنح الوفد تفويضاً بالحضور.
هذا الخلاف لا يثبت أن بلعيش اختار الوفد أو منحه التفويض، كما لا ينفي احتمال أن تكون مريم قد حصلت على تكليف من جهة أخرى داخل الحزب. لكنه يكشف أن الخماسية قبلت تمثيلاً أصبح موضع نزاع علني داخل المؤسسة نفسها.
وقال قيادي في حزب الأمة، طلب حجب اسمه، إن بلعيش يتحرك داخل التناقضات الحزبية، ويستفيد من تعدد مراكز القرار للوصول إلى قيادات تقبل بالمشاركة عندما تعترض مؤسسات أخرى. ووصف هذا النهج بأنه يحول الميسّر إلى عامل يفاقم الانقسام بدلاً من مساعدته على بناء موقف مؤسسي.
تبقى هذه رواية مصدر سياسي لا يمكن تقديمها باعتبارها حقيقة مثبتة. لكن واقعة حزب الأمة تجعل سؤال التفويض مشروعاً: ما الأساس الذي اعتمدته الخماسية لقبول الوفد باسم الحزب، ومن داخل الآلية تحقق من صفته؟
الخلاف أوسع من قائمة أسماء
تشير إفادات سياسية حصلت عليها «سودان ستوري» إلى أن الخماسية تعاني غياب مركز قرار موحد وقناة اتصال واضحة.
وفي نقاش مع «سودان ستوري»، رأى أحد المشاركين في المشاورات أن المؤسسات الخمس لا تستطيع دائماً إنتاج موقف واحد أو تقديم رد موحد، ما يترك مساحة واسعة للمسؤول الأكثر حركة واتصالاً.
هذا التفسير يشير إلى خلل مؤسسي أعمق من فرضية التآمر المباشر. فالخماسية تجمع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي و«إيغاد» وجامعة الدول العربية، ولكل مؤسسة هياكلها وأولوياتها وعلاقاتها بالأطراف السودانية والإقليمية.
في هذه البيئة، قد يتحول المبعوث الذي يملك شبكة الاتصالات الأوسع إلى مركز فعلي للقرار، حتى من دون تفويض مكتوب بذلك. ومن هنا يأتي التركيز على بلعيش: فهو الواجهة الأكثر حضوراً، وصاحب الاتصالات المباشرة مع السلطة القائمة في بورتسودان والقوى المدنية، والمسؤول الذي تتقاطع عنده الأسئلة حول الدعوات والتمثيل.
الرباعية والخماسية: صراع على المرجعية

في خلفية الخلاف، توجد رؤية مختلفة لدور المسارات الدولية. فقد أبدى عبد الله حمدوك، في حوار سابق، تفضيلاً لدور الرباعية الدولية في الدفع نحو وقف النزاع المسلح متعدد الأبعاد، مع إبقاء الخماسية في موقع التيسير لعملية سياسية يملك السودانيون تصميمها.
وتمسكت القوى التي يقودها حمدوك بأن تتولى لجنة تحضيرية سودانية تحديد الأطراف ومعايير التمثيل وتوجيه الدعوات ووضع الأجندة.
كما سبق لوجدي صالح أن رفض احتكار مرجعية العملية السياسية أو تحويلها إلى مسار يخدم السلطة القائمة أو يعيد إنتاج شرعية أحد طرفي النزاع المسلح متعدد الأبعاد.
هذه المواقف لا تستهدف بلعيش شخصياً، لكنها توضح أن النزاع لا يدور حول أسماء المدعوين فقط، بل حول من يملك تصميم العملية: السودانيون عبر لجنة تحضيرية، أم المؤسسات الدولية عبر قوائم واتصالات تديرها من الخارج؟
سجل سابق من الاعتراضات
ليست هذه أول مرة يواجه فيها بلعيش اعتراضات من قوى مدنية سودانية.
خلال العملية السياسية التي أعقبت انقلاب 25 أكتوبر 2021، كان جزءاً من جهود الاتحاد الأفريقي الرامية إلى استعادة الحكم الدستوري. وظهرت حينها خلافات بين القوى المدنية والآليات الدولية بشأن أطراف الحوار، وتسلسل العملية، وحدود مشاركة قوى مرتبطة بالنظام السابق.
ويرى منتقدوه أن النهج الحالي يعيد بعض سمات تلك المرحلة: توسيع الطاولة، وإضافة كيانات محدودة الوزن، ومنحها حضوراً يخفف الوزن النسبي للتحالفات الرئيسية. ويصف بعضهم ذلك بتكتيك «إغراق الطاولة».
يظل هذا الوصف اتهاماً سياسياً يحتاج إلى فحص قوائم المشاركين، وقياس الوزن الحقيقي للجهات المدعوة، والتحقق من صفة كل مشارك وتفويضه.
ما الذي تثبته الوقائع؟
تثبت الوقائع أن بابكر فيصل اتهم الخماسية علناً بفقدان الحياد وتوجيه العملية لصالح قيادة الجيش، وأن شهاب إبراهيم اتهم بلعيش باختطاف قرار الاتحاد الأفريقي ومحاولة شرعنة طرف على حساب آخر.
وتثبت أن حزب الأمة أعلن عدم المشاركة، ثم شارك وفد باسمه، قبل أن ينفي رئيس مكتبه السياسي موافقته على الحضور.
كما تثبت أن الخلاف حول اللجنة التحضيرية ومعايير الدعوات سابق على واقعة حزب الأمة، وأن بلعيش وسّع اتصالاته مع البرهان وكامل إدريس ضمن مهمته الرسمية.
في المقابل، لا تثبت هذه الوقائع وجود اتفاق سري بين بلعيش والجيش، ولا تثبت أنه صاحب القرار المنفرد داخل الخماسية، أو أنه أصدر تعليمات إلى أفراد بعينهم بالمشاركة.
المشكلة الأساسية تكمن في غياب الشفافية التي تسمح باختبار هذه الاتهامات بشكل مستقل.
من التيسير إلى التأثير
تقوم حيادية الميسّر على إجراءات يمكن مراجعتها: من وجه الدعوة، وبأي معيار؟ ومن تحقق من التفويض، ومن اتخذ القرار عند اعتراض إحدى المؤسسات؟
إذا كان بلعيش ينفذ قراراً جماعياً للخماسية، فمن حقه أن يوضح الجهة التي اتخذت القرار ومسار اعتماده. وإذا كان يتحرك ضمن تفويض واسع من الاتحاد الأفريقي، فينبغي تحديد حدود هذا التفويض وعلاقته ببقية مؤسسات الآلية.
أما القوى السودانية، فلا يمكنها إعفاء نفسها من المسؤولية. فالانقسامات داخل الأحزاب وتعدد مراكز القرار تترك مساحة واسعة للميسّرين لاختيار من يتعاملون معه. لكن ضعف المؤسسات لا يمنح الميسّر حق إعادة تركيبها أو تقديم أحد أطرافها ممثلاً نهائياً لها.
لهذا أصبح محمد بلعيش عنواناً للأزمة، لا لأنه أُدين بدليل قاطع، بل لأن الاتصالات والاتهامات والأسئلة تتقاطع عند موقعه.
وحتى تقدم الخماسية إجابات واضحة بشأن قوائم المشاركين، ومصادر التفويض، ومصير اللجنة التحضيرية، وحدود دور بلعيش، ستظل صورته لدى منتقديه أقرب إلى مهندس للعملية السياسية منها إلى ميسّر يساعد السودانيين على تصميمها بأنفسهم.
هل تملك الخماسية القدرة المؤسسية على إعادة ضبط منهج عملها قبل أن تتسع فجوة الثقة معها؟

