أعاد محمد مفتاح الفيتوري الوجه الأسود إلى قلب القصيدة العربية، وحوّل أفريقيا من موضوع بعيد إلى ذات تتكلم عن تاريخها وجرحها وحريتها. لكن سيرة الشاعر لم تتوقف عند حدود القصيدة؛ فقد عاش بين الثورة والسلطة، وبين الجواز المسحوب والوطن المؤجل، وظل يبحث في اللغة عن مكان أوسع من الدول.

إعداد صوتي: صلاح شعيب  |  تحرير: سودان ستوري

الوجه الأفريقي في مرآة القاهرة

في منتصف خمسينيات القرن الماضي، كان المشهد الثقافي في القاهرة مشغولاً بأسئلة التحرر والاستقلال والقومية العربية. كانت المدينة مركزاً للنشر والصحافة والجامعة والأزهر، ومقصداً للكتّاب والشعراء القادمين من أطراف المنطقة.

وسط ذلك المشهد، ظهر شاعر شاب شديد السمرة، قادم من الإسكندرية، لا يتحدث عن أفريقيا بوصفها قارة بعيدة أو خلفية غامضة في كتب الجغرافيا، بل بوصفها جرحاً شخصياً وذاكرة حية وسؤالاً عن الإنسان الأسود وموقعه داخل الثقافة العربية.

كان اسمه محمد مفتاح رجب الفيتوري.

لم يحمل الفيتوري أفريقيا إلى مصر، فمصر نفسها بلد أفريقي، والنيل الذي عبره الشاعر كان قد عبر قبل ذلك السودان وممالك وادي النيل القديمة. لكنه حمل سؤال أفريقيا إلى مركز ثقافي عربي كان كثيراً ما ينظر شرقاً نحو بغداد ودمشق وبيروت، بينما يترك وجهه الأفريقي خارج المرآة.

كان ذلك هو التحول الذي صنعه الفيتوري: لم يطلب من القصيدة العربية أن تتعاطف مع أفريقيا، بل أجبرها على الاعتراف بأن أفريقيا موجودة في داخلها.

من الجنينة إلى الإسكندرية

ولد الفيتوري في مدينة الجنينة غربي السودان في 24 نوفمبر 1936، لأب ليبي الأصل كان شيخاً صوفياً على الطريقة الشاذلية العروسية، وأم سودانية. انتقلت أسرته وهو صغير إلى الإسكندرية، حيث حفظ القرآن الكريم، قبل أن يواصل دراسته في القاهرة، في كلية العلوم بالأزهر، ثم يدخل عالم الصحافة والأدب.

كانت الجنينة مكان الميلاد، لكن الإسكندرية كانت مكان التكوين الأول. هناك، على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تشكل وعي الطفل باللغة والدين والبحر، وبالفرق أيضاً.

لم يكن اللون في حياة الفيتوري تفصيلاً بصرياً. كان سؤالاً يومياً عن المسافة بين الإنسان والصورة التي ترسمها له البيئة المحيطة. وفي مجتمع عربي كان يستخدم السواد أحياناً بوصفه علامة على الدونية أو العبودية أو الغربة، وجد الشاعر نفسه مبكراً أمام ضرورة الدفاع عن وجهه، لا بالاحتجاج المباشر وحده، بل بإعادة بناء صورة الأسود داخل اللغة.

لم يكن يريد من القصيدة أن تقول إن الأفريقي إنسان مثل غيره فحسب؛ كان يريدها أن ترى أن تجربته التاريخية، من الرق والاستعمار إلى مقاومة الإذلال، قادرة على إنتاج الجمال والبطولة والمعرفة.

حين صارت أفريقيا ذاتاً لا موضوعاً

في منتصف الخمسينيات أصدر الفيتوري ديوانه المبكر «أغاني أفريقيا»، ثم توالت أعماله: «عاشق من أفريقيا» عام 1964، و«اذكريني يا أفريقيا» عام 1965، و«أحزان أفريقيا» عام 1966. بهذه السلسلة لم تعد القارة مجرد مكان تقع فيه الحوادث، بل تحولت إلى ذات تتكلم وتغضب وتتذكر وتطالب بحريتها.

