بقلم: حسام الدين حيدر

أثار تقرير نشره موقع «The Liberal» الأيرلندي، استناداً إلى وثيقة قال إنها مسرّبة من مكتب رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، جدلاً واسعاً حول مشروع سياسي محتمل لإدارة السودان خلال السنوات المقبلة.

وبحسب التقرير، تحمل الوثيقة تاريخ 16 يونيو 2026، وتتضمن توجيهاً بإعداد «رؤية سياسية واستراتيجية شاملة للسودان»، تقوم على فترة انتقالية تمتد خمس سنوات، يديرها رئيس للجمهورية إلى جانب حكومة تكنوقراط، على أن تنتهي بإجراء انتخابات عامة. كما تدعو إلى حوار سوداني–سوداني داخل البلاد، وترفض الاعتداد بنتائج المؤتمرات والمنصات السياسية المنعقدة في الخارج.

غير أن التقرير المنشور لا يوضح سلسلة حيازة الوثيقة، ولا الطريقة التي جرى بها التحقق من التوقيعات والأختام الواردة فيها، كما لا يتضمن رداً رسمياً من مكتب رئيس مجلس السيادة أو الجهة المنسوب إليها الخطاب. ولذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها وثيقة ثبتت صحتها، وإنما مادة تستحق الفحص بمقارنتها مع الخطاب السياسي والممارسة الفعلية للسلطة القائمة في بورتسودان.

المثير للاهتمام هنا ليس مضمون التسريب وحده، بل درجة التشابه بين بعض ما ورد فيه وبين مواقف أعلنها البرهان بنفسه خلال الأسابيع الماضية. فالوثيقة، بصرف النظر عن أصالتها، تبدو كأنها تجمع في نص واحد عناصر ظهرت متفرقة في خطاب رئيس مجلس السيادة: الحوار الداخلي، رفض المنصات الخارجية، حكومة الكفاءات، الانتخابات المؤجلة، والإبقاء على المؤسسة العسكرية في مركز عملية إعادة تأسيس الدولة.

بين الحوار والحسم العسكري

في 26 مايو 2026، أعلن البرهان، في خطابه بمناسبة عيد الأضحى، أن ترتيبات تجري لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، يفضي إلى استكمال انتقال مدني ديمقراطي. وشدد في الوقت نفسه على رفض نتائج الحوارات التي تُعقد في العواصم الخارجية أو الحلول التي تُفرض بإرادة دول أخرى. كما قال إن الدعوة ستُوجَّه إلى القوى الوطنية، باستثناء من وصفهم بأنهم تلطخت أيديهم بدماء السودانيين.

بعد يومين فقط، في 28 مايو، نفى البرهان ما أورده موقع «ميدل إيست آي» بشأن وجود اتصالات أو مشاورات توسطت فيها البحرين لفتح حوار بين السلطة القائمة في بورتسودان ودولة الإمارات. وفي الخطاب نفسه عاد إلى لغة الحسم العسكري، مؤكداً أن الجيش سيمضي نحو القضاء على قوات الدعم السريع، وأنه لن يمنحها فرصة للعودة إلى العملية السياسية. وتمسّك محررو الموقع بصحة روايتهم، وقالوا إن النص المنسوب إلى البرهان خضع للمراجعة قبل نشره.

وفي 12 يونيو، كرر البرهان، خلال مخاطبته المصلين في مدينة العيلفون شرقي الخرطوم، تعهده باستعادة جميع مناطق السودان و«القضاء على المتمردين وكل أعداء هذه الدولة»، وفق تعبيره.

لكن هذا الخطاب العلني لم يمنع استمرار الاتصالات بشأن وقف الحرب. فقد كشفت وكالة رويترز، استناداً إلى وثائق قالت إن مسؤولين سودانيين كباراً أكدوا مضمونها، أن مقترحاً أميركياً قُدّم في يونيو دعا إلى هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، يعقبها تفاوض حول وقف دائم لإطلاق النار وانتقال سياسي بقيادة مدنية. وأظهرت الوثائق أن الحكومة التي يقودها الجيش وافقت على معظم عناصر المقترح، لكنها اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها، بدلاً من الانسحاب المحدود الذي تضمنته الخطة الأميركية.

وفي 8 يوليو، التقى البرهان مبعوث الاتحاد الأفريقي إلى السودان، محمد بلعيش، في الخرطوم، في اجتماع تناول مساعي وقف الحرب وخفض التصعيد وتحقيق السلام. وبعد يومين، عاد في أم درمان إلى الخطاب التعبوي، مؤكداً استمرار القوات المسلحة والقوات المساندة لها في القتال، وأنه لن يمضي في أي خطوة لا تحقق، بحسب تعبيره، أمن السودانيين ورضاهم.

خطابان لمسار واحد

لا تعني هذه المواقف بالضرورة وجود تناقض كامل بين التفاوض والقتال؛ فالأطراف المنخرطة في النزاعات تتفاوض عادة بالتزامن مع العمليات العسكرية، وتحاول تحسين مواقعها الميدانية قبل الوصول إلى التسويات. لكن الحالة السودانية تتجاوز هذا التفسير التقليدي، لأن البرهان لا يكتفي بتغيير لهجته تبعاً للمنبر الذي يتحدث منه، وإنما يطرح تصورات مختلفة لطبيعة العملية السياسية نفسها.

في خطابه الداخلي، يقدم الحل بوصفه حواراً تديره السلطة داخل الأراضي التي تسيطر عليها، وتحدد هي القوى المقبولة للمشاركة فيه. وفي اتصالاته الخارجية، يتعامل مع مقترحات تتضمن هدنة وانتقالاً مدنياً وانتخابات. وفي خطابه العسكري، يربط أي تسوية باستكمال القتال والقضاء على خصمه.

هذه الازدواجية تسمح له بمخاطبة أكثر من جمهور في الوقت نفسه: الجيش والقوات المتحالفة معه بلغة الحسم، والقوى السياسية بلغة الحوار، والوسطاء الدوليين بلغة الهدنة والانتقال. لكنها تترك السؤال الأساسي بلا إجابة: أيٌّ من هذه المسارات يمثل المشروع الحقيقي للسلطة؟

ماذا تعني عسكرة الانتقال؟

عسكرة نظام الحكم لا تعني فقط أن يتولى عسكري منصب رئيس الدولة. المعنى الأعمق هو أن تصبح المؤسسة العسكرية الجهة التي تحدد شكل الانتقال ومدته والمشاركين فيه، وتضع شروط الحوار، وتقرر متى تبدأ العملية السياسية ومتى تنتهي، ثم تشرف على الانتخابات التي يُفترض أن تنقل السلطة إلى المدنيين.

ومن هذه الزاوية، لا تكفي تسمية مجلس الوزراء «حكومة تكنوقراط» لإضفاء صفة مدنية على نظام تكون فيه الرئاسة والقرار السيادي والأمني والسياسي في يد القيادة العسكرية. فالتكنوقراط قد يديرون الخدمات والوزارات، لكنهم لا يمتلكون بالضرورة سلطة تحديد اتجاه الدولة أو مساءلة المؤسسة التي جاءت بهم.

كما أن الدعوة إلى حوار سوداني–سوداني داخل البلاد تبدو، من حيث المبدأ، استجابة مشروعة لرفض الوصاية الخارجية. غير أن الحوار يفقد معناه إذا انفرد أحد أطراف النزاع بتحديد مكانه وأجندته والمسموح لهم بالمشاركة فيه. وعندها لا يعود الحوار عمليةً لإنتاج عقد وطني جديد، بل وسيلةً لإعادة ترتيب المجال السياسي تحت إشراف السلطة القائمة.

أما عبارة استبعاد «من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين»، فهي تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها تظل مفتوحة على استخدام سياسي انتقائي ما لم تُربط بمعايير قانونية واضحة وتحقيقات مستقلة. فالطرف الذي يحتكر تعريف الجريمة وتحديد المتهمين يستطيع، عملياً، استبعاد خصومه والإبقاء على حلفائه.

الحرب بوصفها مصدراً للسلطة

لا توجد أدلة تكفي للجزم بأن البرهان يطيل النزاع المسلح من أجل البقاء في الحكم. لكن من الصعب إنكار أن استمرار النزاع يضع المؤسسة العسكرية في قلب الدولة، ويمنح قيادتها سلطة استثنائية لا تتوافر في الأوضاع الطبيعية.

فالحرب تؤجل الأسئلة المتعلقة بالشرعية والمحاسبة وتوزيع السلطة، وتحوّل الأولوية من بناء النظام السياسي إلى حماية الدولة ومواجهة الأخطار. وداخل هذا المناخ، يصبح الحديث عن انتقال يمتد خمس سنوات قابلاً للتسويق بوصفه ضرورة أمنية، لا مشروعاً لحكم عسكري طويل.

وهنا تكمن أهمية الوثيقة المنسوبة إلى مكتب البرهان. فإذا ثبتت صحتها، فهي لا تكشف انقلاباً مفاجئاً في تفكيره، بل تمنح صيغة مكتوبة لمسار بدأ يتشكل في خطابه وممارسته. وإذا كانت مزيفة، فإن قدرتها على الإقناع تعود إلى أنها استندت إلى عناصر قالها البرهان علناً، أو مارستها السلطة القائمة بالفعل.

الوثيقة ليست السؤال الوحيد

السؤال الأهم ليس فقط: هل الوثيقة حقيقية؟

السؤال هو: لماذا بدت قابلة للتصديق لدى قطاع واسع من السودانيين؟

الإجابة تكمن في تجربة السنوات الماضية، وفي الفجوة المتكررة بين الوعود بالانتقال المدني وبين توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية، وبين الحديث عن الحوار وبين التحكم في شروطه، وبين الإعلان عن رفض التدخلات الخارجية والدخول، في الوقت نفسه، في مفاوضات واتصالات تديرها القوى الإقليمية والدولية.

منذ تحرك 25 أكتوبر 2021، ظل البرهان يقدم قراراته بوصفها إجراءات مؤقتة لحماية الدولة وتصحيح مسار الانتقال. لكن المؤقت ظل يتمدد، وتحولت المؤسسة العسكرية من شريك في ترتيبات انتقالية إلى مركز للنظام السياسي، ثم أصبح النزاع المسلح نفسه مبرراً لاستمرار هذا الوضع.

لذلك، لا تتوقف خطورة المشروع المنسوب إلى البرهان على مدة السنوات الخمس أو اسم الحكومة المقترحة. الخطر الحقيقي هو إعادة تعريف الانتقال بحيث لا يكون انتقالاً من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، وإنما انتقالاً يديره العسكريون، ويحددون قواعده، ثم يقررون في نهايته متى وكيف يسلمون السلطة.

وبين وثيقة لم تثبت صحتها وخطاب سياسي موثق، تبدو ملامح المشروع أكثر وضوحاً: دولة تعاد هندستها من أعلى، وحوار يُدار تحت سلطة السلاح، وحكومة مدنية في وظائفها، عسكرية في مركز قرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *