بابكر فيصل: رجل في ممر ضيق بين ديسمبر والحرب والخارج
بروفايل خاص
في الثامن من يوليو 2026، لم يكن مطار القاهرة الدولي مجرد محطة عبور في رحلة سياسية عادية.
لأكثر من أربع عشرة ساعة، صار المكان نفسه جزءًا من القصة: سياسي مدني سوداني، يتحرك بين العواصم باسم تحالف يرفع شعار وقف الحرب واستعادة المسار المدني، يجد حركته معلّقة في بلد لا يقف على هامش الملف السوداني، بل في قلب تفاعلاته الإقليمية.
كان الرجل هو بابكر فيصل بابكر، رئيس المكتب التنفيذي لحزب التجمع الاتحادي، ورئيس لجنة العلاقات الخارجية في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود». أوقفته السلطات المصرية داخل مطار القاهرة أثناء استعداده للمغادرة، ثم أُفرج عنه لاحقًا، من دون أن يصدر توضيح رسمي مصري يشرح أسباب التوقيف أو ملابسات الإفراج.
الواقعة، في ظاهرها، إجراء عابر في مطار. لكنها، في سياق الحرب السودانية، بدت أكبر من ذلك. فهي أعادت طرح سؤال لا يتعلق ببابكر فيصل وحده: من يملك حق الحركة باسم القوى المدنية السودانية؟ وما معنى أن يصبح الخارج، بعواصمه ومطاراته ومؤسساته، ساحة مركزية في السياسة السودانية بعد أن ضاقت الأرض بالحرب؟

رجل من بيت ديسمبر
لا تبدأ قصة بابكر فيصل من واقعة القاهرة، ولا من موقعه الحالي في «صمود». تبدأ من سياق أوسع: سياق قوى ديسمبر التي تشكلت في لحظة تاريخية نادرة، حين التقى الشارع السوداني الواسع مع قوى سياسية ومهنية ومدنية حول مطلب إسقاط نظام عمر البشير وفتح طريق الانتقال المدني.
داخل تلك اللحظة، كان التجمع الاتحادي واحدًا من الفصائل المدنية التي حضرت في بنية إعلان الحرية والتغيير. لم يكن مجرد لافتة تنظيمية هامشية، بل جزءًا من كتلة سياسية ساهمت في منح الثورة تعبيرها المدني المنظم، إلى جانب تجمع المهنيين السودانيين وقوى الإجماع الوطني ونداء السودان وقوى أخرى.
هذا التفصيل ضروري لفهم بابكر فيصل. فهو لا يمثل صعود فرد معزول فوق حزب محدود، ولا يمكن اختزاله في علاقاته الخارجية أو موقعه في واشنطن. إنه ابن مسار سياسي خرج من رحم ديسمبر، ثم حمل لاحقًا بعض أعباء ذلك المسار في مرحلة أكثر قسوة: مرحلة ما بعد الانقلاب، ثم الحرب، ثم انتقال مركز السياسة من الشارع إلى غرف الوساطات والعواصم.
في هذه النقطة تحديدًا تتشكل مفارقته: هو ليس زعيمًا جماهيريًا على النمط السوداني القديم، وليس قائدًا ميدانيًا، ولا صاحب سلطة على الأرض. لكنه واحد من الوجوه التي صارت تمثل خطًا مدنيًا ديسمبريًا في الخارج، في وقت بات فيه الخارج ساحة لا تقل أهمية عن الداخل في رسم مآلات الحرب والسلام.
التجمع الاتحادي: رصيد ديسمبر وامتحان الحرب
للتجمع الاتحادي موقع خاص في خريطة ما بعد ديسمبر. فهو يستند، من جهة، إلى إرث اتحادي عريض في الوجدان السياسي السوداني، لكنه لا يملك، من جهة أخرى، ثقل الحزب الاتحادي التاريخي القديم بوصفه كتلة جماهيرية موحدة. وبين الإرث والتنظيم، حاول الحزب أن يصنع لنفسه موقعًا داخل السياسة الجديدة التي فتحتها الثورة.
في مرحلة الحرية والتغيير، كان التجمع الاتحادي جزءًا من الواجهة المدنية التي تفاوضت وناورت وشاركت في إدارة الانتقال. ثم جاءت سنوات ما بعد سقوط البشير لتكشف هشاشة التحالفات، وتناقضات القوى المدنية، وصعوبة تحويل رصيد الشارع إلى مؤسسات سياسية قادرة على الصمود.
حين اندلعت حرب أبريل 2023، دخلت كل هذه القوى امتحانًا جديدًا. لم يعد السؤال: من كان مع الثورة؟ بل صار السؤال: أين تقف من الحرب؟ كيف ترى الجيش؟ كيف ترى الدعم السريع؟ كيف توازن بين رفض الانتهاكات ورفض عسكرة المستقبل؟ وكيف تتحدث عن الدولة حين تصبح الدولة نفسها ساحة نزاع بين السلاح والشرعية والسلطة؟
داخل هذا الامتحان، اختار بابكر فيصل، ومعه المكتب التنفيذي للتجمع الاتحادي، موقعًا مناهضًا للحرب وداعمًا لمسار سياسي مدني. لكن هذا الموقع لم يمر بلا كلفة. فقد ظهرت تباينات داخل الحزب، كما حدث في أحزاب وقوى أخرى، بين من يرى أولوية دعم الجيش بوصفه مؤسسة الدولة، ومن يرى أن استمرار الحرب يهدد الدولة ذاتها، وأن الحل لا يمكن أن يكون عسكريًا.
بهذا المعنى، لا تبدو انقسامات التجمع الاتحادي مجرد خلاف تنظيمي داخلي. إنها مرآة لمأزق سوداني أوسع: كيف يمكن لقوى خرجت من ديسمبر أن تحافظ على خطاب مدني في زمن يضغط فيه السلاح على اللغة، وتدفع فيه الحرب الناس إلى خنادق حادة لا تترك مساحة كبيرة للتعقيد؟
من الحرية والتغيير إلى «تقدم» ثم «صمود»
مرّ بابكر فيصل عبر التحولات الكبرى للمعسكر المدني السوداني خلال السنوات الأخيرة. كان ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير، ثم ظهر في سياق تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم»، قبل أن يصبح لاحقًا أحد وجوه التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود».
هذه الانتقالات ليست مجرد تبديل أسماء. إنها تعكس رحلة التيار المدني السوداني نفسه: من لحظة الثورة والانتقال، إلى لحظة الانقسام بعد انقلاب 25 أكتوبر، ثم إلى لحظة الحرب التي أعادت ترتيب كل شيء.
في «صمود»، يشغل بابكر فيصل موقعًا بالغ الحساسية: رئاسة لجنة العلاقات الخارجية. وهذا الموقع، في زمن الحرب، لا يعني إدارة بروتوكول أو تنظيم زيارات فقط. إنه يعني حمل رواية سياسية إلى الخارج؛ شرح موقف التحالف؛ بناء قنوات مع العواصم؛ محاولة التأثير في لغة الوساطات؛ والدفاع عن فكرة أن القوى المدنية لا تزال طرفًا ضروريًا في أي حل، حتى لو لم تكن تملك السلاح أو الأرض.
هنا يبرز وزن بابكر فيصل. ليس لأنه أكبر من حزبه، بل لأنه صار في موقع يربط بين رصيد ديسمبر، وتحالف «صمود»، وممرات الخارج. في لحظة أصبح فيها الخارج مسرحًا رئيسيًا للسياسة السودانية، صار رئيس العلاقات الخارجية في تحالف مدني شخصية لا يمكن فصلها عن سؤال الحرب والتسوية والشرعية.
الخارج كأداة سياسية
يقيم بابكر فيصل في الولايات المتحدة منذ سنوات. هذه الإقامة منحته نافذة على دوائر سياسية وإعلامية لا تتاح بسهولة لسياسيين يتحركون من الداخل أو من عواصم أقل تأثيرًا. لكنها في الوقت نفسه صارت جزءًا من السجال حوله.
في السياسة السودانية، الخارج ليس مكانًا محايدًا. هو فرصة ومأخذ في الوقت نفسه. فرصة لأنه يفتح الأبواب أمام المؤسسات الدولية، ومراكز التفكير، والجهات الدبلوماسية، ودوائر الضغط. ومأخذ لأنه يضع السياسي تحت سؤال المسافة: هل يتحدث من موقع قريب من معاناة الناس اليومية؟ أم من موقع آمن نسبيًا، بعيد عن الجغرافيا التي تأكلها الحرب؟
هذا السؤال لا يخص بابكر فيصل وحده. إنه يلاحق شريحة واسعة من النخبة المدنية السودانية في المنافي. فمنذ اتساع الحرب، وجد كثير من السياسيين والصحفيين والنشطاء أنفسهم خارج البلاد، بينما ظل الداخل يواجه القصف والنزوح والجوع وانهيار الخدمات. ومع ذلك، لم يتوقف الخارج عن إنتاج السياسة. بل ربما ازداد دوره، لأن العواصم التي تستضيف اللاجئين والقيادات والاجتماعات صارت جزءًا من شبكة القرار والوساطة.
ميزة بابكر فيصل أنه يعرف لغة هذا الخارج. ومأزقه أن هذه اللغة لا تكفي وحدها لصناعة نفوذ داخلي. فالعلاقات الدولية تمنح السياسي صوتًا، لكنها لا تمنحه بالضرورة قاعدة. وتفتح له الأبواب، لكنها لا تحل معضلة الثقة داخل مجتمع منهك، يشك في الجميع، ويطالب بأكثر من البيانات والتصريحات.
خطاب ضد الحرب… لا ينجو من الحرب
منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، اتخذ بابكر فيصل موقفًا واضحًا ضد الحل العسكري. يرى أن الحرب خطر وجودي على وحدة السودان، وأن استمرارها لا يقود إلى نصر وطني، بل إلى تفكيك الدولة والمجتمع وفتح الباب أمام تدخلات خارجية أعمق.
في هذا الخطاب، لا تبدو الحرب مجرد صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع. إنها، في قراءته، نتيجة لأزمة أعمق في بنية السلطة السودانية: علاقة العسكر بالسياسة، فشل الانتقال، عودة شبكات النظام السابق، ضعف القوى المدنية، وانهيار التوافق الوطني حول شكل الدولة.
لذلك يتبنى فيصل، في خطه العام، فكرة الحل الشامل: وقف دائم لإطلاق النار، مسار إنساني عاجل، ثم عملية سياسية مدنية تعالج جذور الأزمة، لا مجرد ترتيبات أمنية فوقية بين أمراء الحرب.
“الحرب تجعل كل موقف مدني قابلًا للتشويه، لأنها لا تحب الأصوات التي لا تنضم بالكامل إلى أحد خنادقها”
لكن الخطاب ضد الحرب لا ينجو من الحرب. فالمعسكر المؤيد للجيش ينظر إلى «صمود» بعين الريبة، ويتهمه، بصورة مباشرة أو ضمنية، بممالأة قوات الدعم السريع أو توفير غطاء سياسي لها. وفي المقابل، يواجه التيار المدني المناهض للحرب نقدًا من داخل الفضاء الديمقراطي نفسه: هل يكفي قول «لا للحرب»؟ أين تقع المساءلة؟ كيف تُقرأ الانتهاكات؟ وهل يمكن بناء حياد أخلاقي بين قوة دولة مختطفة، وقوة متمردة ارتكبت انتهاكات واسعة، ومجتمع يدفع الثمن؟
بابكر فيصل يقف في قلب هذه المنطقة الصعبة. فهو، بالنسبة إلى أنصاره، صوت مدني يحاول منع انزلاق البلاد إلى حرب مفتوحة بلا نهاية. وبالنسبة إلى خصومه، سياسي يتحرك في منطقة رمادية لا تمنح الجيش شرعية الحرب الكاملة، ولا تدين الدعم السريع باللغة التي يريدونها. وبين الصورتين توجد الحقيقة الأكثر تعقيدًا.
الحركة الإسلامية: خط أحمر في مشروع «صمود»
من أوضح ملامح خطاب بابكر فيصل وتحالف «صمود» موقفهما من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول. في هذا الملف، لا تبدو لغته رمادية. فهو يرى أن عودة الإسلاميين إلى قلب العملية السياسية، في ظل استمرار نفوذهم داخل أجهزة الدولة وبيروقراطيتها وبعض مفاصلها الأمنية والعسكرية، تعني إعادة إنتاج الأزمة التي فجّرت الانتقال ثم الحرب.
هذا الموقف يضعه في صدام مباشر مع القوى التي ترى أن أي تسوية لا تستوعب الإسلاميين ستكون ناقصة أو غير قابلة للتنفيذ. لكنه، في المقابل، يمنحه مكانًا واضحًا داخل سردية ديسمبر: سردية ترى أن الثورة قامت أصلًا ضد نظام شمولي طويل، وأن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة لعودة ذلك النظام من نافذة التسوية.
المعضلة هنا أن السياسة لا تعمل بالشعارات وحدها. استبعاد الإسلاميين قد يكون مطلبًا أخلاقيًا وسياسيًا عند قطاعات واسعة من قوى الثورة، لكنه يصطدم بسؤال القوة الفعلية: أين توجد شبكاتهم؟ كيف تعمل داخل الدولة؟ ما أثرهم في الحرب؟ وهل يمكن بناء سلام دائم من دون تفكيك نفوذهم، لا مجرد استبعادهم من طاولة معلنة؟
حق تقرير المصير وسؤال الوحدة
من الملفات الجدلية في خطاب بابكر فيصل موقفه من حق تقرير المصير. فهو يدعو إلى الوحدة الطوعية، ويرى أن مستقبل السودان ينبغي أن يُبنى على عقد جديد يعترف بالتنوع ويؤسس لوحدة قائمة على الرضا لا القهر. لكن هذا الموقف تعرض لانتقادات من بعض المدافعين عن حق تقرير المصير، الذين رأوا فيه تراجعًا عن مبدأ يفترض أن يكون متاحًا للشعوب والمجتمعات المضطهدة.
في بلد خرج منه جنوب السودان بعد حرب طويلة، وتعيش أطرافه اليوم أشكالًا متعددة من العنف والتهميش، لا يمكن التعامل مع سؤال الوحدة باعتباره مسألة نظرية. لذلك تبدو دعوة فيصل إلى الوحدة الطوعية محتاجة دائمًا إلى تفصيل: ما شروط هذه الطوعية؟ من يضمنها؟ وكيف تُقنع المجتمعات التي عاشت القصف والنزوح والإقصاء بأن الدولة الجديدة لن تكون نسخة مهذبة من الدولة القديمة؟
القاهرة: حين يصبح المطار عنوانًا سياسيًا
ما هو ثابت أن بابكر فيصل أُوقف داخل مطار القاهرة الدولي أثناء استعداده للمغادرة، وأن الواقعة استمرت ساعات طويلة، قبل الإفراج عنه لاحقًا. وما هو ثابت كذلك أن السلطات المصرية لم تصدر، حتى لحظة إعداد هذه المادة، توضيحًا رسميًا يشرح أسباب التوقيف أو ملابسات الإفراج.
أما ما هو منسوب، فيبقى ضمن دائرة الروايات. فقد حمّل التجمع الاتحادي جهات سيادية مصرية مسؤولية التوقيف، بينما تحدثت مصادر أخرى عن احتمال ارتباط الأمر بإجراءات تحقق أو بلاغات ذات طابع سياسي. ولا تملك «سودان ستوري» تحققًا مستقلًا يرجح إحدى الروايتين.
لكن الواقعة تكتسب معناها من السياق أكثر مما تكتسبه من الإجراء نفسه. فمصر ليست محطة محايدة في الملف السوداني. هي دولة جوار، وبلد يستضيف أعدادًا ضخمة من السودانيين بعد الحرب، ولاعب إقليمي حاضر في مسارات الاتصال والوساطة، وذات حساسية خاصة تجاه النشاط السياسي السوداني على أراضيها.
لهذا لم تُقرأ ساعات التوقيف كواقعة إدارية فقط. ربما كانت كذلك في حقيقتها الإجرائية، وربما لم تكن. لكن غياب التوضيح الرسمي ترك فراغًا، والسياسة بطبيعتها تملأ الفراغ بالتأويل.
بالنسبة إلى بابكر فيصل، كانت الواقعة اختبارًا لرأسماله السياسي الأول: حرية الحركة. فالرجل لا يملك قوة على الأرض، ولا سلطة تنفيذية، ولا جهازًا حزبيًا واسع الانتشار داخل السودان. ما يملكه أساسًا هو القدرة على الحركة والاتصال والتمثيل السياسي في الخارج. فإذا أصبحت هذه الحركة نفسها قابلة للتعطيل، فإن ذلك يكشف هشاشة الدبلوماسية المدنية السودانية في الإقليم.
«صمود» بين العواصم والداخل
واقعة القاهرة أعادت، مرة أخرى، سؤال «صمود» نفسه. فالتحالف يحاول أن يقدم نفسه بوصفه الكتلة المدنية الديمقراطية الأبرز في مواجهة الحرب. لكنه يتحرك في بيئة شديدة التعقيد: جيش يطالب بالشرعية باسم الدولة، دعم سريع يسيطر على أرض ويمارس سلطة أمر واقع في مناطق واسعة، إسلاميون يسعون إلى العودة عبر خطاب الحرب، قوى مدنية منقسمة، وأطراف إقليمية ودولية تتعامل مع السودان كملف أمن واستقرار بقدر ما تتعامل معه كقضية تحول ديمقراطي.
في هذه البيئة، تصبح العلاقات الخارجية ضرورية. لا يمكن لأي تحالف مدني أن يتجاهل العواصم المؤثرة، ولا أن يترك رواية الحرب للفاعلين المسلحين وحدهم. لكن الاعتماد على الخارج يحمل خطره الخاص: أن يُنظر إلى التحالف بوصفه صوتًا في القاعات أكثر منه قوة في الشارع، أو بوصفه نخبة تتحدث للعالم قبل أن تبني ثقة كافية داخل السودان.
هذا هو التحدي الذي يواجه بابكر فيصل تحديدًا. فنجاحه لا يُقاس بعدد اللقاءات الخارجية وحدها، بل بقدرته على تحويل تلك اللقاءات إلى أثر سياسي ملموس: ضغط لوقف النار، حماية للمدنيين، فتح للممرات الإنسانية، وإدخال القوى المدنية في معادلة الحل لا كديكور تفاوضي، بل كطرف يعبر عن مصالح مجتمع دمرته الحرب.
مأزق السياسي المدني في زمن السلاح
قصة بابكر فيصل تكشف مأزق السياسي المدني السوداني بعد أبريل 2023. فهو يتحرك في عالم لا يكافئ إلا من يملك أدوات الضغط الخشن: الأرض، السلاح، المال، أو الدعم الإقليمي المباشر. أما السياسي المدني، فيملك اللغة، والعلاقات، والشرعية الأخلاقية، ومحاولة بناء المعنى. وهذه أدوات مهمة، لكنها بطيئة في زمن سريع الدم.
من هنا تأتي صعوبة موقعه. فهو مطالب بأن يرفض الحرب من دون أن يبدو متساهلًا مع الانتهاكات. وأن يخاطب الخارج من دون أن يفقد الداخل. وأن يتمسك بديسمبر من دون أن يكرر أخطاء قواها. وأن يحافظ على وحدة حزب وتحالف في زمن يمزق كل التنظيمات. وأن يقدم بديلًا مدنيًا في لحظة يبدو فيها السلاح هو اللغة الأعلى.
هذه ليست مشكلة بابكر فيصل وحده. إنها مشكلة جيل كامل من السياسيين المدنيين الذين وجدوا أنفسهم بعد الثورة أمام مسؤولية أكبر من أدواتهم. أسقطت ديسمبر نظامًا، لكنها لم تبنِ بعد مؤسسات سياسية قادرة على حماية الانتقال.
ما الذي يمثله بابكر فيصل؟
يمثل بابكر فيصل، في صورته السياسية الحالية، ثلاث طبقات متداخلة: طبقة ديسمبر، القادمة من فصيل شارك في إعلان الحرية والتغيير؛ وطبقة المنفى السياسي، من النخبة التي وجدت في الخارج مساحة للعمل والتأثير لكنها ظلت محكومة بسؤال المسافة عن الداخل؛ وطبقة الحرب، التي تفرض عليه أن يجيب كل يوم عن أسئلة الشرعية والانتهاكات والتحالفات والتدخلات الخارجية وموقع الإسلاميين ومستقبل الدولة.
هذه الطبقات تجعل منه شخصية كاشفة أكثر من كونه شخصية حاسمة. فهو لا يصنع وحده اتجاه الأحداث، لكنه يكشف طبيعة المرحلة: مرحلة لم تعد فيها السياسة السودانية داخلية بالكامل، ولم تعد خارجية بالكامل؛ لم تعد مدنية خالصة، ولم تعد عسكرية فقط.
خاتمة: رجل في ممر ضيق
أُفرج عن بابكر فيصل بعد ساعات من توقيفه في القاهرة. لكن الواقعة بقيت أكبر من نهايتها الإجرائية. فقد كشفت أن السياسي المدني السوداني يتحرك اليوم في ممر ضيق: بين سلطة السلاح في الداخل، وحسابات العواصم في الخارج، وشكوك المجتمع، وضغط الخصوم، وتآكل الثقة في كل الأجسام السياسية.
“رصيد ثوري يبحث عن صيغة جديدة، نخبة مدنية تحاول أن تبقى في المعادلة، وخارج صار ضرورة وعبئًا في آن واحد”
في مطار القاهرة، توقفت رحلة رجل لساعات. لكن ما ظهر في تلك الساعات كان أعمق من واقعة توقيف. ظهر سؤال السياسة المدنية السودانية وهي تعبر الحرب بلا ضمانات: كيف تتحرك؟ من يحميها؟ من يسمعها؟ وكيف يمكن لها أن تتحول من صوت في العواصم إلى قوة قادرة على التأثير في مصير بلد يتفتت تحت ضغط السلاح؟