كان قريباً، في حساسيته الشعرية، من الأسئلة التي أثارتها حركة الزنوجة عند ليوبولد سنغور وإيمي سيزير وغيرهما، لكنه لم يكن نسخة عربية منها. فقد خرجت تجربته من تقاطع أكثر تعقيداً: سودان أفريقي عربي، وأب ليبي صوفي، ونشأة مصرية، ولغة عربية فصيحة، وذاكرة سوداء تبحث عن مكانها داخل ثقافة لا تعترف دائماً بكل مصادرها.

لهذا لم تكن أفريقيا في شعره شعاراً جغرافياً. كانت اسماً مركباً للعبودية والتحرر، وللون والإمبراطورية، وللإنسان الذي حُرم طويلاً من حقه في أن يكون راوياً لتاريخه، لا مجرد شخصية هامشية في رواية الآخرين.

لقد أخذ الفيتوري الصورة التي صاغها المستعمر وتداولتها بعض الثقافات المحلية عن الإنسان الأسود، ثم أعادها إلى القصيدة مرفوعة الرأس. لم يكتب الأفريقي بوصفه ضحية أبدية، بل بوصفه إنساناً يصنع ثورته ويستعيد جسده وصوته.

السودان الذي غيّر معنى اللون

حين عرف الفيتوري السودان عن قرب، لم يعد اللون يحمل الدلالة نفسها التي حملها في الإسكندرية والقاهرة.

في السودان كان السواد هو القاعدة الواسعة لا الاستثناء. لم يعد الشاعر ذلك الوجه المنفرد داخل بيئة تنظر إليه بوصفه مختلفاً؛ صار واحداً بين وجوه متعددة، تتفاوت ألوانها ولهجاتها وأصولها، لكنها تنتمي إلى المجال التاريخي نفسه.

هنا حدث انتقال مهم في شعره. لم يتخل عن أفريقيا، لكنه بدأ يرى أن مشكلة السودان ليست في لونه وحده، بل في عجزه عن المصالحة بين مكوناته، وفي محاولات بعض نخبه اختصار هويته داخل تعريف واحد.

أصبح السؤال أكثر تعقيداً: كيف يكون المرء أفريقياً وعربياً وصوفياً وحداثياً في الوقت نفسه، من دون أن يضطر إلى بتر جزء من ذاته؟

كان الفيتوري نفسه هو الإجابة غير المكتملة عن ذلك السؤال. فقد تشكل من عدة أمكنة، ولم يستطع مكان واحد أن يحتويه كاملاً.

حين خرج الشعر من الديوان إلى الشارع

لم يبق شعر الفيتوري حبيس الكتب. وجد طريقه إلى الوجدان السوداني عبر أصوات غنائية كبرى.

غنى محمد وردي قصيدته «أصبح الصبح»، التي ارتبطت في الذاكرة السودانية بثورة أكتوبر 1964، وتحولت عبارتها المركزية — «فلا السجن ولا السجان باق» — إلى إعلان شعبي يتجاوز المناسبة التي كتب فيها.

ثم غنى وردي «عرس السودان» بعد انتفاضة أبريل 1985، وهي القصيدة التي تحمل حنين المنفى إلى وطن لا يكتمل إلا بالحرية. وغنى عبد الكريم الكابلي «معزوفة لدرويش متجول»، بينما قدم أبو عركي البخيت قصيدة «سقوط دبشليم». وهكذا انتقل الفيتوري من نخبة القراء إلى جمهور الإذاعة والمسرح والساحات العامة.

ولم يكن نجاح هذه النصوص مصادفة. كان الفيتوري يكتب بإيقاع داخلي يسمح للكلمات بأن تتحول إلى نشيد، ويصوغ صوره بلغة رفيعة، لكنها قادرة على النزول من منصة الشعر إلى الشارع.

في صوت وردي، لم تعد الحرية مفهوماً فلسفياً؛ صارت لحظة صباح تنتهي فيها سلطة السجان. وفي صوت الكابلي، لم يعد التصوف موضوعاً دينياً مغلقاً؛ صار تجربة إنسانية في الحب والتيه والبحث عن المعنى.

كان ذلك وجهاً آخر لمشروع الفيتوري: أن يعيد الشعر إلى وظيفته الأولى، حين كان القول جزءاً من الحياة العامة، وحين تستطيع القصيدة أن ترافق الثورة كما ترافق العاشق والدرويش والمنفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *